في طريقي إلى العمل...





في طريقي إلى العمل أرى نساءً شابات وأقل شبابا يحملن على أكتافهن أكياسا ثقيلة تنوء بها ظهورهن ويرفعن صناديق كبيرة تتمايل تحت وطئها خطواتهن ثم يدخلن إلى الدكان ليزاحمن الرجال في ممرات ضيقة لا تحفظ لهن ماء وجوههن. فألعن الفقر الذي أحوج مثلهن لمثل هذا العمل المهين. وألعن ذاك الرجل السمين الذي يقف كالأسد الكسول ليحرس صندوق النقد فيقبض ثم يقبض ولا يخطر على باله أن يرفق بالنساء العاملات عنده وأن يعطي الأوامر لكي لا يحملن الأثقال التي ينوء بحملها أعتى الرجال. فدكانه مليئ بالذكور والفتيان. قد تتغير وجوه البعض منهم باستمرار لأنهم يسأمون هذا العمل الذي يهان فيه المرء أو .. يهان.

وقد كنت شاهدة على أحدهم حين تشاجر مع الرجل السمين ذي البطن العظيم وأخته اللئيمة التي تعينه في السيطرة على صندوق النقد العائلي. رأيتها وأخاها يهينان شابا يافعا طويل القامة أبيض الوجه وسيما ويهيلان على وجهه التراب أمام مرأى ومسمع من الزبائن دون اعتبار لآدميته، فما كان منه إلا أن رد بالمثل وانتفض غيرة على كرامته.. ثم لم أعد أره في ذاك السجن الذي يسمونه مغازة. الدكان مليء بالرجال لكن الأسد الكسول لا يفرق بين ذكر وأنثى فكلاهما سيان. هذه المساواة التي لن تسمع دهاة السياسة وأساطين الدبلوماسية وملوك الكياسة يتحدثون عنها. هذه هي المساواة كأن تداس النساء أمام أبواب الحافلات تحت أكتاف الرجال وهم يتهكمون ويستهزؤون بهن: ماو تحبو المساواة؟ هاي المساواة.

ألا لعنة الله على المساواة العمياء البلهاء، ألا لعنة الله على الكذب والنفاق. ينتفضون ضد شريعة الله العادلة الخالدة ولا يطرف لهم جفن إذا ما رأوا امرأة عجوزا تنظف محطة السكك الحديدية. ولا تسمع لهم ركزا إذا ما كلفت امرأة شابة رقيقة بأن تحمل أكياسا ثقيلة على عاتقها. فمثل هذه القضايا لا تدر الأصوات ولا تثير الأبواق ولا تسمن ولا تغني من انتخاب. ولا همّ لهم في حقوق إنسان ولا حيوان. إنما هو الجري اللاهث والتكالب والتهافت على كرسي الحكم وفاتهم لحمقهم أن الله محاسبهم على كل أنة ضعيف وشكوى سقيم ودموع ثكلى وامتهان أنثى.

في طريقي إلى العمل أرى أخت الأسد الكسول تضع وليدها ثم تعود بعد شهر أو شهرين لتتربع كاللبؤة الجموح على عرش الدكان. فما أدري ما فعل ابنها بعدها وأمه غائبة عنه سحابة النهار وماله بد من مراضع البقر وحليب العلب وإنا لله وإنا إليه راجعون. لكنها المدنية. لكنها الحداثة. لكنها تلك الثورة الفاسدة التي بدأت في الغرب ثم ألقت بظلالها على عالمنا. أخرجي يا امرأة واعملي نحن بحاجة إليك. واخرج أيها الأب واعمل أما أبناؤك فسنتكفل بتربيتهم عبر سموم التلفاز والهاتف والحاسوب والشارع. دمَّروا العائلة، خرَّبوا هذه المؤسسة فصارت خاوية على عروشها. ثم كثرت الأمراض الاجتماعية وتفاقمت الأوبئة العائلية وصرنا إلى ما نحن إليه.

في طريقي إلى العمل أرى جل النساء العاملات في الدكاكين والمحال وحتى الصيدليات يعملن لأنهن مضطرات إلى العمل ... فما من امرأة إلا وهي تحب أن تعمل وتنتج وتبدع وتغير لكن أي عمل وفي أي مكان وكم من الزمان؟ هذه هي القضية...

 في طريقي إلى العمل أمر أمام خمس مقاهي يكثر فيها جلاسها ويعلو صخبهم .. والفارغون أكثر ضجيجا. فلا أدري ما فعلت نساؤهن؟ أتُراهن يعملن في أحد الدكاكين ويحملن أثقالا مع أثقالهن؟ أم تراهن يتربعن في ظل البيوت ويرتوين باحتواء رجالهن وقوامتهن عليهن؟ سل العاملات في حقول الطماطم والفلفل والقمح والشعير، سل المجاهدات في الثغور، اللائي لا يُسمع لهن صوت في خُطب النفاق إنما هو صمت القبور!


أرانب غير أنهم ملوكُ      مفتحة عيونهم نيامُ
                                                                                المتنبي

أبطال مغمورون





ليست المرة الأولى التي أزور فيها خال زوجي. كنت أعلم جيدا أنني ذاهبة إلى بيت نظيف وجميل وعصري. هو منزل كبير ذو طابقين تحيط به شرفة مفروشة ببلاط أنيق تتخلله بضع شجيرات، زيتونة مباركة وياسمينة وبرتقال وورد ذو لون بنفسجي خلاب. لكن أكثر ما يعجبني في هذا البيت ليس لون الجدران ولا نوعية الرخام ولا تصميم المطبخ ولا جمال المدفئة. ما يبهرني حقا هو النظافة. كل شيء في هذا البيت يشي بنظافة صاحبته. تلك المرأة العظيمة المجاهدة، الراعية لزوجها وأولادها الثلاثة. هي أميرة في مملكة من الذكور. تعمل على تنظيف المسكن وتحضير الملبس وإعداد المطعم نهارا ثم تسهر خوفا على ولدها اليافع ليلا. إذ أن أباه ينام باكرا لينهض إلى عمله في الصباح. هي المرأة المرابطة في كل الثغور القائمة بواجبها بفن وذوق وإتقان.

هذه امرأة جعلت بيتها معبدا للطهارة ومتحفا للنقاوة ومضربا للأمثال وغاية في النظام. فلا تكاد تخطئ عينك عدد الساعات التي تمضيها في الكنس والغسل والمسح والشطف. هذا بيت لا فرق بين داخله وخارجه. لا فرق بين أرضية الحمام وبلاط الحديقة. بل إن المكنسة تبرق من شدة النظافة، ألوانها صافية زاهية كأن أنفها لم يرغم قط في التراب ولا عرف الأوساخ والغبار. هذا نوع من الإحسان فاق كل اعتبار.

وفاء لم تقل حرفا واحدا لكنها علمتني ألف درس من دروس العمل الصامت أو الصمت العامل ... والإيثار. صحيح أنها ملكة في بيتها لم تعمل يوما قط ذاك العمل المتعارف عليه .. وصحيح أنني أعمل خارج البيت .. وداخله لكن يمكن أن أكون أفضل من هذا ويمكن أن تقدم هي أقل من ذاك. لكنها طبيعة جُبلت عليها تهوى النظافة والجلوس في البيت وتنفر من القذارة والشمس الحارقة. أما أنا فكم من أشياء كنت أملك تغييرها ولم أغيرها؟ أحسب أنني أفعل جهدي للتوفيق بين العمل والبيت والزوج والولد لكنني أستطيع أن أفعل أكثر. كم مرة اشتريت ملابس وأشياء تخصني ثم تركت الأكياس مكدسة في الأرض لأيام؟ كم مرة مررت بجانب حذاء مهمل ولم أضعه في مكانه لأني لا أحب الانحناء؟ كم مرة قدمت التعليق أو الإجابة على رسائل في الفايسبوك على طي الملابس التي سئمت الانتظار فوق الأريكة؟  كم أنفقت من الساعات أتفرج على آلاف الصور والوصفات دون أن أجرب واحدة لأني لا أملك الشجاعة لجمع كل تلك المقادير والمكونات؟ هو داء التسويف وآفة الترفيه. نعمل قليلا ونستهلك كثيرا...

وفاء راعية لبيتها ومسؤولة عن رعيتها، وفية لرسالتها، مخلصة لمهمتها، وفاء اسم على مسمى وبطلة من الأبطال المغمورين وما أكثرهم، أولئك الذين لا يتصدرون الصفحات الأولى في الجرائد ولا نشرات الأخبار لأنهم لا يقتلون أحدا ولا يتدخلون في السياسة ولا يجرون وراء كرة جلدية ولا يرقصون نصف عرايا باسم الفن، هم يجاهدون صباح مساء ليقدموا أعمالا جليلة لمحيطهم الضيق. هم الطباخة الماهرة والأم المبدعة والنجار المتقن والمعلم المتفاني. سلمت الأيادي العاملة وبوركت السواعد الكادحة. وتحية خاصة لأمي البطلة المجاهدة صغيرة وكبيرة وإلى يوم الناس هذا! كيف أكتب عن وفاء وأمي أستاذة الأوفياء؟!