الاثنين، 25 نوفمبر، 2013

ماذا علمونا في حصة التربية الإسلامية؟ 1



عندما اكتشفت جهلي الكاسح بالسيرة النبوية وأنا أخطو حثيثا نحو الثلاثين، تبادر إلى ذهني سؤال: ماذا علمونا في حصة التربية الإسلامية؟ لمَ لم تُدرج السيرة العطرة، سيرة خير ولد آدم ولا فخر، في المناهج التعليمية؟ لا أدري أين يليق بها المقام أفي التاريخ أم في التربية الإسلامية أم يحسن أن تُفرد لها مادة بحالها تُسمى : السيرة المحمدية؟ مادة تُدرس من الابتدائية وحتى الثانوية، معين لا ينضب ورحيق مختوم لا يتغافل عنه إلا مسكين أو محروم أو ... مولود في عهد مشؤوم، عهد الظلام ووصاية أشد الدول عتوا على الإسلام، فرنسا... لم تكن لتدعنا وشأننا، خرجنا من الاحتلال لندخل في وصاية مكشوفة سمَوها استقلال. ولا زلنا نتخبط في ما زرعته في بلادنا من أشواك وما كبلتنا به من أغلال...

فرنسا من شر الدول الاستعمارية لأنها لا ترضى فقط باغتصاب الأراضي والحقول، بل تريد من عنجهيتها السيطرة على العقول، تحاول لفرط غرورها أن تفرض "أنوارها" المظلمة على القلوب، تزعم أنها تضطلع بدور تعليم الشعوب. تُعلم الناس كيف يعيشون وأي لغة يتكلمون وأي رب يعبدون. 


وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ
(إبراهيم ٤٦)

هي تريد فَرنسيَتها منهج حياة، تريد أن تزرعها زرعا في ما تستبيح من أراضي وإلى الآن مازلنا نعاين حجم الدمار وما سببه مرورها بوطننا كالإعصار من شر كُبَار، ويكفي أن تفتح فمك وتتكلم لتجد فرنسا معلقة بلسانك، لا تحسن قول جملة واحدة بدون "فرنسا" وهذا ابتداءا من المواطن العادي الغير متعلم وصولا إلى رضا بالحاج الناطق الرسمي باسم حزب التحرير... "وإنا لله وإنا إليه راجعون" ليس هذا مجال الكلام لكن الحديث ذو شجون.

دعوني يا إخواني أحدثكم عما علمونا في حصة التربية الإسلامية وأشاطركم ما علق في ذاكرتي من مشاهد وصور... علنا نستخلص في الأخير العبَر. لا تسألوني عن الابتدائية فقد خانتني الذاكرة واختلطت علي الأزمان لكني أذكر السنة الأولى ثانوية، عندما كان عمري اثني عشرعاما، كانوا لم يخترعوا بعد "الأساسية". أذكر أن الأستاذة طلبت من أحدنا أن يتقدم ليرينا كيفية الصلاة. كنت أعرفها لكن منعني خجلي من ترشيحي نفسي، كنا نخجل من الصلاة... أذكر تلك السجادة في ركن القسم وولدا يصلي والأستاذة تشرح. الحمد لله لم أكتشف الصلاة في المعهد ولكن في البيت حيث يسجد أبي...

أتراهم علمونا الصلاة في المدرسة؟ لا أدري

في السنة الثانية كان الأستاذ رجلا محمر الوجه، جهوري الصوت، متحمسا. كان يُدرس في العراق أو ربما في الإمارات ثم جاء إلى تونس لا أدري لمَ. لم تكن فكرة جيدة فهنا يُختزل الدين في كلمة: "التكافل". كنت أنا وأختي التوأم نجلس أمام مكتبه مباشرة، سألتها عنه اليوم فقالت "كان  متحمسا، يبالغ في رفع صوته لكنه حببنا في الدين" وقالت أيضا بأنها سألته مرة " يا سيدي لمَ لا ندرس إلا عن محور التكافل" (كان سؤالا خطيرا في السياسة لم يتفطن إليه جنود هامان) ويبدو أنها ضربت وترا حساسا فاندفع المسكين يشكو من قهر المناهج التعليمية، ويضع البدائل ويصور لنا ما كان ينبغي أن نتعلمه، ربما تحدث عن شرح أسماء الله الحسنى وربما ... أختي أيضا خانتها الذاكرة لكنها أفضل مني بأية حال فقد نسيتُ تماما هذه الحادثة ولو لا وجود شاهدة أخرى على العصر لقلت لكم بأن أستاذي في السنة الثانية لم يكن يعجبني، يبالغ في الصياح، ثم إني قتلتُ  مرة نحلة  في القسم فهتف بي: يا قاتلة ! كان عليه أن يتصرف معها لا أن يدعني أقاومها وحدي ثم يقلب القسم على رأسي بعد أن أزهقت روحها في محاولة شرعية للدفاع عن النفس...

نعم، كنت سأقول بأنه لا يعجبني لكن عندما ذكرتني أختي به قفزت تلك الصورة في مخيلتي. أجل الآن أتذكر ثورة الأستاذ وهيجانه وحديثه عن تجربته السابقة في دول الخليج وأسفه للبون الشاسع بيننا وبينهم .. وأذكر خاصة حسرتي عندما سمعته. كنا نحب الدين ونتعطش لعلومه، كنا نأسى على ما فاتنا من كنوز،  نأسى ثم ننسى...

يتبع إن شاء الله

تنويه: هذه الصورة لا يفهم معناها إلا من دفع دينارا خيريا إجباريا في إطار "التكافل" ولأن بن علي  لا يريد أن يدخل الجنة وحده بل يعيننا على شياطيننا لندخلها معه :)

الاثنين، 18 نوفمبر، 2013

عاصمة المغلوبين



هناك في القيروان زرت مسجد عقبة بن نافع أو كما يسميه الأهالي الجامع الكبير. كما ألغينا تسمية عيد الأضحى وبدلناها بالعيد الكبير .. هو مسجد مهيب بجانبه مقبرة بيضاء ومدينة عتيقة من أروع ما رأيت. زرت القيروان  قبلا أيام كنت أميرة صغيرة في عرش أبي، زرتها أكثر من مرة ووضعت فيها أشهى دجاج في فمي لكن لا أدري لم استشعرت بجمالها الصارخ هذه المرة أكثر من سابقاتها. كنت أتجول في أروقة المسجد وكان هناك باب مفتوح يطل على الخارج، فتسمرت في مكاني وعجبت أشد العجب لهذه اللوحة الزيتية التي تفتحت أمامي: بقايا مدينة عتيقة، سلالم وباب وفانوس هذا كل ما في الأمر لكنني استشعرت عظمته وجماله. تماما كما أستشعر دائما جمال الميناء العتيق وروعة مسجد القصيبة في مدينتي بنزرت وأوقن حق اليقين أن معاينته متى بدا لي ذلك نعمة تستحق الشكر وأن السياح يأتون من كل مكان ليتمتعوا بهذا المنظر الفريد في حين نمر نحن به شاردين، غير مبالين وكذلك مروا...كذلك مر الرجال والنساء بجانب مسجد عقبة ابن نافع وهم شاردون. وكدت أستوقفهم لأهنئهم بهذه النعمة التي لا يكادون يحسون بوجودها.



 لماذا أعجبتني المدينة العتيقة هذه المرة أكثر من سابقاتها؟ ربما لأنها لم تكن مكتظة بالباعة وربما لأنني كبرت ولم يعد يهمني أن أبحث عن حقيبة جلدية كما فعلت آنفا. كان كل اهتمامي منصبا في هذه اللوحات الفنية. كان مرامي أن أملأ عيني بجمال الأصالة وروعة المعمار وهيبة التاريخ. كنت أتمشى في صحن المسجد وأتخيل الصحابة والتابعين وكل العظماء والعلماء والشيوخ والأذكياء الذين مشوا في هذه الأروقة وبنوا منها وفيها حضارة شماء.

لكني الآن لا أرى صحنا مكتظا بالناس ولا أسمع صوت أقدام تهرول للصلاة. هنا في هذا المسجد العظيم يصلون الظهر متأخرا ولم أجد صفا واحدا مكتملا وراء الإمام. هنا رأيت بضع رجال كالضباع يربضون عند مدخل المسجد فإذا أتى سائح تونسي دعوه في حاله وإذا أتى سائح أجنبي جعلوه يدفع مالا ليزور هذا المعلم. هنا رأيتهم يقدمون للنساء غطاء رأس ولا يهم بعد ذلك إن ارتدين سروال دجين وقميصا قصيرا. وتذكرت تلك الصورة لوالدتي في دمشق عندما زارت مسجد الأمويين، عندما لبست الحجاب ثم خلعته بسبب إرهاب شين الهاربين، عندما بكت حين حسبها السوريون مسيحية لأنها لا ترتدي الحجاب وقدموا لها برنسا طويلا لتتمكن من الدخول وزيارة المسجد العظيم، قدموا لها برنسا طويلا وليس خرقة بالية تغطي بها شعرها، تذكرت تلك الصورة وقلت وا أسفاه مازلنا نعاني من داء الرداءة والمقاربات. لم لا نحترم هيبة المكان كما يجب، لم يجلس هؤلاء المرتزقة في باب المسجد ولا يهُبّون لحي على الصلاة؟ لم تجلس هذه الفتاة المختمرة تلك الجلسة المريبة ملتصقة بشاب هنا في هذا المسجد والإمام يصلي؟ ألم تجد هي وصويحبها مكانا أقل شرفا ومكانة وهيبة من هذا ليدنسانه؟ أصار مسجد المجاهد والفاتح عقبة بن نافع وكرا للصوص والمرتزقة ومنعدمي الحياء؟ ألا تكفي مصيبتنا في خلائه من المصلين وخوائه من أصوات الأئمة والصالحين ؟ ألا تكفي تلك الرائحة الكريهة المنبعثة من المكان المخصص للوضوء؟ يا رب ماهذا الهدوء؟ لم لم يبقى من الماضي عبق للمؤمنين؟ أعاصمة الأغالبة أنت يا قيروان أم عاصمة المغلوبين؟ والله إن مصابنا فيك لعظيم.



وعجبي لهذا الرجل يقول لصاحبه فرحا مزهوا أن هذا المسجد يشهد كل يوم درسا وحلقة ذكر وهذا من عهد بورقيبة وبن علي، بفضل الله هذا المسجد الوحيد الذي يبقى مفتوحا في عهد بن علي. فعلا يا للمجد وياللمفخرة. مالي إذا أراه فارغا باردا شاكيا من قلة الزائرين والمخلصين. فعلا كان يبقى مفتوحا للسياح الأجانب، يبقى مفتوحا ليكون تحفة معمارية نستجدي بها بضع دريهمات أوروبية، يبقى مفتوحا ليتنفس فيه مراهقو العشق أجواءا هادئة شاعرية، يبقى مفتوحا وعلى الجدران منشورا كالزربية القيروانية، هكذا هو الدين زمن المجاهد الأكبر وبوهم الحنين، أصبح تراثا وتقاليد تورث وصوفيات، أصبح مقامات وموشحات، خرافات وخزعبلات، أصبح تشكيليات ومأكولات وحلويات، أصبح مناقشات وندوات، أُفرغ من روحه، انتزع من جوهره، فلا نحن أدينا العبادات ولا أفلحنا في المعاملات، ولا تحدثهم عن المعاملات، الدين قصص وحكايات، حتى القرآن نحفظه ولا نعلم تفسيره صارغريبا في جملة الغرباء، غريبا ومهجورا تماما كغربة جامع عقبة بن نافع

لكن لا تحزني يا نفس وتمتعي، بضحكة الرضيعة فوق الجليز المذهبِ، بخيوط الشمس بعد غيث نافعِ، نعم تبسمي ولا تيأسي وتذكري قول الشاعر

                                                      يا أيها الأطفالْ          
                                             يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ
                                          أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمهْ
                                            وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمهْ...
                                        نزار قباني