الاثنين، 10 سبتمبر، 2012

سلامية بالملوخية




الفصل صيف والجو حار، وداعا رمضان، بل إلى اللقاء، إلى لقاء قريب إن شاء الله، مرحبا بالعيد، وبعده الأعراس والأفراح والأبواق والمزامير

 : اليوم سمعت عجبا عجابا، سمعت صوتا جميلا يصدع بالقرآن، بل بآية تهز القلوب بعد بسم الله الرحمان

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ 

 سورة  الزمر الآية ٦٧ 

  إنه لأمر عجيب، أتراه التلفاز عند الجيران؟ يال الصوت الجميل الرخيم، يال التلاوة الرائعة، في أي قناة يا ترى؟ ليس من عادتي أن أسمع مثل هذه الترانيم السماوية الخالدة، بل في الغالب تسود الأجواء أغان هابطة وموسيقى صاخبة تجعلني أحيانا أكاد أكفر بنعمة الله علي وأحسد الأصم على ما يبدو لي من نعيم هو فيه ولا حول ولا قوة إلا بالله

لم يطل عجبي كثيرا فسرعان ما انضمت أصوات جديدة للصوت الرخيم منبأة بأمر عظيم : ليس هذا مجلس ذكر وقرآن كريم بل هو حفل عرس تحييه فرقة رجالية تسمى "السلامية" وهي أقرب ما وصل إليه الفكر الإنساني الحديث من الحفل  الإسلامي المطبوع بطابع "حلال"، ألا ليت شعري كيف يفكر هؤلاء!  وكيف يلتحف الشرك بلحاف الدين ويختلط الشك باليقين وتتراقص الأجساد على إيقاع الجهل بلا حياء؟

بضع دقائق من المدائح والأذكار سرعان ما تبعتها الدربوكة ، سمعت نفس الأغاني المألوفة في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، سمعتها تدعو للصلاة عليه ولكني لم أسمع أحدا يصلي .. وكيف يخشع القلب ويصلي والجسم لا يملك نفسه ويتفاعل مع الموسيقى ويترنح على إيقاع المزموم والسيكا؟

إلى الآن يبدو الوضع عاديا وقد يكون من باب الاحتفال المباح لكني صرت أسمع نشازا، أسمع أصواتا رجالية تصيح بلفظ الجلالة الله الله الله الله والدربوكة المحمومة قد جن جنونها والأجساد لا بد أنها تتلوى على وقع الموسيقى بل الضجيج، ما هذا الهذيان؟ أين توقير الرحمان؟ ما دخل الدربوكة في كلمة الله؟ أي نوع من الجنون هذا؟

أصابني الغثيان .. لكن السلامية كانت تخبئ لي مفاجآت أخرى عالمية، فبعد الاستهزاء بلفظ الجلالة وتجريده من معناه، أتى الدور على الشرك به وتعظيم من سواه. بالأمس كانوا يعبدون اللات والعزى من دون الله، اليوم أصبحوا يعبدون سيدهم بلحسن  الشاذلي وأمهم المنوبية وبوهم سالم يتزلفون إليهم ويقصدونهم لحل مشاكلهم وقضاء حوائجهم ! لكن مثل هذه الأغاني الوثنية دخلت في عاداتنا وتراثنا الوطني الجاهلي ولا أحد يشغل باله بمدى فظاعتها وما تتغنى به من الشرك الصراح.

كل هذا شيء عادي ورائج للأسف لكن الفقرة الأخيرة جعلتني أقفز من مكاني وأتفقد زماني، هل أنا أحلم؟ أهذه الأصوات هي هي التي بدأت بالقرآن؟ مالي أسمعها الآن  تترنم بروائع المأسوف على شبابه وليد توفيق؟ هي ذي نفس الحناجر  تتغنى الآن بجمال السمراء حبيبة روحه وعيونها السود ... أنفس الرجال هم الذين يصيحون الآن ويستغيثون من حب البنات و ما أنزل بهم من ويلات ويرددون هذه الكلمات التافهات

واي واي يا وخياني
حب البنات كواني
حب البنات يهبل
زينهم عسل وسكر
عملو على قتلاني
واي واي يا وخياني

واي لو اعتبرناها كلمة انكليزية فأريد أن أصرخ في وجه هؤلاء المتاجرين بالدين وأصحاب الأهواء : بل أنتم واي واي يا وخياني؟ لماذا يا إخواني هذا الإجرام والإخلال بالنظام وذبح الذوق العام؟ وفوقه معصية ذي الجلال والإكرام ! كيف سولت لكم نفوسكم العليلة قلة الاحترام؟ مالي أراكم تبدؤون وتنتهون بالقرآن وبين ذلك شرك وغزل وهذيان؟

فيال المضحكات المبكيات، يال عجيب المفارقات، ها قد عادوا إلى التهليل والتكبير والصلاة والسلام على البشير النذير، بل إلى الدعاء والذكر الحكيم في قوله تعالى
  
إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا 

ويا ليتهم قرؤا ما بعدها
  
إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا
   
الأحزاب ٥٦-٥٧

وانتهت السهرة بالدعاء والابتهال: اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا و... وكأنهم كانوا في مجلس ذكر أو في  مجلس علم، وكأنهم صدقوا فعلا أن الملائكة غشيتهم وأن الرحمان ذكرهم فيمن عنده فيال جهل الإنسان وما أعظم عنده! إن  شر الكذب ما يكذبه الإنسان على نفسه... انتهت المسخرة، هل سيحلو لي النوم بعدها يا ترى؟ رحم الله الإمام المجاهد محمد الغزالي حين قال : "لقد آن الأوان لأهل الفن أن يتديّنوا ولأهل الدين أن يتفنّنوا" وإنا لله وإنا إليه راجعون.