الأربعاء، 20 يوليو، 2016

العقوق في زمن الكوليرا





امرأة حامل في التاسع أو العاشر يبدو من رأسها أنها محجبة لكن بدنها يشي بغير ذلك. الأصل في الحجاب الستر أليس كذلك؟ أم أن المعايير تغيرت؟ أم أننا ابتدعنا دينا جديدا؟ إسلاما تونسيا مقيتا؟ أعيد: الأصل في الحجاب الستر، فمالِ هذا البطن الضخم لا يجد ما يستره؟ أيشفع لها أن ثياب الصيف خفيفة رقيقة شفافة؟ كلا. إنما هو الحياء  يمشي بيننا على استحياء، غريبا طريدا وحيدا في العراء. وإلا فمالِ هذي السيارة تندفع بسرعة جنونية وسط شارع مزدحم وتترك وراءها روائح كريهة. لا ليس الأمر كما تظنون، ليست مشروبات كحولية. إنما مصدر العفن ما انبعث من عقوق والدين. جملة رهيبة أصمت أذني وشغلتني للحظات عن المرأة الحامل كان الله في عونها! جملة مازلت أجد ذَفَرَها وأنا في مكتبي أخط لكم هذه الكلمات.

سمعت صوتا يجلجل بعاميتنا التونسية في أقبح صورها: "تي فك عليا يا". للمحظوظين الذين لا يفقهون شيئا من هذه اللغة الموازية الطفيلية أترجم... أو لا أترجم، لا أستطيع. اعلموا فقط أنها امرأة منتفخة الأوداج تخاطب أمها في الهاتف وتصيح عليها بل وتنهرها. هو العقوق في أبشع صوره. هو ذاك العقوق "المألوف" الذي استشرى فينا كسم خبيث، العقوق الذي تعودنا عليه، العقوق الذي لا تقرأ عنه في صفحات الجرائد ولا تسمع عنه في التلفزة ولا يستدعي حضور محلل اجتماعي أو دكتور نفساني. هو ظاهرة عادية، فما بالك تقرعين ناقوس الخطر أيتها الرجعية؟ دع الأولاد المدللين ينامون ملء جفونهم ويأكلون ملء بطونهم ويصيحون ملء حناجرهم. ليس هناك ضرب أو قتل أو اعتداء. هو فقط ذاك العقوق اللطيف الخفيف الذي تعودنا عليه، عقوق الأُف والانتهار والصياح والألفاظ النابية ليلا نهارا. كأنما الأم أَمَة في زمن الرق، يصيح عليها الابن الأكبر إذا لم يجد حذاءه المفضل وتنتهرها ابنتها المدللة إذا لم يعجبها الطعام حتى الصغير قد يضربها على وجهها إذا ما حاولت تأديبه. ربما تصرخ عليها ابنة الأربعين وهي عجوز في الثمانين قد بلغت من المرض والتعب عتيا. قد يستهزأ بها ابنها إذا ما شكت له ضيق نفسها وحاجتها إلى الترفيه. يستضعفونها لأنها ضعيفة، يصرخون عليها لأنها كسيرة، يعاملونها كأنها أسيرة. يصرخ الأغبياء الغُفّل ولا يبالون بحجم الدمار النفسي الذي يلحقونه بها وقد ربتهم صغارا. يعقونها ولا يحفلون بآي الله الخالد المتواتر في بر الوالدين ولا سيما الأم. لكن الله يمهل ولا يهمل فاحذروه واتقوا دعوة أم مكلومة مظلومة.

ترى هل أكون أنا المتخلفة الرجعية؟ قد تكون هذه اللهجة الجافة وتلك الألفاظ النابية عادية في زمن الرداءة. قد يكون هذا هو الحب في زمن الكوليرا؟! قد لا تغضب أمهات اليوم إذا ما صرخ عليهن الأبناء، فهذه هي فقط طريقتهم في الكلام لكن قلوبهم بيضاء لو تعلمون وكلها حنية لكنكم لا تفهمون. دعوهم فلو ولدتموهم لرحمتموهم. قد يحتج أحدكم أن قصتي هذه تافهة يحصل أخطر منها آلاف المرات، لكنني أصرخ في وجه الظلم، في وجه القبح، في وجه الباطل. إنما ركوننا إلى بسيط الأمور وماهو ببسيط أوصلنا إلى عظيمها ومنكرها وشنيعها. دعوني أصرخ وأصيح أن هذا باطل لا يجوز، هذا قبيح لا أقبله، لقد تعودنا المنكر حتى لم نعد ننكر شيئا. المنكر والباطل في كل مكان، في البيت وفي المدرسة وفي الشارع، في الحانة وفي الملعب وفي الجامع، وما من مصلح ولا رادع. المنكر في شاشة تلفازنا وفي كل الشاشات التي اجتاحت حياتنا وشوشت علينا أفكارنا وسرقتنا من أنفسنا ومن أحبابنا. دعوني أتكلم فقد طفح الكيل وبلغ السيل العرم. دعوني  فقد رأيت منكرا لعلي أغيره بقلمي.

اللهم ارزقنا حسن تربية أبنائنا وبرهم كي يبرونا، فلا خير يرجى فيمن كان شره قريبا لأمه وأبيه. اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا وقلة حيلتنا وهواننا على الناس، اللهم أيقظ قلوبنا ونور دروبنا وزينّا بخلق الإسلام وقونا بالتُقى والإيمان.

ولا حول ولا قوة إلا بالله.



الجمعة، 8 يوليو، 2016

دعوني أمر





أنظر إلى الصفحة البيضاء وعلامة البدء تظهر وتختفي... ماذا تراني سأقول؟ أصبحت أخجل من قلمي. هل سأتحدث عما ألَمَّ بالعالم من حولي؟ هل سأخوض حقا تلكم المعارك؟ هل سأشجب وأستنكر ما يقوم به تنظيم ينسب نفسه إلى الإسلام ثم ينزل به خسائر لا يقوى عليها ألد أعدائه؟


لا لن أتحدث في السياسة. ولا حاجة لي في سحب البساط من تحت أرجل العلمانيين العرب. لن أتحدث عن تلك الفنانة الراحلة التي صافحت بيدها المترهلة البيضاء يد فرعون مصر المضرجة بالدماء. لن أحدثكم عن ذاك الفيلم القديم الذي مثلت فيه تلك الفنانة بجانب حبها الكبير.. حب سينتهي بالطلاق. لن أحدثكم عن مدى السذاجة والتفاهة والسطحية التي تشي بها كل أحداث الفيلم المسخرة. أهذا هو سحركم الأبيض والأسود؟ أهذا هو تراثكم العظيم وأمجادكم الخالية؟ والله إن الصور المتحركة فيها من العمق ما لا ترقى إليه الأفلام الصهيو-مصرية. كل ما تحتاج إليه رقص وغناء وعري و.. أشياء أخرى قد يقطعها أذان صلاة الظهر أو العصر  ثم يعود البطل لما كان عليه مع البطلة وإنا لله وإنا إليه راجعون.


***************


أعود إلى العمل، عدت إلى الكسل بعد ستة أشهر مرت مرور رمضان، أتعلمون ما مرور رمضان؟ حين يمر الشهر الكريم كالبرق وتبقى في النفس حسرة التقصير... قلت أعود بعد عطلة أمومة لأجد هذه الكلمات في ملف على حاسوبي. بدأت يوما في كتابتها ثم تركتها.. ليست بذاك السوء ليتني أكملتها. ترى ماذا كنت سأقول بعدها؟ ماذا كنت سأكتب لو حاولت أكثر؟ لو تقدمت بضع خطوات في طريق المجهول الذي نخافه خوفنا من امتحان الباكالوريا. ثم إذا نحن اجتزنا اليوم الأول عدنا إلى البيت نصرخ في وجوه من سبقونا: لمَ لم تخبرونا بأن الباك حكاية فارغة؟ هو فقط ورقة الامتحان نواجهها كما واجهناها قبلُ آلاف المرات؟ ليس هناك غول مختبئ تحت الطاولة!


لا أستطيع الكتابة مع الصراخ. يا لثقافة الصراخ. كنت سأتفهم لو أن رجلا تتقاذفه الأمواج في عرض بحر هائج صرخ لطلب النجدة، كنت سأتفهم لو صرخت امرأة حامل تصارع آلام المخاض، أما أن يصرخ رجل سليم  في عقله، معافى في بدنه، آمن في سربه له قوت يومه، يصرخ فقط وهو يتحدث عن معاملة إدارية عادية ويسأل عن أحوال هذه وتلك فهو ما يتجاوز قدرتي المتواضعة على الفهم.


كفاني ثرثرة وكفاكم لغوا في شهر الصيام وهدرا لأنفاسه الثمينة، ثم إن هناك أمورا خطيرة تجري في المكتب سأترككم وأمضي، سامحوني... فقد أضعتم وقتكم الثمين. كنت سأكتب "أضعتُ" لكن لا للأعذار، أنتم كبار ومسؤولون!


دعوني أكتب حتى لو لم أقل شيئا.


دعوني أمر.


تنويه: كنت سأنشر  هذه التدوينة في آخر أيام رمضان لكن لم يتيسر الأمر. عيد مبارك، تقبل الله منا ومنكم.