موظف كسول





ذهبت إلى البنك لإجراء معاملة عادية. وعلمت أن مقره في البلدة التي أقطنها عادة ما يكون أفرغ من فؤاد أم موسى. فتوكلت على الله ودخلت ممنية النفس بحسن الاستقبال وسرعة الخدمة. وفعلا وجدتني الحريفة الوحيدة التي سيتسابق لخدمتها موظفون ثلاثة.  واتجهت رأسا إلى الموظفة المحجبة حجابا من نوع 2.0 بلغة الإعلامية. وهو كما تعلمون حجاب مواكب للعصر ولمتطلبات الجمال ونواميس الموضة. كأن ترى خصلات الشعر في الناصية الملونة بذاك الأشقر المغشوش  الذي سئمنا منه، والأكمام المشمرة قريبا من المرافق لا للوضوء ولكن لتزيين الأيادي بأنواع الحلي الثمينة والساعات الجميلة وجميع أصناف الزينة.

ولا أبالغ يا إخواني إن قلت لكم بأن الموظفة المحترمة كانت تنظر إلي شزرا. فيبدو أنني أقلقت راحتها، إذ أن وضعها الطبيعي هو عدم العمل ولا الكلام ولا حتى تحريك الأجفان فنحن في رمضان. فكيف تأتي هذه المواطنة الثقيلة فتعبث بقوانين الطبيعة وتضغط على زر التشغيل؟ تجاهلت سوء معاملتها المعنوي وامتعاضها الخفي فإنما هو صبر لحظات ثم أنجو بصيامي من براثين الغضب الذي قد يتملكني ويفسد علي صمتي المقدس. وكان علي أن أعمر استمارة لست معتادة على مثلها فتباطأت قليلا كي لا أقع في خطء بنكي قد يكلفني أموالا وليس أرقاما. فإذا بالموظف الآخر يهتف بي: "لتو تعمر فيها الورقة؟" فهالني هذا التطفل الذميم والتدخل اللئيم من رجل لا أعرفه ولا يعرفني ولا شأن له بي ولم أسأله سؤالا ولا أقلقت له راحة ولا بالا. وما أدري بما أجبته إلا أنني اصطنعت الابتسام والأريحية. هل سأفسد صيامي من أجل عجوز كلما شعر بالضجر أرسل تعاليقه المسمومة ؟

لكن العبوس القمطرير حولتني إلى زميلها هذا وكان علي أن أتمم المعاملة معه. وكان بين يديه أوراق ينظر فيها تركها على مضض وأخذ ورقتي. فقلت قرب الفرج. وحين هم بعد المبلغ المالي الذي وضعته بين يديه رن هاتفه الموقر. فوالله ما إن شعر باهتزازه في جيبه وما إن دقت أولى نغماته طبلة أذنه حتى تهلل وجهه وانفرجت أساريره بل أشرق إشراقة يتساءل المرء معها هل هو شاب ولهان كلمته حبيبته مساء ولم يكن قد سمع صوتها منذ فجر الأذان؟ أم هي الأم المفجوعة كلمها ابنها العاق بعد طول فراق؟ أم هي الأرض القاحلة تستقبل الودق هزها الاشتياق؟ أم هو المريض الآيس أتوه بالترياق؟

وسارع لاستقبال المكالمة وهش لمحدثه وبش والابتسام لا يفارق محياه. فكأنه الصائم يبتسم لمائدة الإفطار وأصناف الطعام أو الوليد يرنو لأمه وهي تهدهده في الليل والناس نيام. فكدت أفقد صوابي من هذا الهراء. كيف يسوغ لنفسه أن يرد بسرعة الضوء على مكلمه ويتجاذب معه لهو الحديث ولغوه وأمامه إنسانة تنتظر أن يفك رباطها من خدمته التعيسة البائسة؟ كيف لهذا المخلوق أن يستبيح دقائق عمري الثمينة ويتلف خلايا دماغي المسكينة ويذهب بالبقية الباقية من الصبر الذي ما أوتيت منه إلا قليلا؟

وحين وصل في حديثه إلى السؤال عن محمد وأولاد محمد انقطع البث. فحمدت الله حمدا كثيرا إذ كنت بدأت أحدث النفس بأن أثور ثورتي الهوجاء وأنزع عني رداء المجاملة العمياء فأندد بهكذا عمل أخرق وتصرف أحمق. وإني لهممت بحربتي لأتناولها إذ قطع الإرسال. وكفى الله المؤمنين شر القتال! وهل تحسبون صاحبنا انتهى؟ لا بل حاول كالطبيب المستميت إنعاش المكالمة وأعطاها من وقته وجهده وهي تجود بأنفاسها الأخيرة ما لم يعطني في وقفتي الطويلة القصيرة.

وخرجت بعد لأي وقد أتممت مهمتي المستحيلة وأنا أتعجب من أخلاق الموظفين وطبائعهم وأستجمع شتات نفسي لأروضها على الصبر على بلائهم وسوء خدمتهم ورداءة أخلاقهم. وأنا أكاد أبتسم لسذاجتي حين حسبتهم سيفرشون لي بساطهم الأحمر وما كنت بينهم إلا كالثور الإسباني في الحلبة يهيجونه بالرداء الأحمر ويرشقون فيه سهام ازدرائهم ولا مبالاتهم وعبوس سحناتهم وسماجة تعاليقهم. فحمدت الله أن نجاني من الموت المحقق. أما أخلاق الإسلام فلا أدري ما حل بها...