وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ



كنت رفقة عائلتي في نزهة لمكان جميل جمال البعد عن المدينة. هناك في أقاصي الجبال حيث يبدأ الحلم ويزدهر الخيال، هناك بين اخضرار الغاب وزرقة السماء حين تلقي بظلالها على صفحة الماء، حيث الصفاء ودفء الشمس وصفو الهواء، استثمر رجل ذكي نقوده فشيد مملكته الصغيرة. مطعم ومسجد ومسبح للبط وبضع حيوانات ولعب للأطفال، للأطفال الصغار. لا أرى أرجوحة للطفلة الكبيرة التي تصرخ بين جوانحي وقد جاوزت الثلاثين، "أريد أن ألعب، أريد أن ألعب". 

هنا لا تسمع  موسيقى صاخبة ولا خافتة، بل تصغي لأصوات الطبيعة الخالدة: شدو العصافير وبطبطة البط وضحك الأطفال وصراخهم.  لكن قد يتناهى لمسمعك وا أسفا نشاز لا تملك له دفعا. كائن كبير يصيح في وجه آخر صغير بلغة عامية : "تي يزي عاد سكر فمك لا نعطيك ضربة نعميك يا هم". فلا تملك إلا أن تتنهد ثم تمر مرور الجبناء أمام جريمة ضد الطفولة  والأنوثة وضد الذوق العام والخاص وضد الحق والعدل وضد الجمال والخير. أنت في زمن لا تكاد ترى فيه أحدا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. فما عدنا نغير المنكر إذا ما رأيناه إلا بقلوبنا وهو أضعف الإيمان. ووالله لو فقهنا لغة الحيوان لما سمعنا بقرة ولا بغلة ولا جاموسة تخاطب ولدها بمثل هذا الكلام. ورحم الله الشاعر الكبير حافظ إبراهيم حين أنشد قائلا:

مــن لــي بـتربية الـنساء فـإنها فـي الـشرق عـلة ذلـك الإخفاق
الأم مـــدرســـة إذا أعــددتــهــا أعـددت شـعباً طـيب الأعـراق
الأم روض إن تــعـهـده الـحـيـا بــالــري أورق أيــمــاً إيـــراق
الأم أســتــاذ الأســاتـذة الألـــى شـغـلت مـآثـرهم مــدى الآفـاق

فبينا نحن في الساحة المخصصة لألعاب الأطفال وزوجي يراقب ولدنا وهو يخطو خطواته الأولى في عالم الترفيه المتمدن، إذ لمحت شبحا من الماضي أبيض مسودا. لم ألمحه بل رأيته ورآني أو هكذا بدا لي. فشعرت بالضيق وكتمت سري ثم قاسمته زوجي. فضحك مني ومازحني ثم عاد إلى حصة المرح مع ابنه.

كان الأمر هينا فمالي ولهذا ومال هذا ومالي؟ إن هو إلا طويلب علم جمعتني به سنون دراسة غابرة ونظرات كان يرشقني بها حارقة. كان معجبا بصورتي وبالتزامي لكنني لم أجده عونا لي حين كنت أمنع من الدرس مثلا بل أطرد من القسم بسبب حجابي. أسمر ذو عينين عسليتين كانتا  لتكونا جميلتين لولا نظراتهما الثاقبة الثقيلة البغيضة. وكنت ولا زلت أعيش تحت راية "سنفور غضبان". أي أنني صعبة المراس عاشقة للحرية ممقتة للابتذال. وكنت أشد ما أكون عداوة وضراوة مع الذكر الذي أشم عليه رائحة الإعجاب بي ولا يكون من ندي. كنت أشعر بالإهانة والمهانة، فأغضب لنفسي وأسائلها : كيف لمثل هذا أن يحب مثلي؟ ما غر هذا الأحمق حتى يحلم بأن يحاول المحاولة؟ كيف تجرأ هذا الأخرق أن يعجب بي أو يحلم بأن يكون له أي مكان أو مستقبل في قلبي؟ في قلبي القاسي.. الذي يحاكم الناس على أحلامهم وآمالهم ثم يأتي بنيانهم "من القواعد فخر عليهم السقف".

لا أدري ما هذه النزعة التي كانت في منذ أيام الطفولة الغضة. كنت في المدرسة أتخير لي ولدا فأعامله معاملة السيد للعبد. أذكرطيفا في غوابر الأيام كان اسمه لطفي. أبيض الوجه شاحبا وشعره ناعم يغطي جبهته. كان في غاية الطيبة ولذلك استعبدته. كان يجمع لي أشياء وربما حمل محفظتي. لا  أتذكر التفاصيل لكني أذكر استقوائي عليه ثم على خليفته رمزي. أذكر تلك المرة التي قال لي فيها "لا". كم شعرت بالغيظ، كيف له أن يرفض أمري؟

لكن مهلا مهلا، هذي الطفلة الغابرة في تصرخ أن كفاك فضحا لي، هذا لعمري خروج عن الموضوع. سيظنون بأني شريرة لكنها الطفولة فيها القسوة والطيش والشدة واللين وأشياء أخرى يندى لها الجبين. كفاك عودا على بدء، حسبك من الذكريات والحنين. هات العبرة قد مللنا السرد، فما كان مع صاحبك الأسمر في ذاك المنتزه؟

ما كان إلا استراق النظر لأني لم أكن متأكدة أنه هو هو الذي جاءني في يوم ربيعي يحمل صبر سنين وشجاعة لحظة ليفصح عن مشاعره أو رغبته في بطريقة لا تستحضرها ذاكرتي العجوز. لا هي فقط عجوز مع الأمور التي لا تعنيها لكنها تذكر أدق التفاصيل مع أحبابها. أذكر فقط أنه لم يحاول أن يطلب يدي  بصفة مباشرة وإنما حدثني أنه رغب في ذلك ولم يفعل.. وكالعادة لم تعجبني جرأته لكن في نفس الوقت كان من الجيد أن يفصح عن مكنون صدره فتقل نظراته ثقلا على كاهلي. وانتهينا إلى نوع من الزمالة الصديقة التي ليس بينها أضغان. والحمد لله أن لم يكن أكثر مما كان.

الحمد لله أن لم أكن من المتخذات أخدان. فلا سلام ولا كلام. ولا ضحك ولا حتى ابتسام. ولا يد مسكت يدي إلا بالحلال، إلا بالعقد الشرعي وبالشهود وبالمهر وبالاحتفال. الحمد لله الذي كفاني مؤونة الخجل والندم والسؤال. ماذا يكون موقف التي عرفت الرجال ولم تصن نفسها ثم بدا لها شبح من الماضي وهي مع ابنها وزوجها. ماذا ستقول الأعين لبعضها؟ وكيف لا تستحي من فعلها، من ذاك الرجل الذي كانت له أيد سوداء في جسمها.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك.


 وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ   يوسف(53)


خواطر حالمة



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من طول غيبتي عنكم استحييت أن أفتتح كلامي بغير تحية الإسلام. هذا هو الشهر الثالث من شهور الصمت والصون والصوم. أما الصمت فهو الصمت عن الكلام المكتوب.

وأما الصون فهو صون بيتي وولدي، نظافة ورعاية وحبا واهتماما.

وأما الصوم فصوم العبادة والصوم عن العمل المؤجر، عن لعب دور المهندسة الموظفة في إدارة لا تحتاجني ولا أحتاجها، الصوم عن ذلك الراتب الشهري الذي يسرق مني حريتي، حرية أن أجلس في البيت لأتمتع ببهجة ولدي وهو يخطو سريعا من طور الرضاعة إلى طور الطفولة، حرية أن أرتشف الشاي في الصباح دونما استعجال، حرية أن أفعل بوقتي ما أشاء فأخرج متى أشاء  وأتكلم متى أريد وأصمت كما أحب، حرية كسر قيود الاستعباد العصري المتسربل بحجاب المدنية الفاسدة.

انتهى عصر الرقيق يا سادة وبدأ عصر الموظفين، الدخول والخروج بالمواعيد، المرض والموت والزواج والولادة كل شيء بالأدلة والبراهين، سيدك المسمى رئيسك يعلم عنك كل شيء وله رأي في كل شيء حتى في أمورك العائلية... لكن ما لهذا جئتكم، ليست هذه القضية.

جئتكم لأني أحب أن أكتب، جملة ركيكة رقيعة فلأشطب... كلا هذه هي الحقيقة. أحب الكتابة ولست منها. لست من أهلها، لا أملك أدواتها، ما زلت في طور البناء. لا أملك الشجاعة لمجابهة خوفي من الكلام، خوفي من غياب الإلهام.. وما الإلهام؟ أهي كلمة وضعتها لأستر بها عورة عجزي؟ أم هي المتهم الأول في قضية خوفي وكسلي؟ خوفي من المغامرة وكسلي عن المحاولة. هل أنا فعلا بحاجة إلى انتظار الإلهام لأكتب، كما تنتظر العزباء الساذجة شبح الزوج لتسعد؟ السعادة قرار والكتابة قرار والعزيمة قرار والنجاح قرار والخوف كما الفشل قرار.

سمعت البارحة أخا في الإنسانية يقدم نصائح إنتاجية باللغة الفرنسية، ويلخص كتبا أحسبها نافعة. فكان من حديثه سيرة كاتب وجد طريقة ليكتب حتى لو لم يشعر بالإلهام ولا بتراتيل الوحي تلقى في روعه. طريقة بسيطة: كان يجبر نفسه على الكتابة كل يوم في الصباح ولا شيء غيرها. له فقط أن ينهض من مكتبه إلى النافذة ينظر قليلا ثم يعود إلى الكرسي .. كرسي الامتحان حيث يكرم القلم أو يهان.  فلذلك قررت اليوم أن أكتب... ثم لأن ابني الصغير خرج مع جده وتركني وحيدة أمام مرآة الحقيقة وبضع أنغام تداعب وجداني، تحفز أحرفي وتستخرج خبيء كلامي.

كنت سأحدثكم عن خواطر من وحي سورة الكهف لكن قلمي كعادته تمرد على إرادتي ومضى بي يمينا وشمالا، بل أماما أماما حيث تبدأ البداية... أو تنتهي.