عجبا لأمر المؤمن



قد يأتي عليك يوم تقضي معظم ساعاته بين الفراش ودورة المياه، إسهال لعين أو جرثومة خبيثة تبث فيك سمومها فتُصير جسدك رمة بالية بالكاد تتحرك. فأنت بين الإسهال والشعور بالغثيان، تعتريك رعدة لا تنفع معها أكوام الغطاء الملقاة على كاهلك، ستظل ترتعش وتنتفض كعصفور جريح. وقد يلازمك الصداع طول الوقت فيضيف إلى همومك هما جديدا. لا تذوق طعاما ولا شرابا إلا كحسو الطائر. ستجدك غير قادر حتى على الصلاة إلا وأنت جالس تنساب الدموع من عينيك لهوانك وضعفك وقلة حيلتك

وقد يأتي عليك يوم تصعد في المصعد الجبلي فتطل من علٍ بل من شاهق على غابات خضراء وشلالات عذراء، لكأنك اخترقت شاشة التلفاز وهي على الناتيونال جيوغرافيك، مناظر خلابة  تأسر الفؤاد. ثم تشرب عصيرا مع النمر الأبيض لا يفصل بينكما إلا زجاج رقيق فتراه كيف يسبح في الماء وكيف يتثاءب ويتمطى وقد يمر بجانبك ولا يراك. ثم تركب ظهر فيل وترى رقص أذنيه وهو يتوغل بك في بحر أخضر من الأشجار والأغصان ثم تسلك طريقا جبليا ومازلت تصّعد فيه حتى تصل إلى أعظم وأجمل وأروع شلال رأته عيناك فتسبح تحته مباشرة وتحس بوقع الماء فوق كتفيك، تدليك مبارك لا شرقي ولا غربي. إنما هي الطبيعة تداعبك وتمسح على وجهك ويديك وتشق سمعك وبصرك وتستحوذ على مجامع قلبك وتأخذ بتلابيب عقلك فتتساءل عن الجنة كيف تكون إذا كانت هذه حدائق الدنيا ومباهجها وأعاجيب جبالها وبحارها وبدائع جزرها وأنهارها.

ثم لا يزال العرض مستمرا حين يشق بك قارب صغير زرقة بحر جميل ثم ترى نفسك تسبح في السماء لا يربطك بالأرض إلا حبل وثيقفتتأرجح في الهواء وتود أن تطير بجناحين وتضحك من خوف مرافقك ثم تنزل لتجد أخا لك في الإنسانية بل في الإسلام قد خلد تلك اللحظات بصور فوتوغرافية لا تضاهي ما حفر في قلبك من ذكريات أبدية. كل هذا في يوم واحد؟ بل في صباح واحد لترى بعينك كرم الله وتسمع بأذنك جوده سبحانه وتشم بأنفك شذى عطائه وتحس بقلبك حبه وتلمس بيدك فضله وإحسانه. صباح عنوانه 


"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ"
ومصداقه 

"إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"

وتبيانه
"إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا"

فجعل مع العسر الواحد يسرين!

هذه هي الحياة ... حياة المؤمن.

قال من لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه:

"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سرّاء شكر ؛ فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ؛ فكان خيراً له" . رواه مسلم

فاللهم اجعلنا من الصابرين الصبر الجميل والشاكرين شكر السمع والطاعة والتسليم.



أباطيل وأسمار 3



-         أونسيت حبك للعربية عندما كنت تلميذة في الثانوية؟ لولا مناهج التعليم التي عزلَتْها عن المواد العلمية لما انقطع حبل الوصال بينكما.
-         بلى. كان فراقا طويلا ومريرا لم أتنبه لمدى خطورته. كانت عودتي إلى العربية كعودة المغترب إلى قرية طفولته التي فارقها منذ عشرين سنة وصار يمشي في أزقتها وبالكاد يتعرف على معالمها ولولا ما وجدته من حلاوة الكتب الدينية وخلابة الأحاديث النبوية لما عاد للغتي ذاك الوقع في قلبي. فيا له من تغريب.
-         فعلا إنه التغريب والاستعمار ولا من تحذير أو استنكار.
-         أتعلمين؟ كنت أحيانا آسف لأن فرنسا استعمرتنا وليس الأنجليز. على الأقل كنا سنستفيد من إتقان أول لغة في العالم وأكثرها نفوذا. كنا سنتفرج في الأفلام الأمريكية في لغتها الأصلية، يا للأسف.
-         مه كفاك سخفا وتمييعا للقضية. الأمر جد وليس بهزل. ما كان أغنانا عن فرنسا والانجليز وأهل الأرض جميعا. ليتهم لم يخربوا علينا ديارنا وعقولنا جيلا بعد جيل، حتى صيرونا مسخا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وغربونا عن لغتنا وديننا وثقافتنا. فما عدنا نحسن نقول جملة دون حشرها بألفاظ الأعاجم. الكل يتحدث ويكتب بنفس اللغة أو يكاد إلا نحن معشر العرب؟ أرأيت الشرخ العظيم بين عاميتنا التونسية وعربيتنا الفصحى؟
-         وإنها لعاميات تختلف باختلاف البلاد من المحيط إلى الخليج، بل إنها عاميات ولهجات في نفس البلد، ظلمات بعضها فوق بعض.
-          لكن توفيق الحكيم يرى أن العامية المصرية والعربية الفصحى متقاربتان جدا، فليس هناك أي إشكال إذن. لقد حسم الأمر ببساطة مدعيا أن الشرخ بينهما مفتعل.
-         لقد قرأت كتاباته وأحببت أسلوبه الساخر وخبثه الماكر لكنني توقعت أن يكون أكثر ذكاء وألا يخرج علينا بكلام يناقض الواقع مناقضة صارخة واضحة. لكن شيخنا محمود شاكر تولى الإبانة عن زيف هذا الرأي وسخفه وأجابه بما يستحق من السخرية والتهكم.
-         ثم إنه فضح أساليب التبشير وبين أنه ليس مجرد دعوة إلى المسيحية فمن شاء دخل فيها ومن شاء ردها، كلا. إنما هو عمل سياسي بحت، جذوره ضاربة في ميادين الثقافة والفكر والأدب وأياديه ممتدة إلى الصحافة و الإعلام. وإن نشاطه لمرتبط تمام الارتباط بالاستعمار والاستشراق وكلها أوجه لعملة واحدة.
-         وكم اقتحب أعوان التبشير وصبيانهم المنبثون في حياة الأمة الأدبية والسياسية من أنواع التخريب الثقافي والاجتماعي والنفسي. وقد لخص لنا الكاتب وسائلهم الخسيسة بعد أن استفاض في بيانها وهي كما يلي:
1-    الدعوة إلى العامية
2-    تحقير تراث العرب
3-    محاولة بث الرموز اليونانية والمسيحية في آدابنا
4-    الإيغال الماكر في الطعن على ماضينا كله: رجاله وتاريخه ومعتقداته وشرائعه
-         ومن ذلك ارتباط عبارة "القرون الوسطى" في عقولنا بالجهل والتخلف والظلام والحال أنها أفضل عصور البشرية في ديار الإسلام أما في أوروبا فهي  فعلا عصور انحطاط وقذارة وجهالة.


هنا يقف الحوار مع نفسي ربما تكون هذه مراجعة فريدة من نوعها لم أتوقع أن تجري بي هذا المجرى لكن هكذا كان. أرى نفسي عاجزة عن زيادة سطر واحد. اعلموا أنما هذا غيض من فيض وأن "أباطيل وأسمار" هو أفضل كتاب قرأته في حياتي ولم أر بمثل جودته وأسلوبه وبلاغته والله يعلم أني قرأت أقلاما غاية في الروعة. صعب جدا أن أكمل المشوار، أن أقرأ شيئا آخر بعده. لقد بلغت أعلى درجات المتعة والتذوق لطيب كلامه وجمال عبارته وقوة حجته وذكاء فكره ونفاذ بصره. فبماذا أعزي النفس وبم أواسيها؟ سأظل أعود دائما إلى رسائل شيخي الغالية وسأعيد قراءة بعضها والتعلم منها، سأعود دائما إليها كلما أنهكتني الرداءة وأتعبني السقم في التعبير والركاكة، سأعود إلى رسائله الغالية لأن مثل هذا الكتاب لا يقرأ مرة واحدة ونحن جيل ابتلي بقصر الذاكرة، مثل هذا الغيث النافع لا يستقبل دفعة واحدة بل يتنزل زخات زخات على صحراء الروح فتعشب اللهم صيبا نافعا.

يقول  روبن شارما في كتابه "الراهب الذي باع سيارته الفيراري"

"الشيء الذي يغنيك حقا ليس ما تجنيه من الكتب بل ما تجنيه الكتب منك ويغير حياتك أخيرا"
وما جنيته أنا من هذا الكتاب هو مزيد وعيي بتاريخ أمتي وبقيمة لغتي ومزيد التشبث بها والعزم على الاستزادة من عمقها وجمالها وبلاغتها، والعزم على الكتابة بها والأمل في تعلم الصبر على طلب العلم ومراجعة الكتب والتحقق من المعلومات. جنيت من هذا الكتاب الترفيع في سقف جودة الكتب التي أتخيرها لأبذل لها بعضا مني، من أيامي ومن أنفاسي. وما "ابن آدم إلا أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضه". والحمد لله رب العالمين.


أباطيل وأسمار 2




-         كفاك يا نفس لفا ودورانا وإنشائيات رومنسية، دقت ساعة الحزم وكان لزاما عليك تحرير مراجعة جيدة تكون في مستوى الحدث.
-         أي حدث ؟
-         أعني إتمامك لقراءة كتاب "أباطيل وأسمار"، هذا إنجاز في حد ذاته.
-         لا أعده كذلك فقد جبنت في آخر الفصول. هناك فصل لم أقرأه كما يجب وسئمت الكتاب بسببه وبدا لي الكاتب شديد التعصب للكلمة، مبالغا في تتبع أدق معانيها والفصل بين استعمالاتها.
-         ويحك إذاً لم تفهمي شيئا من روح الكاتب أيتها الساذجة
-         بلى، لقد صبّرت نفسي واصطبرت على قراءة أسطر حتى دون أن أعيها غفر الله لي لكني في النهاية وصلت إلى بر الأمان وأعجبني جدا تتبعه لمعنى لفظة الدين في القرآن
-         أرأيت كيف بيّن بالحجة والبرهان أن كلمة دين لا يصح أن تطلق على غير الإسلام؟
-         لله دره من كاتب محقق صبور جلد في سبيل طلب العلم والغوص في المعلومات وتمحيصها واستخراج السمين دون شائبة غثاثة، بل رأيته يؤدي رسالته بمنتهى الأمانة وأحببت منهجه العلمي القويم، لا سيما في أوائل رسائله وهو يصاول وينافح عن شيخ المعرة رحمه الله.
-         ها ها أرأيت كيف فضح ذلك الدعي الشقي المفلت من الأسوار، الشرلتان المسمى لويس عوض؟ تا الله لقد كشف عنه سوءته فبدا للناس كيوم ولدته أمه بلا شهادة ولا دكتوراه ولا طيلسان جامعة ولا ألقاب فارغة زائفة.
-         فعلا قد بين بالحجة والدليل خلو هذا الدجال المتثيقف المتفيقه من أي قاعدة علمية أو قدرة على فك طلاسم أي نص بالعربية أو باللغة التي شئت بله تفسير آية من القرآن. إنه فعلا "خبل في حالة تأليف".
-         وما أكثر أشباهه في زماننا. ذكرني بألفة يوسف صديق ومشتقاتها.


-          ثم إنه صبي من صبيان المبشرين ودمية بين يدي أسياده ولولا منصبه كمستشار ثقافي في جريدة الأهرام لما عنى به شيخنا أبدا. لكن مكانة هذه الجريدة في العالم العربي والإسلامي جعلته يخرج عن صمته ويتقلد سيف قلمه الحاد فيدمغ به الباطل فإذا هو زاهق.
-         ذلك دأبه إذا أحس أن مصير الأمة وعقول أبنائها مهددة بالإفساد والإتلاف. لا سيما أنه خبر بنفسه آثار نظام دنلوب في شبابه وعاش صراعاته وعانى من ويلاته.
-         تصوري أن الدرس الأول الذي تعلمه في المدرسة كان درسا في الانجليزية؟! حتى تعلق بهذه اللغة تعلقا شديدا كاد ينسيه حبه للعربية.


-         هذا يذكرني بتعلقي الشديد باللغة الفرنسية لا سيما وقد ارتضعت لبانها من ثدي أمي ونشأت في مكتبة عائلية لا تكاد تحوي إلا كتبا بالفرنسية أتيت على أخضرها ويابسها ثم صرت أتخير قراءاتي وأقتني روائع الأدب العالمي مترجما دائما إلى الفرنسية.
-         أونسيت حبك للعربية عندما كنت تلميذة في الثانوية؟ لولا مناهج التعليم التي عزلَتْها عن المواد العلمية لما انقطع حبل الوصال بينكما.
-         بلى. كان فراقا طويلا ومريرا لم أنتبه لمدى خطورته. كانت عودتي إلى العربية كعودة المغترب إلى قرية طفولته التي فارقها منذ عشرين سنة وصار يمشي في أزقتها وبالكاد يتعرف على معالمها ولولا ما وجدته من حلاوة الكتب الدينية وخلابة الأحاديث النبوية لما عاد للغتي ذاك الوقع الجميل في قلبي. فيا له من تغريب.
-         فعلا إنه التغريب والاستعمار ولا من تحذير أو استنكار.

يُتبع إن شاء الله