من حديث النفس: رسالة إلى أم

6/14/2018


28 رمضان 1493
14 جوان 2018

العاشرة صباحا في المكتب. أكتب لأعيد شريط البارحة، وبالتحديد لأتذكر ما فعلت. لأسترجع الأخطاء التي اقترفتها في حق ولدي خاصة. استضفت أختي وعائلتها للإفطار معنا لكني فقدت أعصابي لأن ابني عطلني كثيرا وأزعجني وقام بالعديد من الأمور المقلقة لكنها في نفس الوقت عادية يفعلها كل الصغار.

الطفل عزيزتي لا يريد أن يلعب وحيدا في مكان معين، الطفل يحب المشاركة والعالم كله ساحة لعب بالنسبة إليه. فلا تعجبي يا دام صبرك إذا تبعك إلى المطبخ ووقف على الكرسي كي يغسل الصحون أو يلعب بالماء. هي تسلية خفيفة بالنسبة لروحه التواقة إلى الخروج لمعانقة أشعة الشمس والسياحة في الشوارع أو في البساتين أو على شاطئ البحر. هو صغير وبريء لا يهمه ما يهمك ولا يشغله ما يشغلك، دعيه إلى غفلته اللذيذة، اسمحي له بأن ينال نصيبه من الشقاوة كاملا غير منقوص. فماهي إلا بضع سنوات حتى يضعه العالم في قالبه الكئيب.

ابنك حبيبتي لا يدري أنه إذا بلل نفسه أو مشى حافيا فقد يتعرض لنزلة برد ومن ثم زيارة للطبيب وأدوية قد يشق عليه ابتلاعها. هو لا يعي أبدا أنه إذا رفض أن يلبس خفه فستتسخ قدماه الصغيرتان وستغضب أمه لأنها تعشق النظافة. هذه ليست مشكلته. إنما خلق الإنسان في أوله ليلعب ويكتشف ويجرب ويزرع البهجة أينما حل.

لا تنتظري سيدتي أن يجلس طويلا بمفرده في الصالون ليلعب بألعابه الجميلة وثيابه النظيفة. كوني واثقة أن أفضل مساحة للعب بالنسبة إليه هي محيطك أنت ودائرة أبيه. ليس له بعدُ إخوة يلعبون معه ولا أصدقاء يزورونه أفتستكثرين عليه أن يتبعك أينما حللت ويتعلق بثوبك بل يشبك يديه الصغيرتين حول ساقيك أو يحمل دراجته الصغيرة إلى غرفة نومك؟ هل تبخلين عليه بالمرح قليلا فوق سريرك فقط لأنك رتبته للتو؟

وهل يبرر استقبال الضيوف وإعداد الموائد أن تسيئي معاملة صغيرك؟ أطفئي المواقد ويحك واجلسي ربع ساعة لتلعبي معه وتشاركيه عالمه بهمة عالية وبتركيز تام وبحب واهتمام. قومي بهذا العمل كما تقومي بأهم الأعمال وأعظمها في حياتك. ولا تحسبي أنك إذا خصصت وقتا حقيقيا لطفلك فأنت امرأة رائعة وأم يندر وجودها وأن هذا ضرب من الكرم الطائي إنما هو، أبشرك، أضعف الإيمان. تخيلي؟

ولا بأس، يا كمُل عقلك، إن تأخر العشاء. ستأتي أختك وتساعدك وتضحكان معا على شقاوة الأطفال. وسيشارك الرجال. لكن الصياح والصراخ ونوبة الغضب المسعورة لأن ابنك لطخ ثيابه الجديدة وهو يلعب بالطعام ليس له أي مبرر، بل هو الفشل الحقيقي في ترويض النفس والعيش ب"لا تغضب". ولم الغضب؟ هل يفعل الصغار شيئا سوى اللعب والبكاء وتوسيخ الثياب وشتى الأعمال التي تفقد الصواب وتذهب بالألباب؟ هذا اختصاصهم. واختصاصك أنت حبيبتي أن تنقذي حياتهم وتنظفي وراءهم وتصبري وتصابري وترابطي ثم تحتسبي الأجر عند الله فلا أحد يقدر أن يوفيك حقك سواه.  أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ؟

هلا رأيت إلى تبدل سحنته وشحوب لونه وغياب بسمته وإطراقة رأسه وأنت تصرخين في وجهه دون رحمة ولا شفقة؟ أرأيت دموعك كيف انهمرت بعدها بثوان ندما على فعلتك؟ متى تكفين عن لعب دور الضحية المسكينة وتفهمين أنك أنت المسؤولة الوحيدة عن كل ما أصابك وأنت الظالمة لنفسك ولغيرك؟ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ.

هيا كفكفي دموعك واستخلصي العبرة وافهمي الدرس واعزمي على أن تروضي هذه النفس التي بين جنبيك وتحمليها طوعا أو كرها على التحلي بخصلتين حبيبتين إلى الله: الحِلم والأناة. ثم فلا خيار لديك فطفلك يقلدك في كل ما تفعلين فإن صرخت صرخ وإن ضربت ضرب وإن حلمت حلم وإن رفقت ترفق. أنت القدوة فانظري إلى موطئ قدميك وإن الله لسائلك عنه.

"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شَرفَ كَبِيرِنَا"




الطريق إلى القرآن

5/08/2018


أتممت للتو قراءة كتاب "الطريق إلى القرآن" لصاحبه العالم المجاهد الشاب إبراهيم السكران، ذاك الذي توارى وراء القضبان في عصر الرداءة وجبروت الحكام. توارى جسده الغض وراء قضبان من حديد ولكن روحه بقيت حرة أبية عصية على الحبس. كيف وقد أودعها كتبه وسقاها بفكره ورعاها بكلمته؟  هذا الكتاب الثالث الذي أقرأه لهذا الغيور على الإسلام المجاهد بقلمه في ساحة الوغى، المتصدر للذود عن القرآن فبعد الرقائق والمسلكيات سلكت طريقه إلى القرآن. هذا كتاب يعزز الإيمان وهو من أجل وأسمى ما نستعد به لرمضان. فهو على بساطة أسلوبه وجزالة عبارته يخاطب الوجدان وهو، أعيدها، كتاب يجدد الإيمان.



هذا دأب إبراهيم السكران. أسلوبه سهل يسير وكلمته صادقة غير متكلفة ورسالته واضحة وغايته سامية. من أجل ذلك ترى كتبه ناجحة وقد قصدت شراءها في معرض الكتاب الفارط إلا أنها نفدت تقريبا منذ اليوم الأول أو الثاني. فطوبى له وحسن مئاب! وجزاه خيرا عن الإسلام والمسلمين وفك أسره وأعلى قدره وكتبه من الفائزين.


أما بعد، فماذا عساي أن أقول عن هذا الكتاب؟ وإني لا أحسن التحدث عن الكتب ولا تسويد التحاليل الطويلة والعبارات المنمقة. فأستعين بالله وأقول إنه كتاب لامس شغاف قلبي القاسي واستنزل الدمع من عيني بعد طول انتظار. إنه كتاب يمكن تلخيصه في كلمات: الدعوة إلى القرآن، لنعمر قلوبنا بذكر الله، لا بد لنا من ختمة تدبر في كتاب الله فلا دواء لقلوبنا القاسية ونفوسنا اللاهية سواه. وفيه تحليل نفيس لسورة الفاتحة وهو أروع ما شدني في هذا الكتاب. وفيه تأملات مؤمن يرى أن لقراءة القرآن في الليل سحرا خاصا ويضرب في ذلك الأمثال. وفيه قرع لناقوس الخطر على أوقاتنا الضائعة في غير ذكر الله وأعمارنا الفانية في فضول الطعام والشراب والكلام والترفيه والأنترنيت.


 وفيه تنصيص على ضرورة أن يكون لك ورد يومي ووقت حقيقي مع القرآن. وقد أعجبتني فكرة أن تقرأ القرآن بتدبر وتفكر وحدك في معاني الآيات وترى ما الله فاتح به عليك من فهم قبل أن تلجأ لقراءة كتب التفسير. فسبحان الله، لقد أنزل كتابه بلسان عربي مبين ومن فهم العربية فهم معظم الآيات لكن طبعا هناك أمور تحتاج إلى بحث ومراجعة. وسبحان من قائل:  وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ.


 ثم يؤكد الكاتب على أن نجاحنا وفلاحنا في طلب العون من الله والاستعانة به في أمورنا كلها إلى جانب الأخذ بالأسباب. وهو يرشدنا أن ندعو الله ونلح عليه كي يجعلنا من أهل القرآن وممن يتلونه حق تلاوته. فالتخطيط والتصميم والجهود الشخصية لا تكفي وحدها لاغتنام الفتوحات العبودية. و "إياك نعبد وإياك نستعين" خير مثال ودليل. ثم ألسنا نقول دبر كل صلاة: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"؟ بل إني لأدعو بها في سجودي.


والمحصلة أن كل شيء في الدنيا يحتاج منا إلى جهد وإننا لكسالى فيما يتعلق بالدعاء ولولا الفاتحة لربما ما سألنا الله الإعانة والثبات. 



عن سحر الترتيب، اللهم سحرا

5/07/2018


حين قرأت كتب دومينيك لورو تلك الفرنسية المقيمة منذ أكثر من ست وعشرين سنة في اليابان وتعلمت فن البساطة والاتزان، ظننت أنني سأصلح من شأني وأحسن الاعتناء بأغراضي وسأتخلص من أكداس الملابس ومختلف الأشياء التي لا أحتاجها أو لا تجلب لي السعادة. وقد كتبت مراجعات لكتبها مرتين في مدونتي (هنا وهنا). بل إني قرأت لها كتابا يتحدث فقط عن كيفية تنظيف البيت. إي والله، يتحدث عن المسح والشطف ووسائل التنظيف البديلة كالخل والليمون وبيكربوناط الصودا والصابون الأسود! كانت مجموعة كتبها هدية من خطيبي حينها وأب طفلي اليوم. لكن أنا آسفة يا صديقي مازلت على حالي ولم أفلح في تطبيق المبادئ الجميلة لفن البساطة. حتى حين حاولت تنظيم بريدي الالكتروني وإزالة الرسائل القديمة محوت سهوا أجمل وأغلى رسالة كتبتها لي في عيد ميلادنا الأول. وبكيت لفقدها بكاء شديدا. أنت طبعا لم تحتفظ بنسخة منها لأنك تفرغ بريدك بانتظام، كما تفرغ جيوبك كل يوم من النقود والأوراق والبطاقات. تماما كما تنصح ماري كوندو.

ماري من؟ كوندو! تلك التي أتممت للتو قراءة كتابها الذي جاب العالم : سحر الترتيب. عرفتها من خلال صديقاتي على الفايسبوك لا سيما طريقتها الشهيرة في طي الملابس ووضعها منتصبة. لقد طبقت هذه الطريقة في درج أو اثنين من أدراجي. لكن ماذا بعد؟


 كنت أظن أنني بعد قراءة عدة كتب في مواضيع مشابهة دون أن يحدث ذلك تغييرا جذريا في حياتي، قلت ظننت أنه لا طائل من قراءة هذا الكتاب. فلن يكون سوى حجة أخرى علي. لكنني وجدتني منساقة إليه بدافع الفضول وترويحا عن النفس أيضا. وقد سرني أنه كتاب يقرأ بيسر وقد وجدت متعة كبيرة في قراءته إجمالا. فأنت حين تغوص بين دفتيه تبدأ في تخيل نفسك تجلس أمام جبل من الملابس وتتخلص من نصفها، ترى نفسك وقد نجحت في ترتيب بيتك مرة واحدة وإلى الأبد. ترى نفسك حرا طليقا من قيود المادة وعبودية الاستهلاك والتعلق السخيف بمتاع الدنيا.


أعجبني الكتاب في نصفه الأول حين تتحدث ماري كوندو عن مبدأ الرمي والتخلص من الأشياء وقصة شغفها بالترتيب منذ الصغر والطرق التي استعملتها ثم تبين لها قصورها. فأنت هنا تتعلم من أخطائها. هي لا تكتفي برمي "حقيقتها" في وجهك، بل تشرح لك على مهل مجموع التجارب التي قادتها إلى هذه الطريقة بالذات. وقد أحببت جدا معيارها الاستثنائي في فرز الأشياء:



لكنني لم أركز كثيرا في الجزء المخصص لشرح كيفية ترتيب الأغراض المتبقية. فمثل هذه الأمور تكون أكثر وضوحا بالصور. ثم عدت فأحببت الجزء الأخير حين تتحدث عن سحر الترتيب وأنه يعينك على تعزيز ثقتك بنفسك ومعرفة ما تحب أن تفعل بحياتك. 


لكنني استغربت كثيرا من أنها لم تخصص ولو فقرة واحدة لتقول لك ما يجب عليك فعله بالأكياس التي ستخرجها من بيتك. هذه النقطة طالما أقلقتني وأقعدتني عن التحرك الجذري في هذا الاتجاه.

أخيرا لا أوافق بتاتا تلك المبالغات في التعامل مع الأغراض وكأنها كائنات حية بأرواح، هناك الكثير من الخزعبلات المضحكة في هذا الاتجاه وقد أبدلنا الله خيرا منها. فلنا التحية عند دخول البيت ولنا دعاء لبس الجديد والكثير من الأذكار الطيبة. لكنني أوافقها في وجوب أن نعامل أغراضنا باحترام ونعتني بها ونشعر بالامتنان لكن لمن منحنا إياها وليس لها في حد ذاتها.

عموما كتاب رائع خاصة بالنسبة لمن لم يسمع أبدا عن فن التقليل والبساطة، وهو أروع لمن سينتفض قائما بعد قراءة الكتاب ويحمل أكياسا عديدة ثم يجلس في بيته ساعات طويلة ليخرج بعدها إلى العالم بنفس جديدة وقد تخلص من كل الأشياء التي لا يحبها.


الكتاب جميل لكنه ليس رواية ولا أقصوصة إنما هو دليل نحو حياة أفضل. فمن طبق قوانينه فقد انتفع وأما من اكتفى بالمطالعة فمثل هذه الكتب لم تخلق للقراءة بل للتغيير والتطبيق وتصدق فيها مقولة روبن شارما:


أخيرا أرجو أن أعود في المرة القديمة لأخبركم لا برأيي في الكتاب ولكن بما فعله الكتاب بي وما أنجزته في بيتي. وكلي أمل أن أطبق طريقة ماري كوندو منذ اآن حتى إذا انتقلت إلى بيتي الجديد سهل علي ترتيب كل شيء والاستمتاع بحياتي وممارسة هواياتي. والله ولي التوفيق.

مما أعجبني أيضا





تذكرت أن زوجي أهداني مؤخرا كتابا آخر لها بالفرنسية فيه صور ملونة، أرجو أن ينفعني الله وإياكم بهما وأن لا يكونا حجة علي يوم القيامة ! D:




وما أثقل من رضوى؟

4/17/2018



18 مارس 2018

أنهيت منذ يومين كتاب "أثقل من رضوى". كان وقعه شديدا على نفسي حتى لكأنني رأيتها في المنام أو عشت ما عاشت بطريقة ما لا أدري. أحببتها كما لم أحبها من قبل بفضل هذا الكتاب. قرأت "الطنطورية" وهي رائعة من روائع الأدب زاد من رفعتها الجرح الفلسطيني والذاكرة التي لا تنسى. ثم استزدت فقرأت لها ثلاثيتها الشهيرة الخالدة خلود غرناطة في التاريخ. كان لدي بعض الاحترازات رغم أن الجزء الأول قمة في الإبداع. لكن مهلا، هذه رضوى الكاتبة الناجحة أم تميم البرغوثي الشاعر الشاب وزوجة مريد الشاعر والأديب وصاحب رائعة أخرى من روائع الأدب الفلسطيني : "رأيت رام الله". كتبت مراجعتها هنا.

أما أنا فقد رأيت رضوى في هذا الكتاب وعرفتها كما لم أعرفها من قبل. لم تكن سيرة ذاتية بقدر ما هي أولا سيرة ثورة مصرية ووطن. يبدو أن الكاتبة فعلا إنسانة في جوهرها، بل هذا أفضل وأوكد تعريف لرضوى: هي إنسانة قبل كل شيء. لم تشأ أن تسلط الأضواء على حياتها فقط بل شغلت نفسها بتوثيق مجريات الثورة ووقائعها كما عاشتها وتفاعلت معها.

أحببت كثيرا الجزء الذي تحدثت فيه عن صغرها وذكريات طفولتها في المدرسة. وددت لو تمادت أكثر في هذا الحديث الشيق لأنه شهادة على حقبة من التاريخ المصري الحديث ثم لأننا جميعا نحن إلى عهد الطفولة الأولى وذكريات الصبا.

أحببت أيضا الفصل المخصص للحديث عن الكتابة وكيف كانت جالسة في عطلة صيف ثم نهضت لتكتب أول جملة في روايتها "فرج". هكذا كتبت دون سابق إصرار ولا ترصد!

تألمت لألمها وشعرت بمعانتهم (هي وحبيبيها) وهي تسرد أدق تفاصيل مرضها ورحلة العلاج والغربة الطويلة إذ اضطرت لتعيش أولى حلقات الثورة المصرية وهي بعيدة عن وطنها لأن "برتقالة" صغيرة نبتت في رأسها.

رضوى لها أسلوب فريد في الكتابة. لا تلجأ بتاتا إلى تهييج العواطف وتسول الدموع واستثارة الشفقة. هي "ذكورية" جدا في كتابتها وهذه هي شخصيتها. فإذا وجدت نفسك تبكي أيها القارئ العزيز فهذه فقط مشكلتك. أما هي فلم تفعل شيئا سوى قول الحقيقة، بلا زخارف ولا نقوش ولا صور شعرية. لكن الحقيقة وحدها تكفي كي نضحك أو .. نبكي! كما يقول الفنان المشاغب الذي دوخ فرنسا Dieudonné ما معناه: "أنا لا أفعل شيئا سوى قول الحقيقة وهي لسخفها كفيلة بإضحاك الناس"!

لاحظت أيضا كم تستعمل رضوى الجمل القصيرة. بل هناك جمل مؤلفة من كلمة واحدة أو اثنتين. وهي تنقل الوقائع أحيانا بلا تعليق خاص من لدنها. فكثيرا ما تكون مشاعر الخوف والألم واضحة لدرجة لا يصلح معها ترصيف الكلِم. تصف كثيرا الأماكن والأزمنة والظروف والوجوه لكنها لا تستفيض أبدا في وصف المشاعر. بل إنها أحيانا تبالغ في وصف أماكن في مصر على طريقة "غوغل ماب" وهو أمر لا يضيف للقارئ شيئا يذكر عدا إحساسه بعشق هذه المرأة لبلدها!

مشكلتي مع هذا الكتاب أنني حين أنهيته لم أودع كتابا إنما ودعت كاتبة فذة وإنسانة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. كونها كتبته في أواخر حياتها وهي تحس ربما بدنو أجلها، يضفي عليه هالة خاصة. تمنيت لو كنت من طلابها فنعم الأستاذة هي. أو لو أرسلت لها رسالة معطرة بحب تونسي أصيل.

تمنيت لو تحدثت رضوى أكثر عن رضوى. أما أحداث الثورة المصرية فقد ضقت بها ذرعا في البداية لكن سرعان ما أدركت كم من المهم والضروري توثيقها في كتاب وإن كان سيرة ذاتية.

رضوى أبكتني في موضع واحد: طالب سابق ثم زميل على فراش المرض بل الموت يطلب من الممرضة ورقة وقلما لأنه لا يقوى على الكلام. فماذا كتب؟ "أحضري كرسيا لأستاذتي"!

يقشعر بدني وتندى عيني وأنا أنقر هذه الكلمات في لوحة المفاتيح. ربما لأن أمي أستاذة أيضا. ربما لأني كنت أحلم بأن أصير أستاذة جامعية. ربما لأن الموقف ببساطة حزين وجميل. ربما لأن هذا الكتاب يصف جرح مصر النازف.

الآن أفهم أكثر تلك الصورة الكئيبة لمريد وتميم وهما بجوار رضوى الجسد ... حين ارتفعت روحها لترفرف عاليا فوق سماء الجمال والأدب. رحمها الله رحمة واسعة فقد كانت أستاذة وإنسانة وفنانة وقدوة لكل من تحلم بأن تحمل القلم وترسم به طريقها على صفحة هذا الوطن وتخلد اسمها بين طيات الزمن!



أيام من حياتي

4/13/2018


أنهيت للتو كتاب " أيام من حياتي" لزينب الغزالي. التهمته في يوم واحد تقريبا. عصفت بي تجربة زينب في سجون جمال عبد الناصر أيما عصف. لو عاشت هذه المرأة العظيمة زمن النبي لكانت اسمها سمية، ولو عاش فرعون مصر وقتها لكان اسمه أبا جهل "فرعون هذه الأمة". إلا أن حربته الهوجاء اصطدمت بإرادة زينب الصلدة الصماء.

لقد قرأت من قبل رواية أيمن العتوم الرائعة في فظاعتها "يسمعون حسيسها" وتابعت جلسات الاستماع العلنية لهيأة الحقيقة والكرامة بتونس فظننت أنني مهيأة لألوان العذاب التي سأقرأ عنها في قصة زينب وشهادتها الحية للتاريخ كما عاشته وعانته. إلا أن جحيم السجن الناصري كان يخفي في جعبته مقالب أخرى لا يجرأ الشيطان على التفكير فيها. ثم إننا هنا لسنا بصدد شابة في مقتبل العمر (مع ما في ذلك من بشاعة أيضا) بل نحن نتحدث عن سيدة وقور في الستين من عمرها، داعية إلى الله على بصيرة. عجبت لشجاعتها وقوة عزيمتها وصدق إيمانها. فمذ دخلت إلى السجن أطلقوا عليها الكلاب الجائعة وتركوها لتنهش لحمها في غرفة مغلقة! لكنها في أحلك الظروف ما تفتأ تذكر الله وتسأله العون والثبات وقد حدثت معها عدة كرامات بل رأت الرسول عليه الصلاة والسلام أربع مرات. هذه سيدة أوصى عبد الناصر شخصيا بأن يعذبوها أكثر من الرجال. سبحان الله كان يكرهها كرها مرضيا.

تفهم من هذه الشهادة الحية كم أن الطغاة أقزام فرغم تجبرهم وجبروتهم وسلطانهم ومظاهر القوة والأبهة الفارغة إلا أنهم يعيشون في خوف دائم بل في هلوسات لا أساس لها من الصحة وعساه من عذابهم المعجل في الدنيا قبل الآخرة. من أجل ذلك تراهم يبطشون بمن يخالفهم ويتخيلون ألف محاولة لاغتيالهم أو الانقلاب عليهم فلا يبالون بسجن الألوف وقتل العشرات بل وإبادة قرى بأكملها من أجل أن لا تميد الأرض تحت أقدامهم.

فمثلا كانوا يطلبون من زينب أن تعترف بأنها كانت وسيد قطب وغيره يخططون لقتل جمال عبد الناصر. وعبثا كانت تجيبهم بأن قضيتها أكبر من الأشخاص وأنها إنما تسعى لتربية وتهيئة جيل من الشباب المسلم لإقامة شريعة الله يوما ما قد يطول الزمن قبل الوصول إليه إلا أن زبانية الطاغية وجنود فرعون أبوا أن يصدقوا هذا الكلام.

طبعا كان منهم الكفرة الفجرة يقولون لها أين ربك لم لا ينقذك؟ ويعدونها بالدخول إلى جنة رئيسهم إذا انصاعت لأوامرهم وبأنها ستخرج للتو من ذاك الجحيم لتتسلم مقاليد وزارة الشؤون الاجتماعية. يريدونها أن تبيع آخرتها بعرض من الدنيا لكنها صمدت صمودا يعز على أعتى الرجال فما أعجبها!

من المواقف التي لا أنساها حين أرادوا تعليقها طلبت بنطلونا فأعطوها إياه، أما نحن في تونس فيعلقون النساء عرايا. لا أدري إن شفع لها تقدمها في السن أم أن هؤلاء القساة لهم شيء من تدين ثقافي يفوق حالنا هنا. ثم لا أنسى حين وضعوها في غرفة وأدخلوا عليها ماردا ليدنس عرضها فما إن تركوهما حتى لاطفها وناداها يا خالة ولم يمسها بسوء فكان جزاؤه الرمي بالرصاص. ثم أتوها برجلين اثنين وكانت الخطة أن يتناوبا على الاعتداء عليها. فما إن اقترب الأول حتى أمسكته من رقبته بكلتا يديها وأنشبت أسنانها في  لحمه فأردته جثة هامدة ! أي نعم يا سادة. رغم الإعياء والتعذيب والتجويع والأقدام المتورمة إلا أنها أوتيت قوة اللبؤة حين تنافح عن صغارها. فأكرمها الله وذاد عن حياضها.

في هذا الكتاب تعايش الأجواء التي "حوكم" فيها سيد قطب ولحظاته الأخيرة مع أخته وزينب في السجن والمساومة الأخيرة قبل إعدامه ظلما وزورا. ثم تستشعر كم أنها نعمة عظمى أن تطالع كتاب "معالم في الطريق" وأنت آمن في سربك معافى في بدنك لك قوت يومك تجلس على أريكة وترتشف الشاي بينما في وقت زينب كانت هذه تهمة في حد ذاتها فنحمد الله على نعمة الحرية التي أتت بها الثورة التونسية رغم تعثرها وكفى جحودا وكفرانا لآلاء الله.

هذا كتاب عظيم عظم التجربة التي يرويها بلغة جميلة واستشهادات كثيفة  ورائعة من القرآن الكريم. عيبه الوحيد التكرار. كنت أفضل أن تلخص الكاتبة بعض الأمور التي تتكرر كالاستجواب بنفس السؤال ونفس الاتهام ثم التعذيب فالمستشفى ثم التعذيب مرة أخرى فالمستشفى وهكذا في حلقة مفرغة تصيب الإنسان بالجنون إذا عاشها وبالملل إذا قرأها.

هذه امرأة انتصرت على الكلاب والقساة والتعذيب بالماء والنار والسياط ولم تقل إلا الحق. بينما يتهاون بعض الناس في الكذب ليل نهار في أمور تافهة، تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم. سيد قطب لم يشأ أن يكذب لينقذ نفسه من حبل المشنقة والناس تكذب كل يوم ثم تزيد في الكذب إذ تسميه كذبا أبيض.

رحم الله زينب الداعية وجعلها في الفردوس الأعلى مع الشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. ورحم الله الشيخ المشاغب وجدي غنيم إذ سمى فرعون مصر جمال العبد الخاسر. وحسبنا الله في تزوير التاريخ وكذبه. أنى ينصر الله المسلمين بمثل هؤلاء السفاحين المصابين بجنون العظمة؟ لا عجب إذن أن تنتكس الأمة في ماي67. لك الله يا فلسطين ! نحتاج إلى تحرير أنفسنا قبل أن نحررك ولكن نصر الله آت لا ريب فيه والأيام دول، فلنعمل قدر جهدنا والله ولي التوفيق.

الخاتم المفقود

3/14/2018


7 مارس 2018
اليوم أضعت خاتمي الخطوبة والزواج، أضعت الذكرى والرمز. متى وأين وكيف؟ لا أدري. كان يوما صعبا وكئيبا رغم بدايته الجيدة. ساعة قراءة مع "أثقل من رضوى". ثم خرجت إلى العمل تتسارع دقات قلبي غيظا وتوترا. حين وصلت تشاجرت مع زميلة لا أتذكر أنني قتلت أبويها كيما تصرخ في وجهي بتلك الطريقة الهمجية البشعة. وأخرى تتفرج لا تحرك ساكنا ولا تطيب خاطري بكلمة واحدة، حتى حين مرت العاصفة وانسحبت إلى بيتها. أغلقت عليها بابها بهدوء وانصرفت بما تبقى من ماء الوجه. لكن كلماتها القاسية بقيت تلاحقني. ذهبت إلى رئيسي في العمل وانفجرت باكية. ثم بكيت مرة أخرى في مكتبي.

كانت صدمتي قوية. لكنني أحمد الله أنني أسأت التقدير ولم أسئ القول. غلطتي مهنية وليست أخلاقية وهذا عزائي. حزت في نفسي تلك الضجة التي أحدثتها "الزميلة" أمام الجميع ثم تذكرت يوم الطائف ورسولي الغالي حين قال للفجرة اكتموا عني فأبوا إلا أن يغرو سفهاءهم وصبيانهم بأن يلاحقوه ويسبوه ويرموه بالحجارة وهو الكريم ابن الكريم. كان ذلك أسوأ يوم في حياته بأبي هو وأمي. تفيض عيناي حين أكتب هذه الكلمات. أين أنا مما تعرض له الأنبياء والمصلحون؟ نمر على الآيات ونقرؤها ولا نستشعر مقدار العنف وقوة الهجوم.

ألملم جراحي. أذهب إلى المسجد لأرتاح. أمي توصيني دائما ألا أنزع خاتمي عند الوضوء كي لا أنساه. هل نزعتهما البارحة؟ لست أدري. لا أذكر إلا إسراعي كي لا تفوتني الركعة الأولى مع الإمام.

خاتمي رقيق دقيق فيه ماسة صغيرة جعلت بعض الحاضرات في خطبتي يتغامزن سخرية من "هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين". ولو علمن ثمنه لربما بكين.. من التأثر طبعا! الطفلة الرومنسية في والشابة الحيية التي تستحي أن تتجول مع خطيبها في مغازات المصوغ وتمد يدها لتجرب هذا الخاتم أو ذاك، هذه الفتاة المغفلة الحالمة أرادت أن تعيش المشهد الكلاسيكي كما في الأفلام. يأتي الرجل فيهبط على ركبته بطريقة مسرحية و يطلب يد حبيبته وهو يمد إليها صندوقا صغيرا فيه خاتم من الماس.

تركت لخطيبي مهمة اختيار الخاتم من باريس أين كان يعيش. لم أكن أعلم أننا سندفع ثمن "الماركة" والحي الراقي وأجرة الصائغ الفرنسي الذي يقبض مرتبه بالأورو. ألف وخمس مائة أورو في خاتم يساوي أقل من ذلك بكثير في قيمته. لكنها باريس بأضوائها وبذخها وأحلامي الساذجة.

كنت أنوي شراء خاتم آخر على أية حال. سأذهب مع زوجي وأنتقي خاتمي بعيدا عن خجل الخطوبة الأولى. وسنحتفل ذات أبريل بخمس سنوات من المودة والرحمة. ذهب الخاتم وبقي الحب وبقيت الذكرى. فلتذهب خواتم العالم إلى الجحيم.

اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها.

ووالله ما رأيت مصابا كمصابنا في الأخلاق. ولا حول ولا قوة إلا بالله!

تنويه: الصورة أعلاه هي الصورة الحقيقية لخاتمي المأسوف على شبابه أما خاتم الزواج فما اشتريته من صائغ باريسي كي أجد صورته على الأنترنات.



من بيوت الله نُطرد

2/08/2018




كنت أظنني قد تعودت على طبعه وضيق صدره وسوء خلقه لكنه في هذه المرة جاوز كل الحدود. فلا ردعته قداسة المكان ولا أخرسته القوارير المكسرة تحت الأقدام ولا ألجمته تمتمات الصلاة وتاليات القرآن. فماهي إلا لحظات من انقضاء صلاة الظهرحتى اقتحم كعادته مصلى النساء وهو يدق على الباب تلكم الدقات العنيفة ويصيح "أين المفتاح؟".  ومنا الواقفة بين يدي ربها تصلي النافلة ومنا التي فاتتها ركعات مع الإمام فهي تتمها ومنا التي فتحت المصحف علها تتعرض لنفحات الإيمان ونسمات الذكر بتدبر بعيدا عن صخب الحياة وشغب المطبخ ومشاكسة الأولاد. بل إن منا المسنة التي جلست تستعيد أنفاسها وترتاح بذكر الله ...

كل هذا لا يعني صاحبنا، بل إن الوقاحة وصلت به اليوم إلى حد الجنون، الناس يصلون رجالا ونساءا وهو يرفع عقيرته بالصياح وبالكلام غير المباح. عجبا لكأننا لسنا في بيت من بيوت الله؟ أفي سوق نحن أم في مسجد ويحك من عجوز قمطرير عبوس. لم يكفه اليوم أن اقتحم المصلى ومزق سكينتنا وهدوؤنا بل إنه بعد لحظات من التردد توجه إلى الميضة وهو ينهب المكان نهبا ويصرخ على المرأة المسكينة التي دخلت إلى المرحاض أن تسرع بالخروج فورا وتعطيه المفتاح. ثم عاد يشق مصلى النساء مرة أخرى واختفى وراء باب التهديد والوعيد وهو يصرخ بتبرم "أليس لي الحق في العودة إلى البيت"؟ يقول هذا ولم تمض دقائق على نهاية الصلاة؟

ألا تسبح لله بعد الصلاة؟ ألا تقوم بالأذكار المعلومة يا بخيل؟ ما أن يسلم الإمام حتى تهب إلى "حانوتك" لتغلقه وتذهب إلى بيتك لتأكل وتشرب وتنام؟ هل أنت مسؤول عن بيت من بيوت الله أم أنك صاحب حانوت تبيع البيض والطماطم؟ مالك لا تعرف سوى السخط والتبرم وإهانة الناس؟ أما استحييت من عظمة المكان ورمزيته؟ أما فرغت للتو من صلاة جعلها الله تزكية للمؤمن تنهاه عن الفحشاء والمنكر؟ أما والله ما أراك إلا أتيت بمنكر ينكره كل إنسان. ألا إن عُمَر لو كان بيننا لضربك بالدَرة ضربات ينخلع لها قلبك يا عديم الذوق والحياء.

وأيم الله أفسدتَ علينا خلوتنا بربنا فما منا واحدة إلا وتلعنك سرا وجهرا. وا أسفى على بيوت الله التي صارت تفتح بأجل وتغلق بأجل. وا حسرتى على المساجد التي صارت تقفل بالمفتاح وتبقى المصاحف وحيدة على الرفوف الأنيقة فلا حلقة ذكر ولا تلاوة ولا مجلس علم. بل ليس هناك من مجال لقراءة حزب من القرآن أو إتمام أذكار ما بعد الصلاة بطمأنينة وسلام. أما وجدوا غير هذا العجوز الدردبيس يكلفونه بالمفاتيح؟ أليس هناك امرء ذو خلق ودين؟ لك الله يا بلاد الإسلام. عظم الله أجرك في الأخلاق والإحسان كل يوم تصاب في مقتل بل كل آن !

عاد يضرب على الباب ويهتف بجملته الشهيرة: "هيا سنغلق المسجد"، ثم غاب. أبدت واحدة امتعاضها ولاذت أخرى بالصمت وأتمت ثالثة صلاتها وكنت أمسك بالمصحف وأحاول أن أقرأ  فيه بخشوع واطمئنان. قلت في نفسي لن أخرج خوفا من هذا اللعين، مضى زمن الخوف يا إيمان. بقيت وحدي في المسجد أردت أن أكمل الصفحة. أيقنت بأنني ربما سأفقد أعصابي وقد أتشاجر معه إن حدثته نفسه بأمر سوء. لكنه اكتفى فقط بالوقوف في الباب مرة أخرى. عندها انتفضت قائمة، وضعت المصحف في الرف الأنيق في حائط نصفه العلوي مكتبة خشبية جميلة ومشيت على البساط الأخضر الموشى بلون الذهب. هذا من أجمل المساجد وأكثرها رونقا رغم بساطته لكن القائم عليه من شرار الناس وأسوئهم خلقا ولله الأمر من قبل ومن بعد.

خرجت  لا ألوي على شيء  ولسان حالي يقول بل يصرخ: أمن بيوت الله نُطرد؟

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 


 فائدة: العجوز الدَرْدَبيس أي الفانية الهالكة *  

تدوينة لم تتم

2/02/2018


يكفي أحيانا أن لا تنام جيدا سهرا على ولدها الرضيع وأن تسمع تعليقا سمجا من مديرها في العمل وأن تحمل أكياسا ثقيلة تعبر بها ذاك الجسر المتحرك تحت شمس حارقة وتركب مع سائق أجرة يظن أنه قد أسدى لها معروفا إذا أوصلها إلى البيت. يكفي كل هذا أو بعضه حتى تفكر مجددا في الإستقالة من عملها.

هل ستمضي حياتها كلها في هذه الرداءة؟ ألم يكفها أنها دفنت سنين طويلة من الدراسة والتنقل والسكن المقرف والمشي المضني وتضحية الوالدين في هذه الإدارة المتعفنة؟ ماذا تفعل هي بشهادتها الهندسية في هذه الأروقة القديمة البائسة؟ أين ذهبت الرياضيات وعلوم الإحصاء والاقتصاد والتصرف والإعلامية والبرمجة وغيرها؟ هل كان عليها أن تموت هذه الميتة الشنيعة فقط لأنها لم تعد تحتمل التنقل؟ تتذكر أحلامها الساذجة قبل أن يدهسها قطار الواقع والظروف والخوف من المجهول...

قولي لهم مات أبوكم نُوَال

1/04/2018


كنت في محل تجاري كبير يبيع كل ما يلزم للبيت الأنيق بألوانه وأشكاله ومتاعه. وكانت هناك امرأة تحاول أن تحل مشكلة لها في البيت: شجار أولادها على كؤوس القهوة. واختارت لهم نفس الكؤوس كي تتجنب مزيدا من الحروب ومناطق التوتر. وقد سررت بإعانتها على الاختيار. كان كل شيء جميلا: الفضاء والطقس المعتدل - رغم أن ساعة الزمن تشير إلى الثالث من جانفي- وآنية الأرز الآسياوية وأعوادها الخشبية وثمنها وكؤوس الأولاد بألوانها الزاهية. نعم كان كل شيء جميلا السماء زرقاء والعصافير تكاد تزقزق في أذني حتى اللحظة التي نطقت فيها صاحبتنا أم الأولاد بنشاز لم أفهم له صلة بحديثنا ولا بحاضرنا ومستقبلنا ناهيك عن تاريخنا !

لكأنها بعد إذ رضيت حلا لمشكلة كؤوس القهوة تذكرت أن لها مشكلة أخرى أشد وأدهى. قالت وهي تتضاحك بسذاجة المترفين المستغنين عن عقولهم: "لقد تعودت أن أضع في جوارب أبنائي النقود فإذا استيقظوا في الصباح أخبرتهم أن بابا نوال تركها لهم. فيفرحون بها أيما فرح. لكن ماذا سأفعل من هنا فصاعدا؟ ابني الصغير يقول لي لماذا لم يترك لي بابا نوال المال في جوربي؟"

صُعقت عند سماع كلامها لكن تداركت أمري وقلت باشمئزاز أخفيت معالمه في طأطأة رأسي وأنا أحركه بالنفي: "لا مش متاعنا". قلتها بالعامية لأني كما علمتم لا أتحدث الفصحى وإنما أتفاصح كلما هممت بقلمي وقد ألم بي هم نفض عني غبار البخل والجبن والتسويف. قلت لها ما لنا ولبابا نوال؟ لم لا تسعدين أولادك في العيد بالهدايا؟ لكن كلمة "عيد" سقطت على الأرض وكدت أراها تتخبط بين أرجلنا صريعة النسيان والإهمال. كلمة سقطت في أذن صماء واصلت صاحبتها ثرثرتها البلهاء: "زوجي وجد الحل لهذه المعضلة: قال لي إذا ما أزعجك الأولاد قولي لهم إن أبوكم نوال قد هرم ومات"

أما أنا فهرمت من هذه الكلمات، أما أنتم يا مسلمون فضميركم قد مات وتاريخكم شيبته غفلتكم وذهبت نفسه على نفسه حسرات، أما لغتكم فهي من زمن حافظ تنعي حظها لا بارك الله في هكذا عيِنات.

والله لو كانت محدثتي بيضاء ناعمة موسرة وفي حديثها لكنة الأعاجم لقلت هذه من "النخبة المثقفة" التي أفسدتها الحضارة، أمَا وإن أم الأولاد تغطي رأسها بحجاب وهي سمراء البشرة وابنة الشعب بامتياز، تبدو كعامة الناس، تونسية ككل التونسيات فإني والله استغربت. هذا مرض خبيث استشرى في جسد الأمة كلها.

وما رأيت الشعب يحب شيئا مثل اللعب. كل مناسبة هي فرصة للعب واللهو والتبذير والمجون. وقد خرجت ذكرى رسول الله مثخنة بجراحها بعد ما ارتُكبت المنكرات وأُقيمت الحفلات وبُعثت الوثنيات من قبورها باسم مولده صلوات ربي وسلامه عليه وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولم تمض برهة من الزمن حتى سئم الشعب من ضرب الدف وأكل الزقوقو وقال حي على الدجاج والقاتو وبابا نُوال.

غثاء كغثاء السيل تسلل لهم بوهم نوال من سموم الإعلام وشره رجال الأعمال وبعد ما كنا نحتفل برأس السنة المسيحية (متدثرة بحجاب الإدارية) بشيء من المرطبات صرنا في السنوات الأخيرة نطبخ الدجاج ونقيم الولائم وننصب الموائد الطويلة لا تنقصها إلا زجاجة الخمر لتكتمل الصورة. بل إن شجرة الصنوبر تلمع في أكبر المحلات التجارية وأرذلها. وهكذا رويدا رويدا وقع هذا الخلط الفظيع بين احتفال رأس السنة وبابا نوال. وهو والله ليس بابا ولا أبوك ولا حتى أبوهم.

كنت سأقول لصاحبتي هل يحتفل الغربيون معنا بأعيادنا؟ هل رأيت أحدهم يشاركنا ولو شيئا يسيرا من عاداتنا؟ لكن جمدت الكلمات في حلقي فمخاطِبتي لم تكن من عالمي ولا أنا من عالمها إنما كانت تحدث نفسها بصوت عال أكثر مما تحدثني ولا حاجة لها في رأيي هداها الله وكان في عون أولاد هكذا أمهم وأبوهم. ووالله لا أعذرهم بجهلهم فهذا ليس من الجهل وإنما هي أبشع صور الغفلة والزينة واللهو.

رحم الله سندة وبارك في عمرها فقد قالت في هذا الباب وأجادت وشفت صدور قوم مؤمنين ردة وهل من راد لها