الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2011

قصص لم أروها : الطفل الذي أحبني



في السابعة والعشرين من عمري أكرمني ربي بزيارة مكة والمدينة.. كان أول سفر في حياتي ولن أنساه حتى مماتي، وسيبقى لشهر مارس من سنة ألفين وعشرة وقع خاص في قلبي.. حملت دفتري وقلمي وسكبت فيه كلماتي .. كنت أريد تخليد ذكرياتي ونسيت أن هكذا روعة لا تُنسى وتعجز أمامها عباراتي.. فأوقفت الكتابة عندها ثم عدت إلى بلادي وحملني الشوق لأن أسرد عليكم حكاياتي في الحجاز، ثم وجدتني أطيل عليكم لم أستطع الإيجاز.. ورغم ذلك لم أقل كل شيء وكما توقفت في مكة عن الكتابة، توقفت ههنا عن الحكاية .. لكني اليوم آخذ قلمي لأكمل الرواية...

سأتحدث عن هذا الطفل الذي سافر معنا مع أمه الشابة وجدّته الحنون. كنت أظنه في السابعة أو الثامنة من عمره إلا أنه في الحقيقة لم يكن يتجاوز الخمس سنوات.. كنا في الأسبوع الثاني من إقامتنا بالحجاز وفي يوم عرض علينا قائد الرحلة أن نسافر إلى جدة التي لا تبعد أكثر من ثمانين كيلومترا عن مكة، فعزمت الذهاب مع أبي وعمتي. وعندما انحنيت وهممت بالصعود في سيارة الأجرة الكبيرة، فوجئت بهذا الصبي يتناول وجهي بين يديه ويتحسس وجنتي وقد أشرقت ملامحه بابتسامة عريضة، لم أدري أكانت تلك طريقته في التعبير عن فرحه بقدومي أم أنه كان ينظر إلي كما يشاهد الصور المتحركة في التلفاز وقد سرّه التأكد أني لست فقط صورة بل كائنا بشريا يمكن لمسه ومشاركته فرحة السفر والمغامرة..

ورغم أني لاحظت اهتمامه السابق بي إلا أني لم أكن أتوقع أن يفرح برؤيتي إلى تلك الدرجة، وكنت أحس نحوه بالإمتنان، جميل أن يحبك إنسان ..
-         ما اسمك؟
-         إيمان
تجاذبنا أطراف الحديث في المسجد، عرفتُ اسمه وسنه .. وحكى لي عن أخيه الكبير في المهجر و شوقه الشديد إليه .. كان مثلي وحيدا .. وحيدا بين الكبار، يريد أن يلعب ويكره الانتظار.. وسرعان ما انتبهت لصداقتنا الأنظار حتى  قهقهت الجدّة وهي تقول لكنّتها: يبدو أن ابنك قد وجد ضالته في هذه الفتاة، ما رأيك لو نخطبها له.. ولم أرى بدا من المجاملة والابتسام...

كان من المفروض أن نعود إلى مكة إثر صلاة العصر لكن رفاقنا وأكثرهم من النسوة أصروا على متابعة التجول في المدينة والتسوق فهنا الأسعار مناسبة والطقس جميل فعلام التعجل على الرحيل.. فلم يكن للانصياع لرغبتهم بديل. وأصر لِؤي على مرافقتي في التجوال، لم يكن يأبه لأمه وجدّته بل كان يريد أن يبقى معي وقد لاحظ الجميع اهتمامه الزائد بي. في البداية ارتاحت أمه وجدّته لذلك، فكأن ابنهم وجد طفلة من سنه يلعب معها.. لكن عندما تطور الأمر فأصبح يفضل صحبتي على رفقتهما لم يعد الأمر مضحكا .. بل إني شعرت بالغيرة في نظرة أمه وهي تناديه أما جدّته فلم تتمالك نفسها أن نهرته.. حتى أبي ضاق ذرعا بالطفل الصغير، كان يريدني أن أصرف اهتمامي كله لأخته العجوز وكأن ملاطفة صبي يطلب رفقتي أمر لا يجوز.

مسكين لؤي.. بل مسكين هذا الصبي، فقد نسيت اسمه .. لكن في قلبي تخلد ذكره، واليوم مازلت ممتنة لهذا الملاك  الطاهر الذي جعل سفري أجمل، لهذا الطفل الذي رأى فيّ ما عجز عن رؤيته الكبار، فقد كانت هناك فتاة شابة تصغرني بعشر سنوات ألم تكن مناسبة أكثر ليرتاح إليها ويلعب معها؟ لماذا اختارني أنا؟  أتراه  تفطن إلى الطفلة الكامنة بداخلي أم أن الله بعث لي من يؤنسني في وحشتي، من يواسيني في غربتي بين الكبار، من يمسح على قلبي الذي اشتاق لمن يسكنه وطال به الانتظار.

فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك !


أضع صورتك أما وجهك فلا.. هو أغلى من أن أتقاسمه مع العالم ..

هناك 10 تعليقات:

  1. émouvant :') avec un joli style ;)
    t'as du succès auprès des petits ( et des grands aussi ;) ) sa7a ^^

    ردحذف
  2. @ Lili : à la différence qu'avec les petits on n'est jamais déçus .. ou presque :p

    thanks sweety <3

    ردحذف
  3. ma7leha hal jomla "
    أضع صورتك أما وجهك فلا.. هو أغلى من أن أتقاسمه مع العالم .."

    ردحذف
  4. @ Soulef : merci :)

    Bon, je ne me reconnais pas en plus le droit d'afficher sa photo ici ..

    ردحذف
  5. عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : (( إذا أحب الله تعالى العبد، نادى جبريل، إن الله تعالى يحب فلاناً، فأحببه، فيحبه جبريل، فينادي في أهل السماء : إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له
    القبول في الأرض )) متفق عليه
    :)

    ردحذف
  6. juste un petit commentaire car je sens que tu as qcq chose qui te tracasse:
    ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ{157} )

    +

    عن رسول الله صلى الله عليه و اله وصحبه وسلم : (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم..)

    فأوصيك بالصبر، إن الله يريد أن يسمع صوتك تدعينه، عليك بدعاء :)

    ردحذف
  7. bravo désenchantée une histoire trééés touchante.

    ردحذف
  8. @ IK : merci pour ces bons rappels, mais t'inquiète je vais très bien et j'ai plus que confiance en Dieu, c'était là juste mes feelings du moment, back in March 2010 lol, 3ala kol jazeka Allahou khayran :)

    ردحذف
  9. @ Med Ali Gouiaa : ton feedback me fait très plaisir, merci pour la lecture et le com' :)

    @ Haifa : ma chérie connaissant ton "silence" habituel c'est un honneur de te voir t'exprimer par un sourire dans ce coin oublié de la Désenchantée :p mar7bé :D

    ردحذف