الاثنين، 30 يونيو، 2014

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ...



اليوم في الصباح وأنا ذاهبة إلى العمل رأيت المقاهي مغلقة والدكاكين مغلقة. بائع السندويتشات الشعبي مغلق وكذلك بائع الأكلات الخفيفة و المقهى الأول فالثاني فالثالث كلها مغلقة. فحمدت الله على نعمة المشي على الرصيف بصفة مسترسلة دونما حاجة لتركه بسبب قطعان الرجال المتراكمة على الكراسي ودراجاتهم النارية المتربعة على الطرقات وحتى الأرصفة. ذكّرني هذا المشهد البديع الاستثنائي الذي يتكرر كل عام، بمشهد رأيته في المدينة المنورة ذات ربيع من عام 2010. هل قلت 2010؟ سامحوني بل أقصد عام 1431. تذكرت العرض الباهر الذي رأيته هناك: الدكاكين المتواضعة ومحلات المصوغ والذهب والفضة وحوانيت الألعاب الصينية و متاجر السجاد والملابس والصناعات التقليدية كلها مقفرة. لأن "حي على الصلاة". الحياة الدنيوية الصاخبة متوقفة لأجل "حي على الفلاح". أجل تعطلت الساعات وتجمّد الزمن لأن "الله أكبر". الكل يترك شغله بل ويذر أحيانا بعض السلع والألعاب تتأرجح في الهواء ويسرع مُيمّما وجهه شطر مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام.

وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى
(طه ٨٤) 


 أعجبني كثيرا ذاك المنظر وأدهشني وشدّني وأسعدني وحُفرت لحظته في ذاكرتي، لحظةَ أن رأيت بأم عيني معنى أن تُعظَّمَ شعائر الله، معنى أن يُلبّى النداء دون أي تردد أو تلكؤ، معنى أن تُنزَّل الأشياء في منازلها وتسير الأمور بأولوياتها وتدور الحياة كما أراد لها بارئُها وتتجه الأقدام إلى دور السلام، حيث السكينة والسعادة والاطمئنان، أين تُزرع الأشجار وتُغرس الجنان


كذلك اليوم قلت حمدا لله أن جعل للمسلمين في كل مكان شهرا يوحدهم، صوما يجمع شملهم حتى لو مازالوا 
لفرط جهلهم لا يوحدون الهلال ولا يحسبون الحساب وربي يقول .



الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ
(الرحمن ٥) 

لا أريد في هذه اللحظة أن أتذكر أن المقاهي المقفرة الآن ستعج بأهلها إلى الساعات الأولى من الصباح وأن المحلات المقفلة ستشتغل إلى الهزيع الأخير من الليل ثم لا تدري إن قام الناس بعدها لصلاة الفجر أم لا وأن البطون الساكنة لن تنعم طويلا بخوائها وستعود تمتلئ بما لا طاقة لها على حمله أو تحليله. لا يهمني أن أتذكر كل هذا، فالساعة ساعة انشراح والطقس جميل والشهر مبارك عظيم وربي الكريم أرسل لنا لطائفه وأنعم علينا بنسائم صباحية تبعث في الجسم النشاط والحيوية.


 :) كل عام وأنتم بخير، كل عام ونحن إلى الله أقرب، ما أجمل عيدنا، رمضان عيدنا قبل العيد 


الخميس، 19 يونيو، 2014

وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ




نعيش حياتنا كأن الموت مات، ثم إذا حل علينا ضيفا تذكرناه، فكأنما للتو عرفناه. وكذلك نعيش حياتنا في "سعادة وهناء" إلى أن تصفعنا المصيبة صفعة تَقْلبُ وجه السماء. فلا زُرقة بعد ولا صفاء. مصيبة أخرى تسمى: ابتلاء. الموت ابتلاء لكن سوء الخلق ابتلاء وشر وبلاء. أن تجد نفسك فريسة سهلة ولقمة سائغة لمن لا يعرف الحياء، لنفس مريضة مجنونة فرعونية الداء فهذا أكثر من ابتلاء. هذا أصعب امتحان، يوم يهان المرء أو يهان ... هذا لعمري تمحيص من الله، الحديد لا يصبح صلدا إلا إذا امتُحن بالنار. أتقول بأنك مؤمن؟ أتظن بأنك حَصَّنت نفسك بأذكار الصباح وبصلاة الفجر في وقتها قبل أن تضج الديكة بالصياح، أحسبت أنك داخلٌ الجنة بالصدقة مهما عظمت أو بالدعاء؟ أخِلت أنك بالغ منازل الصديقين لأنك بادرت جارك بالسلام أو استقبلت أخا لك بالابتسام؟ أحسبت أنك بالغ الدرجات العُلى فقط بشكرك للنعم وبالصبر إذا ما أصابك هم أوغم؟ ألا إن سلعة الله غالية ألا إن سلعة الله الجنة!

أَحَسِبَ النَاسُ أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفْتنُون
ولقد فتنّا الذين من قبلهم فليعلمَنَّ الله الذين صدقوا وليعلمَنَّ الكاذبين
(العنكبوت ٢-٣)

مسكين أنت. بدأت يومك بالأعمال الصالحة، انشرَحَ صدركَ لأنك أعنت الآخرين. أأسعدتهم أم أنك أسعدت نفسك؟ نحن نتداوى بمساعدة الآخرين. نفسك آمنة مطمئنة، تطمع في المزيد، ترنو إلى وصل ما انقطع فيذبحها حبل الوصال من الوريد إلى الوريد. نفسك تريد أن تُعَظّم شعائر الله، رمضان على الأبواب فإلى متى الجَفاء؟ تريد أن تصل رَحِمَك لكن رَحِمَك لا يَرْحَمُك. يأتيك صوته متشنجا مزمجرا هادرا كأمواج بحر عاتية، تركض خلفه، تريد أن تُذَوِّب الجليد وتختصر المسافات، فتجدُ بينكما بحارا ووديانا وجبالا راسيات. تحاول أن تنهي المكالمة بأخف الأضرار لكن البصائر عَمِيَتْ وعلى القلوب أقفالها فتنسحب تجر أذيال الخيبة والدمار. لكن الغضب يتملكك، فترسل رسالة ثورية على الظلم وتعلن تمردك. ويأتيك الجواب على قدر جرأتك، كيف تقول لا "وأنا ربكم الأعلى"؟

وتتذكر الصالحين الذين أهانهم السفهاء، وتتذكر الأنبياء، لكن نفسك الأبية لا تتحمل الظلم
تتجمد الدموع في مقلتيك، فهناك مواقف يتوقف عندها الزمن. فلا دموع تسيل ولا عين تطرُف، وحده الألم! ألم مبرح يُلِمّ بك يعتريك، يجتاح قلبك يُعْيِيك. قلبك جندي مجندل في دمائه، أتعَبَتْه سنين حرب طويلة وأثخَنَتْه جراحه. طعنة في الصدر هزتك وأوقعتك ثم هزتك فنفضتك ثم أرسلتك. لا تستطيع البكاء، فهناك من المصائب ما لا ينفع فيه البكاء. وهل رأيت من يبكي إذا ما أخبروه بوفاة أمه؟ لكي تبكي يجب أن تصدق، يجب أن تفهم. لكنك الآن لا تفهم. لا تفقه كيف فقدت شخصا قريبا للتو. لكن الموت أرحم، أتعلم؟ فذاك قضاء الله وقدره وسُنته أجراها على سائر خلقه. أما أن تفقد شخصا وقلبه مازال ينبض فهذا هو الداء الذي يعسر معه الدواء. هذا ما لا يصبر عليه إلا الأقوياء وما لا يتحمله إلا الجلداء. أما أنت، أما أنا فلا.

مازلتُ أتعلم. لكنني أحفظ نزرا يسيرا من القرآن، وقد تمرنتُ على أحكام التلاوة ومررت على سورة فُصِّلَتْ  ونجحتُ في الامتحان. بل وأحرزت جائزة في نهاية العام. نجحت في الحفظ والتجويد لكن هل سأنجح في الفهم والتطبيق؟ هلا فتحتُ كتاب ربي الذي نُقش شيء منه في صدري وشفيت به نفسي وسموت به عمن ظلمني وسبني وشتمني؟

ألم أقرأ هذه الآيات مرارا وتكرارا وأنا أتدرب وأستعد للامتحان:

وَلَا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ وَلَا السَيِئَةُ ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنْ

أي أنا في موضع دفع ويجب أن أكتفي فقط بالدفاع لا بالهجوم، لا أكونن أنا المبادرة بالتهجم والاعتداء، بحسبي أن أدفع عني البلاء.

فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ

يا الله ربي يقول عداوة! عداوة وليس فقط اختلاف في وجهات النظر أو جدال عنيف أو عدم استلطاف... بل هي العداوة! ثم هو لم يقل فإذا عدوك هو قال بينك وبينه عداوة، أي أنه مازال أخاك وليس عدوك. وهذا يذكرني بقول يوسف عليه السلام إذ ساوى بينه وبين إخوته على جرمهم وظلمهم: "مِنْ  بَعْدِ أَنْ  نَزَغَ  الشَّيْطَانُ  بَيْنِي وَبَيْنَ  إِخْوَتِي" وبدأ بنفسه فيال مكارم الأخلاق ويا للتواضع ويا للإحسان، فعلا إنه خلق الأنبياء.

كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمْ
(فُصِّلت ٣٤)

كيف لي بهذا؟ كيف يصير من عاداني وليا بل وحميما أيضا؟ كيف أقنع نفسي التي تطالب بحقها
 أن تتنازل عنه؟ أن تطرح عنها كبريائها وتسامح بل وتحب وتصفح؟!

(وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم 
فُصِّلت٣٥) 

الصبر هو مفتاح كل خير! الصبر! من لي بالصبر؟ وكم دعوت ربي ليزيد من نصيبي في الصبر؟ أراه أعظم الخير: الصبر والحكمة! لكني إذا صبرت أنال الجنة بل وأكون ذا حظ عظيم! أفلا أحب أن أكون ذا حظ عظيم؟ فربي العظيم القوي المتين لا يقول عن شيء عظيم إلا إذا كان كذلك بمقياسه هو فكيف بمقياسنا نحن ؟

ألا يكفيني هذا الإغراء لأصبر وأحتسب الأجر العظيم عند الله؟

وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم
(فُصِّلت ٣٦)

ربي يقول لي إن لم يكفك ما وعدتك به من الحظ العظيم والخير الجسيم لتدفع بالتي هي أحسن وليصير من عاداك كأنه ولي حميم فها أنا ذا أعطيك مفتاحا آخر: استعذ بي من الشيطان الرجيم. لا تترك اللئيم ذا الكيد الضعيف ينزغ بينك وبين أخيك.

فسبحان الله العلي العظيم !

ومع هذا ما زلت مكلوما ومجروحا! طبعا فسلعة الله غالية وتذكر قوله:

وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عن النَاس وَاللَّه يُحب المحسنين 
(آل عمران ١٣٤)

خُذ العَفْو وَاْمُرْ بالعُرف وأعرض عن الجاهلين
 (الأعراف ١٩٩)

وَإِذَا خَاطَبَهُم الجَاهِلوُنَ قَالُوا سَلَامَا 
(الفرقان ٦٣)

 مازلت في ترددك؟ مازال جرحك بليغا وحزنك عميقا؟ مازالت المرارة في قلبك؟ اسمع لربك:

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورْ
(الشورى ٤٣)

أليست هذه آية تحفظها؟ حسن فطبقها. هل أزيدك؟ قول لقمان لابنه وهو يوصيه:

وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورْ
(لقمان ١٧)

قلت يا نفس اركعي واسجدي واقنتي لربك وكوني من الساجدين وتذكرت قول الشاعر:

أقسمت يا نفس لتنزلن
مالي أراك تكرهين الجنة

ثم  ذكرت قول ربي:

وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَهُ لَكُمْ؟
 (النور ٢٢)

بلى يا رب عفوت وصفحت أو هذه نيتي وأستعين بك على تفعيلها إنك أنت المستعان وعليك التكلان. يا رب ارحم عزيز قوم ذل، يا رب إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، وصلىَّ الله وسلَّم على محمد الصادق الأمين، ابتُلِيَ بِشَرٍّ من هذا فَصَبَرْ، اللهم اجعلنا من أولي العزم من البَشَر!


الأحد، 8 يونيو، 2014

رسالة مفتوحة إلى إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم




السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أعلم جيدا أن إذاعتكم الموقرة تُعتبر نصرا للدين وهي مصدر خير كثير في بلد عاش أكثر من خمسين سنة تحت بورقيبة وبن علي، خمسين سنة من التغريب الديني والثقافي. تمنيت أن أسمع أكثر القرآن في إذاعة تتسمى به ولكن برامجكم الهادفة تستحق التقدير. أما ما يزعجني ويجعلني أهجر إذاعتكم هو ما تمررونه من أغاني دينية لمن هب ودب. بالله عليكم أعفونا من هذه الأغاني والأناشيد، نريد أن نستمع إلى القرآن والأحاديث وبأصوات جميلة. كم أتشنج عندما أسمع أغاني دينية تجارية بحتة لأمثال إيهاب توفيق ووائل جسار ولا أدري من! ما هذا الهراء؟ كيف تسمحون لأنفسكم ببث أغاني تجارية لمغنين يصورون الفيديو كليبات مع بنات عاريات ويساهمون في ضياع ثروة هذه الأمة: الشباب! هل من المعقول أن نسمع في إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم الماجنين والمستهترين يتغنون بحبهم للرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام ثم هم أبعد ما يكون عن سنته المطهرة وسيرته العطرة والله إن صنيعكم هذا يفقدكم المصداقية !

ولست ضد تمرير بعض الأغاني والأناشيد لمغنين ملتزمين كماهر زين وغيره لكن لا تكثروا منها، كتاب الله أحق بالذكر وبصوت جميل. كم كنت أتنرفز حين أستمع لبعض القراء وأتساءل متعجبة : هل هذا صوت يستحق البث؟ هل هذه تلاوة تستحق أن نسمعها؟ هل هذا صوت يحببنا في الاستماع للقرآن؟ أم يجعلنا ننفر ونغير المحطة ؟ حتى إني ذهب بي الظن أنهم يتعمدون بث القرآن بأصوات رديئة وقراءات هزيلة ليكرهوا الناس في هذه الإذاعة ويزهدوهم في كتاب الله أيام شين الهاربين

وعلى العكس هناك قارئ تونسي صوته وتلاوته غاية في الروعة أتمنى أن تمرروه كثيرا وبسور مختلفة وجزاكم الله خيرا وهدانا وهداكم لما يحبه ويرضاه والسلام.

 مرة أخيرة ارحمونا من صوت سيء الذكر إيهاب توفيق رحمكم الله