الجمعة، 19 مايو، 2017

مراجعات 2




أولادنا سيكونون أقل تشبثا بالماديات  لو نغرس فيهم حب الطبيعة، لو نطفئ التلفاز ونحميهم من وميض الإشهار وبريق الاستهلاك. وشتان بين يوم نقضيه في الغاب نتقافز بين الأشجار ونستنشق نسيما منعشا ونجمع الأزهار وبين آخر نقضيه في صناديق كبيرة ومغلقة يكثر فيها الصخب واللغط ويقل ذكر الله بل ينعدم. فأنت حين ترى جمال الطبيعة يلهج لسانك بالذكر تلقائيا لكنني تالله ما سمعت يوما امرءا يصيح سبحان الله ما أجمل هذا التلفاز وما أبدع هذه اللعبة وما أبهى هذه النقانق المقلية وهو يتجول في دهاليز السوبر مركت المظلمة. بل إنهم يشيدون مئات الهكتارات للتسوق والأكل والترفيه المتمدن ولا يجعلون فيها ولو ركنا صغيرا للصلاة !!

القضية بالأساس قضية بناء شخصية تحب الله وتتعرف عليه من خلال تواصلها مع الطبيعة، وتدبرها لأنواع الفاكهة البديعة وتلك الحبيبات السوداء في اخضرار حبة الكيوي الصغيرة. القضية قضية ابتعاد عن الاستهلاكية العمياء وسمو بالروح إلى رحاب الرحمة والأثرة والمشاركة.

أخيرا المسألة مسألة وعي ونضج وأخلاق. ومن يتسبب في مشاكل عائلية بسبب عيد ميلاد هو نفس الشخص الذي يسبب صدامات في عيد الفطر أو الأضحى بل حتى في المآتم والجنازات. العيب ليس في الاحتفال بل في الإسراف والإكثار وفرض الاحتفال وإلا فالمقصلة بالانتظار. أن يصبح عيد الميلاد دينا جديدا هذا مما لا سبيل إليه وأن يصير المحتفل به زنديقا شريرا أو منتقص مروءة وإيمان، فهذا ما لا نقبله. ثم ما بالنا نحتفل بعيد ميلاد زواجنا مثلا، أليس بدعة غربية؟ هل فعله الصحابة؟ هل فعله رسول الله؟

فإخواني يسروا ولا تعسروا. وما دام الأمر لا يرقى إلى رتبة المعلوم من الدين بالضرورة فلا تعيروه كل هذا الاهتمام. هل هانت مشاغل الأمة وغفل الناس عن لب القضايا إلى هذا الحد؟ أغرتم على محارم الله أن تنتهك لمجرد حفلة تافهة ولا تغارون على بيت الله العتيق الذي صيرته العائلة الحاكمة إلى لاس فيقاس المسلمين؟ أما غاظكم أن تطمس معالم البيت ويغرق في ضباب جبال الاستهلاك الشاهقة المحيطة به؟ هل ستنصرون فلسطين إذا لم تحضروا حفلة عيد ميلاد بسيطة؟ هل صليتم الفجر في جماعة يا حماة حمى الدين؟

رحم الله شيخنا البشير بن حسن حين أجاب عن السؤال المكرر الممجوج حول الاحتفال بالمولد النبوي بهذا الكلام:



اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه !

الأربعاء، 17 مايو، 2017

مراجعات 1


كنت قد كتبت سابقا مقالا مطولا حول الاحتفال بأعياد الميلاد. خلصت فيه إلى أن هذه البدعة مذمومة جدا وكلها شر ووبال على الصغار. كنت حينها متأثرة بكتاب لأحمد خيري تطرق فيه إلى أن الاحتفال بعيد الميلاد عادة غربية بحتة تكرس الفردية والأنانية وتبني صرح ما يسمى بالطفل الملك. كما أنني حين كتبت مقالي كنت أسترجع ذكريات مؤسفة لما سببته هذه المناسبة من مشاكل وصدامات في عائلتي الموسعة.

وقلت كلاما لازلت أعجب لطوله والحال أنه مقال يحمل فكرة بسيطة لا تحتمل كل هذا الهذيان. هذيان لا أملك الشجاعة على قراءته كاملا الآن. أذكر فقط أنني بالغت في وصف ما يعتمل في مشاعر الصغار من شعور بالنقص لأن الملك المتوج على عرش عيد ميلاده يأخذ كل الهدايا ويحتكر كل الاهتمام.

لكن شاءت الأقدار أن تنجب أختي الصغرى توأما وتقرر أنها ستحتفل بربيعهما الأول. فقامت بتحضير كل لوازم العرس... أعني عيد الميلاد، من كعكة الحلوى الكبيرة المزينة ب "ميني" إلى المشروبات وأنواع الحلويات والصحون والطرابيش الملونة وغيرها من أسباب الزينة والمرح الطفولي. لكنني لم أر طفلا من الحاضرين يبكي أو يتذمر. إن هو إلا السرور والبشر والحبور. كان مهرجانا حقيقيا للفرح. أما مهدي ومرام الصغيران فكانا يبتسمان وكأنهما استشعرا بهجة المناسبة. والبهجة إخواني معدية وكذا الابتسام.


ولو أردنا أن نجتمع هكذا بكاملنا ما اجتمعنا لكن الاحتفال لم شملنا وأزال كل الحواجز والأعذار. ولا أقول أن هذا الأمر كله خير بل قد يتسرب إليه نوع من الإسراف والتبذير، لكنه مبدئيا لا يحتمل كل الشرور والرزايا التي حملته إياها. بل قد يكون خيره أعم من شره. ما دام ليس فيه الاختلاط المذموم ولا الموسيقى الصاخبة ولا الرقص ولا المجون. إن هو إلا اجتماع عائلي يتوج فيه كل الأمراء الصغار ويشتركون جميعا في خلق أجواء السعادة والانشراح.

ولولا أنني سمعت وقرأت كلاما لطارق السويدان ولبشير عصام المراكشي وغيرهما لا يرون فيه أي أثر يدلل على حرمة عيد الميلاد لا سيما وهي عادة لم تعد غربية بل عالمية، لما تكلمت بمثل هذا الكلام فما كان لي أن أفتي في الحلال والحرام أو أتمسك بشيء حرمه الله في كتابه وسنة رسوله. بل إن نبينا كان يعير اهتماما ليوم ميلاده ويحتفل به ولكن بالصيام. أليس قد قال صلى الله عليه وسلم .. ذاك يوم ولدت فيه.

رغم كل هذا لا أحسبني سأقيم حفلا كبيرا لابني في يوم من الأيام، أنا أفضل البساطة وأخير الحلوى التي أصنعها بيدي والصور التي ألتقطها بنفسي وأهاب كثرة الضيوف وما ينجر عنها من تحضير تحت التهديد. الاحتفال الحقيقي عندي يكون بدون زخارف ولا تخطيط. احتفال يطيقه الموسر والمعسر عنوانه "السعادة" وشعاره "التلقائية".

وأطفالنا لا يُخشى عليهم من الفردية لمجرد حفلة عيد ميلاد هي أذل من أن تبلغ هذا المبلغ. أطفالنا نعلمهم روح الجماعة في الصلاة وفي الأعياد وفي قطع النقود ندسها في أيديهم ليضعوها في صندوق التبرعات بالمسجد. أطفالنا نلقنهم روح الجماعة حين يشاركون كرتهم مع جيرانهم على الشاطئ أو في الغاب، حين يكلمون أقرانهم حتى لو لم يعرفوهم. أطفالنا لا نخشى عليهم الأنانية وهم يتربون تربية إسلامية وإنسانية. كما لا نخشى عليهم الشعور بالنقص والكبت إذا ما أغدقنا عليهم من نعم الله ظاهرة وباطنة. فلا يشعر بالنقص إلا من كان ناقصا.. كما نعلمهم أن المال وسيلة وليست غاية ونحدثهم عن القصور والأنهار في الجنة العالية...

يتبع...

الجمعة، 5 مايو، 2017

سامحينا يا أمي

  


بكيتِ حتى احتار الدمع لمأتمك
سهرتِ حتى تعب القمر
صبرتِ حتى عجِب القدر
بذلتِ حتى انقطع نَفَس البَذل
درّستِ وعلمتِ وكافحت وجاهدت واجتهدت
فمرة أخطأتِ ومرات أصبت وصوبت وقومت

يا من صار ليلك نهارا وجرت دموعك أنهارا
يا من ربيتنا صغارا وربيت هموما في قلبك علينا كبارا
يا من حملتنا تسع شهور وأعواما وأعمارا
يا من حرصت على غرسنا حتى صرنا أزهارا
هلا كففنا عنك شرنا إن لم نكن باذلين لك الخير أمدادا
هلا رحمناك من كرب وهم ضربناه عليك أسدادا

رحماك ربي، ما بالنا لا نرفع عنك بلائنا
أما كفاك ما عملت أيا مطعمة الطعام؟
 متى نتركك تعيشين أيام تقاعدك في سلام
يا من تقومين الليل والناس نيام
تقول ساعة الحائط أن قطار العمر يجري بك إلى السبعين
لكنني والله أراك تجاهدين كبنت العشرين
كل يوم طبخ وكنس وغسل وجهاد في الدار
لا تكفيك ساعات اليوم فتصلين الليل بالنهار
وكل حين شجون وهموم وأكدار

فالكبرى أتعبها أولادها الثلاثة والآن ستضع رابعة وقد دق عودها وشحب لونها
والصغرى بتوأمين تغيب عنهما سحابة النهار في عمل مضني ثم تأتي من شدة الإرهاق تبكي
وما بينهما توأمتان بعيدا عنك تسكنان
الأولى ابنها مريض والثانية تكاد من هول ابنيها تشيب
والطقس كئيب
وسنون الأمراض مديدة وأنواع الأقراص عديدة تصطف في حلقك صباح مساء

سامحينا يا أمي فطعامك لذيذ وحديثك لطيف وروحك خفيف
اعذرينا يا أما حنونا قد صار لكل منا بيت وزوج وأولاد
قد تعلمنا معنى الأمومة ورزقك الله بأحفاد
تلك آلاء الله علينا وغدا يكبر الأولاد
وغدا أرجو أن ترينهم رجالا وبنات

سامحيني يا أمي هنا تسكت الكلمات