خواطر مسلمة




في بلد الواقواق تسمع في الأخبار أنه تم قتل أحد الأشخاص أمام بيته رميا بالرصاص، "أحد الأشخاص"، هكذا بكل صفاقة! فلا هو مهندس عبقري ولا هو مخترع ذكي ولا هو مجاهد تقي في صفوف المقاومة ولا هو أخ في الله وَفِيّ للفلسطينيين و مناصر فعلي لقضيتهم الرافعة الخافضة. لكن ذفر الكيان الصهيوني سرعان ما انتشر في كل مكان كما ينتشر على الدوام حيث الموت والخراب والقتل الجبان. جنود البامبرز أطلقوا كلابهم تسعى في بلدنا المستباح ...

حيث يحلو لمدعي العلمانية أن يقحموا الدين في السياسة. فتراهم في المولد النبوي يرفلون في جِبابهم الإسلامية التونسية ثم يجلسون القرفصاء في مسجد يتجاذبون أطراف النفاق السياسي ويجذبهم النعاس من خفي. فهذا يلبس جبة بلون خمري وآخر يلبسها بلون سكري والآخر اختار لها لونا كلون الرماد الذي يذروه في أعين الناس ليسحرهم أو كالذي يركمه على قلبه عساه أن يخفي النار التي تتأجج بين أضلعه، نار الشهوة والغرام، شهوة السلطة وغرام القوة والشهرة. وأقلهم نفاقا يأتي بزي الإفرنجة العالمي ويقلب أعينا كالحة على الحاضرين، تراه عبوسا حامض الوجه قمطريرا، فكأنما وجهه بالخل منضوح. ينظر شزرا إلى غريمه السياسي وزملائه في الكذب في القول والتسويف في العمل ثم يلعن بعضهم بعضا.

وللنساء نصيبهن من حفلة اليوم الوطني للباس التقليدي أو ما يسميه رجال السياسة ودهاة فن التواصل الاحتفال بالمولد النبوي وما كان أحراهم بأن يظهروا حبهم للدين وللرسول باتباع سنته في حضور صلاة الجمعة والعيدين والاختلاف إلى المساجد في غنائم رمضان الليلية. لكن العادة غلبت العبادة وحب الدنيا طغى على الآخرة  ولولا المكر والمداهنة لما رأيت أحدهم يقتحم بناصيته الكاذبة الخاطئة ساحة المسجد فيدنسها. وما كان أجدرهم أن يذهبوا بِسِرْكِهم السخيف فينصبوا خيامه حيث ألقت ويُعفوا  بيت الله ثم الناس من سوء مطلعهم وخبث نيتهم. ووالله عجبت لهم، يدعون الحداثة والتجديد ثم لا يأتون إلا بالقديم والتقليد فكانوا شر خلف لشر سلف فهل سبقهم إلى ما هم فيه إلا زين الهاربين وكبير المجرمين؟ اللهم اكفنا شر جهلهم وغفلتهم.

وفي بلد الوقواق ستجد تجوعية سابقة كادت أن تحوز على موقع دنيوي تحسبه مرموقا لولا شرارة الثورة التي أتت على أرض أحلامها السلطوية فصيرتها قاعا صفصفا، ستجدها تعلن وبكل وقاحة أنها لم تسمع ولن تسمع ولا تحب أن تسمع شهادات ضحايا التعذيب والاستبداد في جلسات الاستماع التي مرت بنا كما يمر الإعصار فترجف القلوب وتدمع العيون ويبكي الفؤاد ويجف الحلق ويزيغ البصر من هول ما سمع وما لم يسمع. لكن هذه الآدمية نزعت ثوب الإنسانية وأسورة الأنثوية ثم تجردت من الموضوعية وخرجت علينا في كامل عورتها الفكرية وقلبها المريض ونفسها الأنانية لتعلن ازدراءها واستنكافها وترفعها وعلوها على هذه المعمعة وما درت المسكينة أنها بقولها هذا نزلت من عل بل هوت من شاهق إلى حضيض البهيميةلكن هكذا يصنع جنون الفكرة الثابتة بصاحبه وما أراها إلا وقد اعترتها لوثة جاهلية فاللهم اشف القلوب قبل العقول.

وهي هي التي تسرد عليك مرض زوجها وكيف رجعت من عملها فجاءها أقاربه يعودونه فأكرمت وفادتهم وبالغت في تبجيلهم ثم عند انتشارهم غضب عليها زوجها لأنها لم تقدم لهم العشاء. يا للضحية المسكينة ويا للجلاد الظالم. أنا أيضا لا أحب أن أستمع لجلسة الاستماع هذه، فكأني أستمع إلى الإنسانية الحاضرة الغائبة، أو إلى الضمير الإنساني المعتوه، فإما أن يكون حيا فيتكلم عند كل نازلة وإما أن يكون ميتا فيصمت إلى الأبد ويريحنا من هذيانهوجزى الله عنا الإمام الشافعي خير الجزاء فقد نبهنا إلى سورة عظيمة نقرؤها ولا نعيها هي سورة العصر، قال فيها رحمه الله "لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" فهي منهج قويم لعلاقة الإنسان بربه.
جعلنا الله من المؤمنين العاملين الصالحات والمتواصين بالحق والمتواصين بالصبر... فطريق الحق طويل..

سلام على الشهداء وتحية إلى روح المقاومة في كل مكان، مقاومة الشر بكل أنواعه وتجلياته، مقاومة الباطل بمختلف أشكاله وأهوائه، تحية إلى المقاومين في الثغور، ثغور الأرض وخاصة ثغور النفس والقلب والضمير، تحية إلى العلماء الصالحين ودعاة التنوير، هم النجوم في عتمة قلوبنا.

قال مصطفى صادق الرافعي أستاذ الأساتذة وملجم المدعين والزنادقة ونابغة الأدباء والفلاسفة في إحدى جوامع كلمه الخالدة، قطفتها لكم من أول كتاب قرأته له "تحت راية القرآن"







لعل لها عذرا وأنتَ تلومُ



اليوم يوم راحتها... من العمل خارج البيت، أما داخله فشُدّ المؤزر وحي على الجهاد. أكوام من الثياب تحتاج إلى غسل ونشر فجمع وطي وعَود إلى الرفوف. الأرضية تحتاج إلى كنس فغسل ومسح مع الحرص على رفع الزرابي وكل العقبات ثم إرجاعها إلى مكانها. أما المطبخ والطبيخ فلا تسل عن أصنافه وألوانه وأهواله. فأنت إذا أردت أن تنسى نفسك وأولادك ثم الزمان والمكان فعليك بالخضر واللحم والسكين لا مثيل لهم كسجان. زد عليه نفض الغبار وتلميع زجاج النوافذ والمرايا وما لا حصر له من الأعمال التي يطول شرحها ويمل الإنسان فقط لذكر اسمها. فدعونا منها.

أما الولد والبنت فلا مناص من الاهتمام بأكلهما وشربهما ولباسهما وفض ما شجر بينهما من عراك على لعبة أو ممحاة. قضت معهما الدقائق والساعات تلاعبهما وتمدح إنجازاتهما الصغيرة وتصيح من أفعالهما الكبيرة وتفننهما في الرسم على الجدران والساحات. مثلت دور المجنونة والمفتونة والمعلمة والممرضة والمهرجة والمصارعة والطفلة والكهلة والرجل والمرأة. فمرة تبسط ومرة تقبض وأخرى ترغي وتزبد، لم تتعلم في المدرسة معنى أن تكون أما. هذه مهنة ليس لها شهائد وجامعات إنما هو الجد والكد والبحث والاجتهاد.

وبعد أن أنهكتها أعمال البيت اللا متناهية وطلبات الصغيرين المتهافتة وبعد أن أعياها الوقوف أمام الموقد لساعات و شيّبها غسل الصحون المتوالدة والبقع العنيدة فوق الميدعات، بعد كل هذا الجهاد، تذكرت أن لنفسها عليها حقا، فأحبت أن تأخذ استراحة محارب، كأس شاي ترشفه على مهل وهي جالسة تحت الغطاء. فالجو بارد والطقس شتاء. هل في هذا خزي أو جريمة؟ أليس حقا مكتسبا بعد كل هذا العناء؟ لكن ما هي إلا رشفتان حتى دخل زوجها كالثور المهتاج، فهاج وماج، وصاح بها أنها "لا تبل ولا تعل، دائما باركة كالجمل". سامحوني على إقحام هذه اللهجة العامية لكني أحببت أن أنقل لكم كلماته كما هي، بل تقيؤه البغيض على زوجه البريئة لتتخيلوا حجم الضرر الذي لحق بتلك القارورة المسكينة. قارورة مكسورة تطايرت شظاياها ونزفت جراحها دموعا كالوديان. ما هذا اللؤم والشؤم والخذلان؟ ما هذا الظلم والبهتان؟ أين كان هذا الفظ الغليظ حين كنت أجاهد وحيدة وأصاول في بيتي مصاولة الفرسان؟ أين كان هذا الكنود الجحود حين كنت أقوم بألف عمل في كل حين وآن؟ أحسدني على شجرة أستظل بها قليلا ثم أواصل مسيرتي المتعبة؟ أيلومني فقط لأني امرأة؟

وانخرطت في بكاء هستيري لكأنما دموعها تدفقت من معين لا ينضب. لم تكن من النوع الذي يبكي كثيرا فقد جعلتها الحياة وكثرة المسؤوليات والخيبات إنسانة قوية وصلبة ومتماسكة. لكن عديم الحياء والمروءة أخرج الطفلة الصغيرة المختبئة بين جوانحها وتركها تبكي وتندب حظها ويتمها. أهذا سندها في الحياة؟ أهذا رفيقها إلى دار الآخرة؟ أهذا أب طفليها؟ كل هذا فقط لأنها لم تخرج اللحم من الثلاجة كي يتسنى له إعداد طبقه المفضل؟ وقد أخبرته أنها صنعت حساءا بالخضر. أتكسرني من أجل معدتك؟ ألا قبحك الله من رجل سوء.

مرت العاصفة بلا سلام ولا كلام. وفي المساء جاء الزوج فوضع بين يدي زوجته مائدة صغيرة وقرّب إليها صحنا من الكسكسي وكذا فعل لابنيه. طعم الولدان والأب، أما الأم فلم تصل إلى فيها ملعقة واحدة. وسرعان ما قامت وذهبت لفراشها علها تغيب في نوم ينسيها كسورها وأجزاءها المبعثرة. لم يتبعها ولم يضمد جراحها ولا قام بإضراب جوع حتى تأكل... فجمع إلى الغلظة البلادة والغرارة. وغاب عنه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة.

رفقا بالقوارير

لا يكرمهن إلا كريم

لا يهينهن إلا لئيم

استوصوا بالنساء خيرا

خيركم خيركم لأهله

وأنا خيركم لأهلي

اللهم هداية!