قولي لهم مات أبوكم نُوَال



كنت في محل تجاري كبير يبيع كل ما يلزم للبيت الأنيق بألوانه وأشكاله ومتاعه. وكانت هناك امرأة تحاول أن تحل مشكلة لها في البيت: شجار أولادها على كؤوس القهوة. واختارت لهم نفس الكؤوس كي تتجنب مزيدا من الحروب ومناطق التوتر. وقد سررت بإعانتها على الاختيار. كان كل شيء جميلا: الفضاء والطقس المعتدل - رغم أن ساعة الزمن تشير إلى الثالث من جانفي- وآنية الأرز الآسياوية وأعوادها الخشبية وثمنها وكؤوس الأولاد بألوانها الزاهية. نعم كان كل شيء جميلا السماء زرقاء والعصافير تكاد تزقزق في أذني حتى اللحظة التي نطقت فيها صاحبتنا أم الأولاد بنشاز لم أفهم له صلة بحديثنا ولا بحاضرنا ومستقبلنا ناهيك عن تاريخنا !

لكأنها بعد إذ رضيت حلا لمشكلة كؤوس القهوة تذكرت أن لها مشكلة أخرى أشد وأدهى. قالت وهي تتضاحك بسذاجة المترفين المستغنين عن عقولهم: "لقد تعودت أن أضع في جوارب أبنائي النقود فإذا استيقظوا في الصباح أخبرتهم أن بابا نوال تركها لهم. فيفرحون بها أيما فرح. لكن ماذا سأفعل من هنا فصاعدا؟ ابني الصغير يقول لي لماذا لم يترك لي بابا نوال المال في جوربي؟"

صُعقت عند سماع كلامها لكن تداركت أمري وقلت باشمئزاز أخفيت معالمه في طأطأة رأسي وأنا أحركه بالنفي: "لا مش متاعنا". قلتها بالعامية لأني كما علمتم لا أتحدث الفصحى وإنما أتفاصح كلما هممت بقلمي وقد ألم بي هم نفض عني غبار البخل والجبن والتسويف. قلت لها ما لنا ولبابا نوال؟ لم لا تسعدين أولادك في العيد بالهدايا؟ لكن كلمة "عيد" سقطت على الأرض وكدت أراها تتخبط بين أرجلنا صريعة النسيان والإهمال. كلمة سقطت في أذن صماء واصلت صاحبتها ثرثرتها البلهاء: "زوجي وجد الحل لهذه المعضلة: قال لي إذا ما أزعجك الأولاد قولي لهم إن أبوكم نوال قد هرم ومات"

أما أنا فهرمت من هذه الكلمات، أما أنتم يا مسلمون فضميركم قد مات وتاريخكم شيبته غفلتكم وذهبت نفسه على نفسه حسرات، أما لغتكم فهي من زمن حافظ تنعي حظها لا بارك الله في هكذا عيِنات.

والله لو كانت محدثتي بيضاء ناعمة موسرة وفي حديثها لكنة الأعاجم لقلت هذه من "النخبة المثقفة" التي أفسدتها الحضارة، أمَا وإن أم الأولاد تغطي رأسها بحجاب وهي سمراء البشرة وابنة الشعب بامتياز، تبدو كعامة الناس، تونسية ككل التونسيات فإني والله استغربت. هذا مرض خبيث استشرى في جسد الأمة كلها.

وما رأيت الشعب يحب شيئا مثل اللعب. كل مناسبة هي فرصة للعب واللهو والتبذير والمجون. وقد خرجت ذكرى رسول الله مثخنة بجراحها بعد ما ارتُكبت المنكرات وأُقيمت الحفلات وبُعثت الوثنيات من قبورها باسم مولده صلوات ربي وسلامه عليه وحسبنا الله ونعم الوكيل. ولم تمض برهة من الزمن حتى سئم الشعب من ضرب الدف وأكل الزقوقو وقال حي على الدجاج والقاتو وبابا نُوال.

غثاء كغثاء السيل تسلل لهم بوهم نوال من سموم الإعلام وشره رجال الأعمال وبعد ما كنا نحتفل برأس السنة المسيحية (متدثرة بحجاب الإدارية) بشيء من المرطبات صرنا في السنوات الأخيرة نطبخ الدجاج ونقيم الولائم وننصب الموائد الطويلة لا تنقصها إلا زجاجة الخمر لتكتمل الصورة. بل إن شجرة الصنوبر تلمع في أكبر المحلات التجارية وأرذلها. وهكذا رويدا رويدا وقع هذا الخلط الفظيع بين احتفال رأس السنة وبابا نوال. وهو والله ليس بابا ولا أبوك ولا حتى أبوهم.

كنت سأقول لصاحبتي هل يحتفل الغربيون معنا بأعيادنا؟ هل رأيت أحدهم يشاركنا ولو شيئا يسيرا من عاداتنا؟ لكن جمدت الكلمات في حلقي فمخاطِبتي لم تكن من عالمي ولا أنا من عالمها إنما كانت تحدث نفسها بصوت عال أكثر مما تحدثني ولا حاجة لها في رأيي هداها الله وكان في عون أولاد هكذا أمهم وأبوهم. ووالله لا أعذرهم بجهلهم فهذا ليس من الجهل وإنما هي أبشع صور الغفلة والزينة واللهو.

رحم الله سندة وبارك في عمرها فقد قالت في هذا الباب وأجادت وشفت صدور قوم مؤمنين ردة وهل من راد لها