من بيوت الله نُطرد





كنت أظنني قد تعودت على طبعه وضيق صدره وسوء خلقه لكنه في هذه المرة جاوز كل الحدود. فلا ردعته قداسة المكان ولا أخرسته القوارير المكسرة تحت الأقدام ولا ألجمته تمتمات الصلاة وتاليات القرآن. فماهي إلا لحظات من انقضاء صلاة الظهرحتى اقتحم كعادته مصلى النساء وهو يدق على الباب تلكم الدقات العنيفة ويصيح "أين المفتاح؟".  ومنا الواقفة بين يدي ربها تصلي النافلة ومنا التي فاتتها ركعات مع الإمام فهي تتمها ومنا التي فتحت المصحف علها تتعرض لنفحات الإيمان ونسمات الذكر بتدبر بعيدا عن صخب الحياة وشغب المطبخ ومشاكسة الأولاد. بل إن منا المسنة التي جلست تستعيد أنفاسها وترتاح بذكر الله ...

كل هذا لا يعني صاحبنا، بل إن الوقاحة وصلت به اليوم إلى حد الجنون، الناس يصلون رجالا ونساءا وهو يرفع عقيرته بالصياح وبالكلام غير المباح. عجبا لكأننا لسنا في بيت من بيوت الله؟ أفي سوق نحن أم في مسجد ويحك من عجوز قمطرير عبوس. لم يكفه اليوم أن اقتحم المصلى ومزق سكينتنا وهدوؤنا بل إنه بعد لحظات من التردد توجه إلى الميضة وهو ينهب المكان نهبا ويصرخ على المرأة المسكينة التي دخلت إلى المرحاض أن تسرع بالخروج فورا وتعطيه المفتاح. ثم عاد يشق مصلى النساء مرة أخرى واختفى وراء باب التهديد والوعيد وهو يصرخ بتبرم "أليس لي الحق في العودة إلى البيت"؟ يقول هذا ولم تمض دقائق على نهاية الصلاة؟

ألا تسبح لله بعد الصلاة؟ ألا تقوم بالأذكار المعلومة يا بخيل؟ ما أن يسلم الإمام حتى تهب إلى "حانوتك" لتغلقه وتذهب إلى بيتك لتأكل وتشرب وتنام؟ هل أنت مسؤول عن بيت من بيوت الله أم أنك صاحب حانوت تبيع البيض والطماطم؟ مالك لا تعرف سوى السخط والتبرم وإهانة الناس؟ أما استحييت من عظمة المكان ورمزيته؟ أما فرغت للتو من صلاة جعلها الله تزكية للمؤمن تنهاه عن الفحشاء والمنكر؟ أما والله ما أراك إلا أتيت بمنكر ينكره كل إنسان. ألا إن عُمَر لو كان بيننا لضربك بالدَرة ضربات ينخلع لها قلبك يا عديم الذوق والحياء.

وأيم الله أفسدتَ علينا خلوتنا بربنا فما منا واحدة إلا وتلعنك سرا وجهرا. وا أسفى على بيوت الله التي صارت تفتح بأجل وتغلق بأجل. وا حسرتى على المساجد التي صارت تقفل بالمفتاح وتبقى المصاحف وحيدة على الرفوف الأنيقة فلا حلقة ذكر ولا تلاوة ولا مجلس علم. بل ليس هناك من مجال لقراءة حزب من القرآن أو إتمام أذكار ما بعد الصلاة بطمأنينة وسلام. أما وجدوا غير هذا العجوز الدردبيس يكلفونه بالمفاتيح؟ أليس هناك امرء ذو خلق ودين؟ لك الله يا بلاد الإسلام. عظم الله أجرك في الأخلاق والإحسان كل يوم تصاب في مقتل بل كل آن !

عاد يضرب على الباب ويهتف بجملته الشهيرة: "هيا سنغلق المسجد"، ثم غاب. أبدت واحدة امتعاضها ولاذت أخرى بالصمت وأتمت ثالثة صلاتها وكنت أمسك بالمصحف وأحاول أن أقرأ  فيه بخشوع واطمئنان. قلت في نفسي لن أخرج خوفا من هذا اللعين، مضى زمن الخوف يا إيمان. بقيت وحدي في المسجد أردت أن أكمل الصفحة. أيقنت بأنني ربما سأفقد أعصابي وقد أتشاجر معه إن حدثته نفسه بأمر سوء. لكنه اكتفى فقط بالوقوف في الباب مرة أخرى. عندها انتفضت قائمة، وضعت المصحف في الرف الأنيق في حائط نصفه العلوي مكتبة خشبية جميلة ومشيت على البساط الأخضر الموشى بلون الذهب. هذا من أجمل المساجد وأكثرها رونقا رغم بساطته لكن القائم عليه من شرار الناس وأسوئهم خلقا ولله الأمر من قبل ومن بعد.

خرجت  لا ألوي على شيء  ولسان حالي يقول بل يصرخ: أمن بيوت الله نُطرد؟

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 


 فائدة: العجوز الدَرْدَبيس أي الفانية الهالكة *  

تدوينة لم تتم



يكفي أحيانا أن لا تنام جيدا سهرا على ولدها الرضيع وأن تسمع تعليقا سمجا من مديرها في العمل وأن تحمل أكياسا ثقيلة تعبر بها ذاك الجسر المتحرك تحت شمس حارقة وتركب مع سائق أجرة يظن أنه قد أسدى لها معروفا إذا أوصلها إلى البيت. يكفي كل هذا أو بعضه حتى تفكر مجددا في الإستقالة من عملها.

هل ستمضي حياتها كلها في هذه الرداءة؟ ألم يكفها أنها دفنت سنين طويلة من الدراسة والتنقل والسكن المقرف والمشي المضني وتضحية الوالدين في هذه الإدارة المتعفنة؟ ماذا تفعل هي بشهادتها الهندسية في هذه الأروقة القديمة البائسة؟ أين ذهبت الرياضيات وعلوم الإحصاء والاقتصاد والتصرف والإعلامية والبرمجة وغيرها؟ هل كان عليها أن تموت هذه الميتة الشنيعة فقط لأنها لم تعد تحتمل التنقل؟ تتذكر أحلامها الساذجة قبل أن يدهسها قطار الواقع والظروف والخوف من المجهول...

قولي لهم مات أبوكم نُوَال



كنت في محل تجاري كبير يبيع كل ما يلزم للبيت الأنيق بألوانه وأشكاله ومتاعه. وكانت هناك امرأة تحاول أن تحل مشكلة لها في البيت: شجار أولادها على كؤوس القهوة. واختارت لهم نفس الكؤوس كي تتجنب مزيدا من الحروب ومناطق التوتر. وقد سررت بإعانتها على الاختيار. كان كل شيء جميلا: الفضاء والطقس المعتدل - رغم أن ساعة الزمن تشير إلى الثالث من جانفي- وآنية الأرز الآسياوية وأعوادها الخشبية وثمنها وكؤوس الأولاد بألوانها الزاهية. نعم كان كل شيء جميلا السماء زرقاء والعصافير تكاد تزقزق في أذني حتى اللحظة التي نطقت فيها صاحبتنا أم الأولاد بنشاز لم أفهم له صلة بحديثنا ولا بحاضرنا ومستقبلنا ناهيك عن تاريخنا !

لكأنها بعد إذ رضيت حلا لمشكلة كؤوس القهوة تذكرت أن لها مشكلة أخرى أشد وأدهى. قالت وهي تتضاحك بسذاجة المترفين المستغنين عن عقولهم: "لقد تعودت أن أضع في جوارب أبنائي النقود فإذا استيقظوا في الصباح أخبرتهم أن بابا نوال تركها لهم. فيفرحون بها أيما فرح. لكن ماذا سأفعل من هنا فصاعدا؟ ابني الصغير يقول لي لماذا لم يترك لي بابا نوال المال في جوربي؟"

صُعقت عند سماع كلامها لكن تداركت أمري وقلت باشمئزاز أخفيت معالمه في طأطأة رأسي وأنا أحركه بالنفي: "لا مش متاعنا". قلتها بالعامية لأني كما علمتم لا أتحدث الفصحى وإنما أتفاصح كلما هممت بقلمي وقد ألم بي هم نفض عني غبار البخل والجبن والتسويف. قلت لها ما لنا ولبابا نوال؟ لم لا تسعدين أولادك في العيد بالهدايا؟ لكن كلمة "عيد" سقطت على الأرض وكدت أراها تتخبط بين أرجلنا صريعة النسيان والإهمال. كلمة سقطت في أذن صماء واصلت صاحبتها ثرثرتها البلهاء: "زوجي وجد الحل لهذه المعضلة: قال لي إذا ما أزعجك الأولاد قولي لهم إن أبوكم نوال قد هرم ومات"

أما أنا فهرمت من هذه الكلمات، أما أنتم يا مسلمون فضميركم قد مات وتاريخكم شيبته غفلتكم وذهبت نفسه على نفسه حسرات، أما لغتكم فهي من زمن حافظ تنعي حظها لا بارك الله في هكذا عيِنات.

والله لو كانت محدثتي بيضاء ناعمة موسرة وفي حديثها لكنة الأعاجم لقلت هذه من "النخبة المثقفة" التي أفسدتها الحضارة، أمَا وإن أم الأولاد تغطي رأسها بحجاب وهي سمراء البشرة وابنة الشعب بامتياز، تبدو كعامة الناس، تونسية ككل التونسيات فإني والله استغربت. هذا مرض خبيث استشرى في جسد الأمة كلها.

وما رأيت الشعب يحب شيئا مثل اللعب. كل مناسبة هي فرصة للعب واللهو والتبذير والمجون. وقد خرجت ذكرى رسول الله مثخنة بجراحها بعد ما ارتُكبت المنكرات وأُقيمت الحفلات وبُعثت الوثنيات من قبورها باسم مولده صلوات ربي وسلامه عليه وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولم تمض برهة من الزمن حتى سئم الشعب من ضرب الدف وأكل الزقوقو وقال حي على الدجاج والقاتو وبابا نُوال.

غثاء كغثاء السيل تسلل لهم بوهم نوال من سموم الإعلام وشره رجال الأعمال وبعد ما كنا نحتفل برأس السنة المسيحية (متدثرة بحجاب الإدارية) بشيء من المرطبات صرنا في السنوات الأخيرة نطبخ الدجاج ونقيم الولائم وننصب الموائد الطويلة لا تنقصها إلا زجاجة الخمر لتكتمل الصورة. بل إن شجرة الصنوبر تلمع في أكبر المحلات التجارية وأرذلها. وهكذا رويدا رويدا وقع هذا الخلط الفظيع بين احتفال رأس السنة وبابا نوال. وهو والله ليس بابا ولا أبوك ولا حتى أبوهم.

كنت سأقول لصاحبتي هل يحتفل الغربيون معنا بأعيادنا؟ هل رأيت أحدهم يشاركنا ولو شيئا يسيرا من عاداتنا؟ لكن جمدت الكلمات في حلقي فمخاطِبتي لم تكن من عالمي ولا أنا من عالمها إنما كانت تحدث نفسها بصوت عال أكثر مما تحدثني ولا حاجة لها في رأيي هداها الله وكان في عون أولاد هكذا أمهم وأبوهم. ووالله لا أعذرهم بجهلهم فهذا ليس من الجهل وإنما هي أبشع صور الغفلة والزينة واللهو.

رحم الله سندة وبارك في عمرها فقد قالت في هذا الباب وأجادت وشفت صدور قوم مؤمنين ردة وهل من راد لها