الجمعة، 18 مارس، 2016

ترف الكتابة





الصغير نائم بجانبي، فرصتي للكتابة

لماذاأريد أن أكتب؟ و ماذا سأقول؟

أما السؤال الأول فإجابته سهلة نسبيا: أريد أن أكتب لأنني أجيد الكتابة، لأنني أحب الكتابة، لأنني بالكتابة أحس أنني أحيا، أنني أقدم شيئا ما إضافيا، شيئا مختلفا، أخرج من جلباب شهادتي الجامعية وخطتي الوظيفية، أُخرج الأنا من أخواتها المهندسة والزوجة والأم، مع سُموّ ما أحاول تقديمه كزوجة وأم، مع أهمية الطبخ والكنس وتنظيف البيت وإرضاع الصغير والتبسم في وجهه حين يوقظني في هزيع الليل الأخير، مع أهمية كل هذا وسُموّه إلا أن هناك جزءا مني يئن ويشتكي وأحيانا يبكي، أين أنا الكاتبة؟ أين أنا المدونة الثائرة؟

لماذا فقدت شهيتي للكتابة؟ لمَ لمْ أعد حتى أجد وقتا للمطالعة؟ وقتا لمراجعة وردي من القرآن، للوفاء بعهد قطعته لمعلمتي ذات زمان ولم أف به لمجرد أنني صرت أُمّا ... ما أكسلني، أعوذ بالله من همزات الشيطان

ويا له من دعاء رائع ذاك الذي علمنيه خير الأنام



كأنه صلوات ربي وسلامه عليه جمع لنا كل أسباب الفشل والهوان لنتجنبها، كم أنفقت من نفيس الأنفاس حزنا على الماضي وهماعلى المستقبل

كم ذهبت نفسي حسرات على زلاتي وتلك الأخطاء التي قارفتها فكانت ويلات لا يمحوها الزمان. ولمَ البكاء وقد كان ما كان؟

كم عذبت نفسي بالندم على ضحالة فهمي حين صدّقت رأي امرأة قد بلغت من الكبر عتيا وكذبت غوغل، لمَ لمْ أكلم الطبيبة على الأقل، كان لِيُولد في صحة وعافية ويُحمل إلى جانبي هدية وافية ضافية

لكنني بجهلي وقلة حيلتي وسقط تدبيري ارتكبت تلك الحماقة الشنيعة فأهديت لابني ضيافة مبكرة في غرفة إنعاش كئيبة وأدوية وعقاقير وتحاليل ووخزات إبر رهيبة في يده الصغيرة البريئة

ولكن ماذا دهاني؟ ها أنني عدت للحزن والشكوى والحال أن صغيري خرج من تلك المحنة سليما قويا بإذن الله، لمَ الجحود وقد يسر لي ربي مداواته في أفضل مصحة مع أفضل دكاترة دون دين ولا مراوغة؟ أليست هذه وحدها نعمة كافية؟  لم الشكوى وقد فرج الكرب وانتهى كل شيء وعاد صغيري إلى البيت في صحة وعافية؟ لأن هوايتي المفضلة الحزن والنكد؟ من أنا؟ من أكون؟ ماذا أفعل؟

فعلا إنه الحزن والهم، ثم إنه العجز والكسل، ثم إنه البخل والجبن، نعم هو بعينه البخل والجبن. كم بخلت على نفسي بالمحاولة، كم جبنت عن  خط أول حرف في أول كلمة، كم عجزت عن التفكير، كم كسلت عن إيجاد حل، ففشلت قبل أن أفشل

لو كان الأمر يتعلق بالأشهر الأخيرة القليلة التي صرت فيها أُمّا (حقا؟) لالتمست للنفس عذرا. أمَا وأن الحال طال واستطال فأجدني مقصرة في حق نفسي. نعم قرأت الكثير من قيم الكتب في العام المنصرم لكني بخلت عجزت كسلت جبنت  عن مشاركتكم إياها. 

كم من الكنوز المخبأة تستحق أن ترى النور، كم من الدرر النفيسة المطمورة تحت إعلام العهر والقبح والفجور، كم من اللؤلؤ المكنون الذي قدر له أن لا يكون، لأنه لم يجد مكانه ههنا في بلادي، في مخيلة إخوتي وأخواتي. 

ومع كل هذا جبنت عن المحاولة، جبنت عن الدعاية والإشهار لكتب قيمة وأقلام أبرار

ولكن في نفس الوقت الآن وقد صرت زوجة وأما وراعية دار، الآن علمت أن الكتابة أحيانا ليست قرار، الكتابة ترف حين تكون المرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، الفن يحتاج إلى وقت، إلى راحة نفسية وجسدية، الإبداع يحتاج إلى شيء من التفرغ، لقد كنت في بيت أبي أعيش ترف الفنانين، لا أكنس، لا أغسل، لا أطبخ، أمي تفعل كل هذا من أجلي، وتفتخر بابنتها المثقفة التي تدمن القراءة وتكتب في مدونة، لكن كل الكتب التي قرأتها لم تعلمني معنى الأنانية، معنى أن لا أساعد أمي في الأعمال المنزلية، لأنني فقط أكره التنظيف وأعشق القراءة؟ لأنه لا يستهويني الطبخ وتتحرش بي الكتابة؟ لأن  جني تعاليق القراء واستحسانهم أفضل عندي من دعوة أمي إذا ساعدتها في أعباء البيت اللا متناهية؟

 لقد تصرفت مثل كبار الفلاسفة والعبقريين لكنني لست بعبقرية ولا فيلسوفة، فلمَ ضيعت فرصا ثمينة لبر والدتي الكريمة. كم قابلت كرمها بالطمع والجشع، كم أوصتني أختي المتزوجة أن أعين أمي في البيت لكنني لم أفعل. واليوم حين أقف ساعات في المطبخ أستشعر أنني أقوم بشيء مهم بل وحيوي، ما أفعله مهم جدا إنني أصنع طعاما صحيا لي ولزوجي كي يجد لقمة هنية حين يعود في المساء بعد يوم عمل طويل ومضني، من سيفعل هذا في مكاني؟ مطاعم الفاست فود أو حتى الفانسي فود؟ أم سأستأجر امرأة لتطبخ في مكاني؟

كنت أظن أنني سأحدثكم عن الكتابة فتهت في متاهات أخرى، تجربتي الصغيرة هذه أجابت عن ذاك السؤال الشهير: لمَ أغلب العلماء والمفكرين والفلاسفة والفنانين رجال؟ أين المرأة عبر التاريخ؟ المرأة ضحت بنفسها وأنفقت كل وقتها كي يظهر الرجل، هكذا ببساطة.

نسيت السؤال الثاني، ربما سأعود...