الخميس، 29 يناير، 2015

لمَ تقولون ما لا تفعلون؟




هذه قراءة إسلامية أصولية إرهابية في رواية "الرباط المقدس" لأب المسرح العربي، الحبيب إلى قلبي، توفيق الحكيم.

حينما شرعت في قراءتها بدت لي لذيذة ممتعة وهنأت نفسي على اصطفائها من بين الرفوف وعلى الدنانير التي دفعتها فيها. لكن ما إن وصلت إلى فصل الكراسة الحمراء وما تحويه من فضائح يندى لها الجبين حتى تلاشت متعتي. ورغم ما تبعها بعد من أحداث إلا أنني لم أحبذ بعض الأفكار المتسربة من الكتاب كما أن هناك أحداثا غير معقولة ولا واقعية بالمرة.

 هذه في الحقيقة رواية فلسفية تدور حول شخصية المرأة العصرية ورغبتها في التحرر، وهي تعالج أيضا مسألة الزواج والخيانة... ما أعيبه على الكاتب هو تصويره للمرأة كأنها شيطان أو حيوان كل همه اصطياد الذكور بمساحيق الزينة والعطور وتصويره للرجل من خلال شخصية الزوج على أنه مثال في الإستقامة والنبل والشرف، ثم تعليله عزوفه عن الزواج بكل هذا من خلال شخصية "راهب الفكر" الذي لا يعدو أن يكون توفيق الحكيم ذاته.

حسنا يا حكيمنا، أراك عزفت عن الزواج لأسباب بينتها هنا وفي كتابك "حمار الحكيم" الذي طالعته من حسن حظي قبل كتابك هذا مباشرة. أنت ترى نفسك غير صالح للمعاشرة لأنك رجل فكر وأدب وكتابة ولا تحسن الاعتناء بنفسك فكيف بالآخرين. حسن لك هذا ولكن كان عليك أن لا تعزف فقط عن الزواج بل عن النساء جملة وتفصيلا. أم أنك من كثر مخالطتك لهن خارج إطار الزواج شكلت فكرة قاتمة عنهن؟ وكان الأجدر بك أن توجه اللوم إلى نفسك الخاطئة الآثمة المنتهكة لمحارم الله وتبدأ بمحاسبتها قبل أن تسيء الظن في جل النساء. فالزنا محرم على الذكور كما هو على الإناث سواءا بسواء.

من الجيد أن تدين ما تقترفه بنات عصرك من جرائم ضد الأخلاق باسم الحرية وبسبب فراغهن الفكري وخوائهن الروحي ولكن أن تعمم هذا على النساء جميعا فتصير كل امرأة ساقطة حتى تثبت عفتها وكل زوجة خائنة حتى تثبت براءتها ويصير العزوف عن الزواج أضمن أما الزنا فلا بأس به للرجال فهذا ما لا أقبله منك. أراك رجعيا في مسألة النساء ويبدو أن المرأة عقدتك فلا أنت تزوجتها ولا أنت استغنيت عنها. غفر الله لنا ولك.

ثم كيف تصور في آخر الرواية أن صون المرأة المتزوجة لنفسها قد يكون تضحية بملذات الجسد من أجل لذة الروح وسمو النفس التي هي أسمى وأرقى. والحال أن الزواج يكفي الإنسان حاجاته الروحية والجسدية. أفلا يكفي المرأة زوجها لإشباع غريزتها؟ لماذا نصور الزواج على أنه سجن مليء بالتضحيات والحرمان من أجل السمو بالنفس؟ الزواج هو السكن وهو التوازن وهو المتعة الجسدية والروحية إذا ما أحسن الطرفان الاختيار. أما هذيانك هذا فلا يمت للأصل بصلة.

 وكذا تفسيرك انعدام هذه الآفات في أوائل العهود نظرا لتمكن سلطان الدين من القلوب بحيث لم تكن المرأة تخرج إلا من غرفة لأخرى أو من بيت لبيت والحال أن من الصحابيات من لم تكن تترك صلاة الجماعة في مسجد ومنهن من تعسف نخلها وترعى غنمها ومنهن من تداوي المرضى وتواسي الجرحى ومنهن من تمشي في الأسواق وتخرج في الغزوات. فإذا تفسيرك العفة والفضيلة بحبس النساء في البيوت باطل ومردود عليك. إنما هي قوة الإيمان وخشية الله ودرء المفاسد قبل حدوثها. ففي عصر الصحابة قليلا ما تبقى امرأة دون زواج فالتي مات عنها زوجها تسابق إليها الرجال خاطبين وعندما سمع عمر امرأة تنشد شعرا حرم على الرجال التغيب أكثر من أربعة أشهر على نسائهن في الثغور. ثم إن المرأة كانت في غدوها ورواحها متزينة بزينة الحياء حاجبة مفاتنها عن الأعين ومن شروط اللباس الشرعي للمرأة المسلمة خلوه من العطور التي أرى أنها فعلت فيك الأفاعيل. وبعد هذا وفوقه أمر الله المؤمنين والمؤمنات بغض البصر ووعدهم بحلاوة الإيمان يجدونها في قلوبهم. فقل لي بالله عليك أين أنت من تعاليم الدين؟ هلا درستها وفقهتها قبل أن تخط تلك الكلمات الساذجة التي تبخس الدين حقه والمرأة حقيقتها؟

أخيرا هذا الكتاب لم يضف لي شيئا للأسف من ناحية الأفكار كما أني لم أجد فيه أسلوب الكاتب الساخر الذي عودني عليه وأحببته فيه.

 لأول مرة أقسو على الحكيم لكنه يبقى من كتابي المفضلين ومازلت أرغب في الاستزادة من فيض روحه وثمر قلمه. أما دروس الأخلاق فليس مؤهلا ليلقنني إياها.

الأربعاء، 21 يناير، 2015

من لي بناجي العلي؟



سمعت اليوم عجبا
رأيت في التلفاز منكرا
قالوا بأن مسلمين
ارتكبوا في باريس مجزرة
اغتالوا الفن والتعبير
قتلوا شرطيا ورسامين
فخرج بعض المتأسلمين
وجابوا الشوارع منددين
كالخرفان مرددين
أنا شارب أنا شارلي

سمعت اليوم عجبا
رأيت في التلفاز منكرا
عُرب العلمانيين المنافقين
تصدروا المنابر منددين
وقبلها سمعتهم يباركون
إي والله يباركون
مجازر هامان وفرعون
وعلى أشلاء المسلمين يرقصون
وبالانقلاب الظالم يفخرون
اليوم وقفوا كالبغل الحرون
وصاحوا ما هذا التطرف والجنون؟
ما لنا وللرسول؟ وماذا في تيك الرسوم؟
هاذي حرية تعبير وفنون
وانبروا كالغربان ينعقون


جو سوي شارلي
أهذاما تقولون؟
ألا تبا لكم ولشارليكم
ألا بعدا لكم ولشاريكم
قلتم جو سوي شارلي
قلت 
Je ne suis pas Charlie
طردوه من بلاد العهر إلى بلاد العهر
دفعوه من بلاد العُرب إلى المَهَاجر
ضاقت بضجيجه الصامت الكلاب
فقتلته سائرا في مدينة الضباب
يحمل صمته ورسوما في الدفاتر

Je ne suis pas Charlie
Je suis ناجي العلي
امتشق قلمه وورقة بيضاء
ومازال ينزف قلبه حبرا
مازال يُسكِن عقلَه طيفا
مازال يلتمس في حلمه بيتا
أخرجه منه الأعداء

أنا ناجي العلي
سلاحه قلم وقلب وورق
يتجرع السيجارة بعد السيجارة
ينفث دخان المرارة
ويُسهره الأرق
سلاحه رسوم في دفاتر بيضاء
رسومه سيوف تشق ثوب الأعداء
 تهتك ستر الخونة والعملاء
تُعريهم
تنشر غسيلهم المضرج بالدماء
 تفضح جرمهم
تكشف عهرهم وابتسامات الرياء
ضاقوا به ذرعا
فصاحوا أزيحوا عنا هذا البلاء
لقد أوجعتنا ضربات قلمه
وهدتنا فاطمته
 وكسرنا حنظلته
وأعيتنا جرأته
يا له من داء
تبا له ما أسمّه من ثعبان
فلنرسله إلى الجحيم
 إلى صديقه  غسان


أنا ناجي العلي
قتلوه لكن مازال حنظلة
صبيا دائما شامخا ليس شائخا
مذ هُجّر من بيته وهو في العاشرة
مذ ولد في ال 67 وهو شاهد على نشرة الثامنة
وتقارير التاسعة
وحصاد العاشرة
وقضايا الأمة الخاسرة

أنا ناجي العلي
أنا حنظلة
مازال الفتى شاهدا على المجزرة
مازال موليا ظهره يرنو إلى المسخرة
ما فتأ عينا ترقب بأسى أو بدون انتباه تيك الوجوه المقفرة
يرقب مسيرة النفاق دون حزن أو ارتباك
دون اختلاج صدر أو اضطراب
فما عاد ينتظر شيئا من أولياء الكفرة
ما عاد يحفل لموت الضمير العربي
فقد مات قبل ولادته بمرحلة

جو سوي شارلي
قالوها بوجوه ضاحكة مستبشرة
وأخرى ترهقها قترة
يمشون في مسيرة أسيرة كسيرة
يلبسون معاطف سوداء وقلوب أشد سوادا
هل رأيت بالله سفاحا يندد بالقتل؟
هل رأيت من فجر أجساد أطفالنا أشلاءا
يحتج على الإرهاب ويضع  بين مخالبه حمامة؟
هل رأيت ذاك الوحش الآدمي وقد اشتعل رأسه شيبا وقلبه دمامة؟
هل سمعت بالله عليك بمثل تلك الصفاقة والنذالة؟
هل رأيت تلك الغرابيب السود تنعي الموتى ثم تنهش أجسادا؟
أرأيت من طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفسادا؟
ألا بعدا لهم ولأذنابهم ولنواصيهم الخاطئة الكذابة.

قالوا جو سوي شارلي
قلت أما أنا فناجي العلي
أما أنا فسوريا والعراق
أنا فلسطين دمها يراق
وقيل من راق؟
أنا أفغانستان
أنا بورما
أنا اليمن
أنا ليبيا
أنا مصر العربية
عادوا بها إلى العصور الفرعونية

من لي بأطفال تجمدوا في الثلوج
وأعين الحكام الزجاجية تراقبهم ولا تموج
من لي بمن استحلوا الدماء والأعراض والفروج
من لي بقلم أحمد مطر أخط به صرختي؟
عذرا فإني لا أملك إلا مهجتي
عذرا لا أجيد الكتابة لكنني
لن أصمت حين أرى الظلم ولن أكتفي
رغم ضعفي وقلة حيلتي
سأظل أمشي حتى يحين موعدي
 وأصرخ ملء لوعتي
أنا فلسطين

  


الأربعاء، 7 يناير، 2015

فريد وسعيد






أما فريد فهو فريد الأنصاري
وأما سعيد فهو بديع الزمان النورسي
وأما سعيدة فأنا، سعيدة باكتشافهما وممتنة للصحبة الصالحة التي عرفتني على فريد الأنصاري فولجت عوالمه. وحيث كنت أبحث عنّي في "جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح"، وجدتُني في "آخر الفرسان" وهناك عرفت سعيدا أو بديع الزمان وأي فارس هو وأي رجل كان.

أحبائي هذا كتاب يقوي الإيمان، يعزز الثقة في الله ثم في الإنسان، يختصر المسافات يحملك طولا وعرضا في جغرافية التاريخ. تخيلوا كتابا خطه فنان عن عظيم من عظماء الإسلام. وماهو بصحابي وماهو بتابعي لكنه من خير الأنام.


نابغة، متقد الذكاء، ذاكرة حديدية استوعبت تسعين من أمهات الكتب، ما ناظره عالم إلا غلبه، عاصر "الرجل المريض" في أحلك فتراته. حاول أن ينقذ ما يمكن إنقاذه. دخل في السياسة قصد الإصلاح ثم هرب منها وكرس حياته لخدمة القرآن. شارك في الجهاد ضد الروس، نفي عامين في سيبيريا ثم عاد لوطنه مشيا على الأقدام. لم ينحن يوما لطاغية ولا متجبر، لم يجفل قلبه لنظرة قاضي متكبر بل لقنهم جميعا دروسا في العزة والشهامة وضرب لهم أمثالا في الثبات والكرامة. فيا للهمة التي حملت همّ أمّة.


 قضى حياته من منفى إلى منفى ومن سجن إلى سجن لكن من قلب المحنة تخرج المنحة ومن أقاصي البلاد حيث عزلوه في تلك القرية النائية بين أحضان الطبيعة الجميلة الرائقة من هناك انبثقت رسائل النور وتتابعت تترى تتلقفها أنفس المؤمنين المتلهفة وتتناقلها سرا أمدا طويلا.




ما هذا الرجل؟ لكأنه قادم من زمن آخر غير هذا الزمان. أي إبداع وأي ذكاء وأي عقل حباك به الله يا بديع الزمان؟ أي صبر على المحن وأي حكمة في زمن الفتن؟ والله لا يسعني أن أطيل الحديث عن هذا الرجل العظيم. ولا أن أوفي هذا الكتاب حقه. سأختبأ كالعادة وراء ما طاب لي جنيه من قبسات نور في هذه الجنة الوارفة. أحيانا يتكلم فريد وأخرى يتحدث سعيد أو أحد تلاميذه ومن عاصروه حتى من الشرطة المكلفين بمراقبته !


وكم أعجبني حديثه عن أمه التي كانت أضوء قبس له مع أنها فارقت الدنيا وهو لا يزال في التاسعة من عمره.


أضع هذه في الآخر لأتذكرها ولا أنساها.

ولا أنسى أيضا حاله عند الصلاة واستغراقه في الذكر والدعاء وغيابه عن الأرض وانشغاله بالسماء في ذلك البلد الجميل الذي زرته فكان بوسعي أن أتخيل ما رسمه الكاتب المبدع من لوحات فنية لجمال تركيا ولطبيعتها الغنية.












رحم الله سعيدا وفريدا، وجزاهما عنّا وعن الإسلام خير الجزاء

هذا الكتاب من أروع وأمتع ما قرأت
لله در الأكراد أنجبوا لنا صلاح الدين ثم بديع الزمان
وعذرا ثم عذرا ثم عذرا على هذه المراجعة البائسة لجوهرة نفيسة
 إنما أردت أن أدعوكم لنفض الغبار عنها وعما اعترى القلوب من صدأ
وإني من معين الأنصاري عائدة لِأشرب!
بإذن الله