الأربعاء، 16 سبتمبر، 2015

وأخيرا قلتُها


جاء كالعادة إلى إدارتنا، يجر فراغه وسبعين سنة.  كل متقاعد وكل عجوز وكل خال وفارغ وكل سمج وتافه يقصد بابنا الواطي. لعل للزوايا والتكايا حرمة أكثر من حرمة إدارتنا الخربة التي أحرقوها في الثورة وكان عليهم أن يهدموها تماما ويدكوها حجرا حجرا فيريحوا وأستريح !

جاء يتسول جريدة. لا هذا ليس مجنون الجريدة الذي حدثتكم عنه قبل، هذا زبون آخر، فارغ آخر. جاء قبل صاحبه ينافسه على الغنيمة. ولئن كان المجنون مجرد معرفة قديمة فإن صاحبنا هذا ليس فقط عجوزا يقتل الوقت بل إنه صهر مديرنا المحترم. حمدا لله أنه لا يزال يحمل عقلا رصينا، فالجريدة لا تعني له شيئا كثيرا لكنها وسيلته للخروج، ليوهم نفسه أن لتسكعه الصباحي غاية وأن لتنقله مرمى. هي ذريعة يتوسل بها ليسلم على بعض الوجوه المحببة لا سيما الأنثوية منها في إدارتنا الموقرة.

كان يظهر للوهلة الأولى بمظهر الشيخ الوقور بقميصه الطويل ذي الأكمام القصيرة وتلك العراقية التي يضعها على رأسه وكأنه يتأهب للذهاب لصلاة الجمعة أو لأي صلاة. تبدو على ملامحه الطيبة، ولعله طيب حقا ولا يؤذي نملة. لكن نظرته لا تعجبني ولا أرتاح لها. ثم أي رجل تقي نقي يمد يده لمصافحة النساء السافرات منهن والمحجبات، العاريات منهن والكاسيات... أعني المحجبات. ما هذا الهراء؟ لمَ يظن أن عليه في كل مرة يأتي فيها أن يمد يده بالمصافحة؟ كنت أحسب أن شكلي وملابسي الغُرابية الفضفاضة تبعث على النفور وتجعل رسالتي الضمنية سهلة المرور، لكنه لا يفهم!

صرت كلما لمحت طيفه أغلق باب مكتبي وأقفله من الداخل ولا أحفل بعدها إن فطن بي أم لا. اليوم قائظ بما فيه الكفاية ولا مكيف للتبريد وهناك ملفات علي إنهاؤها لا تتطلب إلا واحدا بالمائة لا أقول من شهادتي العلمية بل من مداركي العقلية التي يبدو أنني تخليت عليها يوم قبلت أن آتي إلى هذه المقبرة وأتمدد فيها بطول سنواتي الدراسية، من سنتَي التحضيري الجحيمي إلى سنوات التكوين بمدارس المهندسين إلى سنتي الماجستير الذي ذهب هباءا ... مسكين أبي. ماذا تفعل مهندسة في الإحصاء وتحليل المعلومات في إدارة تعيسة لا تصلح لإحصاء ولا توفر معلومات؟

اليوم إذن مزاجي لا يسمح لي بأن أحابي أحدا، لا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا شجرا ولا حجرا، الويل لمن يعترض طريقي ويتعرض لعضتي. وكان أن جاء صاحبنا فأوصدت بابي على عادتي وقد بدأ الغضب والتبرم ينفثان لهيبهما في صدري مع لهيب الشمس الحارق ودخانها الخانق. ثم احتجت لمراجعة ملف فخرجت من مكتبي ولم أتوقع أن يعترضني ذاك الرجل الذي يحب أن يطلع علينا دائما بوجه الجد الطيب ليلعب دور الشيخ النوراني أو الأب الروحي لنساء الإدارة. وكعادته المقيتة ورغم أن الممر ضيق فقد مد يده البغيضة ليصافحني وهناك سمعتني أقول : "لا ما نصافحش" أو "أنا ما نصافحش". لا أذكر تماما. لقد حدث كل شيء بسرعة وكانت تلكم الكلمات سهلة يسيرة عذبة في فمي. يا الله ! أهذا كل شيء؟ لمَ لم أجرأ على قولها من قبل؟ معه ومع غيره؟ أتصدقون يا أحبائي أنني لأول مرة أقولها في حياتي وقد بلغت من الشباب عتيا؟ ويعلم الله كم يدا صغيرة وكبيرة، حبيبة ومقيتة امتدت لي فلم أستطع ردها.


أعلم أن هناك كلاما في المصافحة وهناك من وسع فيها  لكني ببساطة وحتى لو كان الأمر مباحا (وليس بمباح) لا أريد مصافحة هذا الرجل. فقط لا أريد مصافحته ولا أرتاح إلى نظرته ولا يعجبني تردده على إدارتنا وتسوله لجرائدنا. الشيء الوحيد الذي أعجبني أنني قلتها، لأول مرة قلتها ! هو انتصار صغير في زمن الخيبات.