من بيوت الله نُطرد

2/08/2018




كنت أظنني قد تعودت على طبعه وضيق صدره وسوء خلقه لكنه في هذه المرة جاوز كل الحدود. فلا ردعته قداسة المكان ولا أخرسته القوارير المكسرة تحت الأقدام ولا ألجمته تمتمات الصلاة وتاليات القرآن. فماهي إلا لحظات من انقضاء صلاة الظهرحتى اقتحم كعادته مصلى النساء وهو يدق على الباب تلكم الدقات العنيفة ويصيح "أين المفتاح؟".  ومنا الواقفة بين يدي ربها تصلي النافلة ومنا التي فاتتها ركعات مع الإمام فهي تتمها ومنا التي فتحت المصحف علها تتعرض لنفحات الإيمان ونسمات الذكر بتدبر بعيدا عن صخب الحياة وشغب المطبخ ومشاكسة الأولاد. بل إن منا المسنة التي جلست تستعيد أنفاسها وترتاح بذكر الله ...

كل هذا لا يعني صاحبنا، بل إن الوقاحة وصلت به اليوم إلى حد الجنون، الناس يصلون رجالا ونساءا وهو يرفع عقيرته بالصياح وبالكلام غير المباح. عجبا لكأننا لسنا في بيت من بيوت الله؟ أفي سوق نحن أم في مسجد ويحك من عجوز قمطرير عبوس. لم يكفه اليوم أن اقتحم المصلى ومزق سكينتنا وهدوؤنا بل إنه بعد لحظات من التردد توجه إلى الميضة وهو ينهب المكان نهبا ويصرخ على المرأة المسكينة التي دخلت إلى المرحاض أن تسرع بالخروج فورا وتعطيه المفتاح. ثم عاد يشق مصلى النساء مرة أخرى واختفى وراء باب التهديد والوعيد وهو يصرخ بتبرم "أليس لي الحق في العودة إلى البيت"؟ يقول هذا ولم تمض دقائق على نهاية الصلاة؟

ألا تسبح لله بعد الصلاة؟ ألا تقوم بالأذكار المعلومة يا بخيل؟ ما أن يسلم الإمام حتى تهب إلى "حانوتك" لتغلقه وتذهب إلى بيتك لتأكل وتشرب وتنام؟ هل أنت مسؤول عن بيت من بيوت الله أم أنك صاحب حانوت تبيع البيض والطماطم؟ مالك لا تعرف سوى السخط والتبرم وإهانة الناس؟ أما استحييت من عظمة المكان ورمزيته؟ أما فرغت للتو من صلاة جعلها الله تزكية للمؤمن تنهاه عن الفحشاء والمنكر؟ أما والله ما أراك إلا أتيت بمنكر ينكره كل إنسان. ألا إن عُمَر لو كان بيننا لضربك بالدَرة ضربات ينخلع لها قلبك يا عديم الذوق والحياء.

وأيم الله أفسدتَ علينا خلوتنا بربنا فما منا واحدة إلا وتلعنك سرا وجهرا. وا أسفى على بيوت الله التي صارت تفتح بأجل وتغلق بأجل. وا حسرتى على المساجد التي صارت تقفل بالمفتاح وتبقى المصاحف وحيدة على الرفوف الأنيقة فلا حلقة ذكر ولا تلاوة ولا مجلس علم. بل ليس هناك من مجال لقراءة حزب من القرآن أو إتمام أذكار ما بعد الصلاة بطمأنينة وسلام. أما وجدوا غير هذا العجوز الدردبيس يكلفونه بالمفاتيح؟ أليس هناك امرء ذو خلق ودين؟ لك الله يا بلاد الإسلام. عظم الله أجرك في الأخلاق والإحسان كل يوم تصاب في مقتل بل كل آن !

عاد يضرب على الباب ويهتف بجملته الشهيرة: "هيا سنغلق المسجد"، ثم غاب. أبدت واحدة امتعاضها ولاذت أخرى بالصمت وأتمت ثالثة صلاتها وكنت أمسك بالمصحف وأحاول أن أقرأ  فيه بخشوع واطمئنان. قلت في نفسي لن أخرج خوفا من هذا اللعين، مضى زمن الخوف يا إيمان. بقيت وحدي في المسجد أردت أن أكمل الصفحة. أيقنت بأنني ربما سأفقد أعصابي وقد أتشاجر معه إن حدثته نفسه بأمر سوء. لكنه اكتفى فقط بالوقوف في الباب مرة أخرى. عندها انتفضت قائمة، وضعت المصحف في الرف الأنيق في حائط نصفه العلوي مكتبة خشبية جميلة ومشيت على البساط الأخضر الموشى بلون الذهب. هذا من أجمل المساجد وأكثرها رونقا رغم بساطته لكن القائم عليه من شرار الناس وأسوئهم خلقا ولله الأمر من قبل ومن بعد.

خرجت  لا ألوي على شيء  ولسان حالي يقول بل يصرخ: أمن بيوت الله نُطرد؟

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَا ۚ أُولَٰئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ۚ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 


 فائدة: العجوز الدَرْدَبيس أي الفانية الهالكة *  

تدوينة لم تتم

2/02/2018


يكفي أحيانا أن لا تنام جيدا سهرا على ولدها الرضيع وأن تسمع تعليقا سمجا من مديرها في العمل وأن تحمل أكياسا ثقيلة تعبر بها ذاك الجسر المتحرك تحت شمس حارقة وتركب مع سائق أجرة يظن أنه قد أسدى لها معروفا إذا أوصلها إلى البيت. يكفي كل هذا أو بعضه حتى تفكر مجددا في الإستقالة من عملها.

هل ستمضي حياتها كلها في هذه الرداءة؟ ألم يكفها أنها دفنت سنين طويلة من الدراسة والتنقل والسكن المقرف والمشي المضني وتضحية الوالدين في هذه الإدارة المتعفنة؟ ماذا تفعل هي بشهادتها الهندسية في هذه الأروقة القديمة البائسة؟ أين ذهبت الرياضيات وعلوم الإحصاء والاقتصاد والتصرف والإعلامية والبرمجة وغيرها؟ هل كان عليها أن تموت هذه الميتة الشنيعة فقط لأنها لم تعد تحتمل التنقل؟ تتذكر أحلامها الساذجة قبل أن يدهسها قطار الواقع والظروف والخوف من المجهول...