دموع كالجبال






 يبدأ يومها عندما يرن المنبه بضع دقائق قبل الأذان. تهب من نومها، تسارع بالوضوء وتقف بين يدي الرحمان
وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى

تناجي ربها، تدعوه وتستعين به على يومها، وكثيرا ما يحز في نفسها أنها لا تستطيع أن تطيل الوقت، أن تمد الدقائق إلى ساعات، ما أجمل اللحظات وما أروعها من نفحات. كم تحب أن تقوم الليل بما حفظته حديثا من قرآن وكم صارت تتمتع بقرائته بعد أن بدأت في تعلم التجويد، أصبح لحياتها طعم آخر منذ أن التحقت بدار القرآن الكريم. هي الآن في السنة الثانية وقد وجدت نفسها مع مجموعة من الفتيات اللاتي درسن معا السنة الماضية ومنذ اللحظة الأولى أحست بالفرق بينها وبينهن حين استمعت لتجويدهن. لكنها حمدت الله وآلت على نفسها أن تفعل كل ما بوسعها لتلتحق بالركب

يبدأ يومها عندما يرن المنبه.. تصلي، ثم تأكل بضع لقيمات وتهرع إلى العمل. تسع ساعات تقضيها أمام آلة الخياطة، يداها تشتغلان لتحصيل قوت الدنيا وشفتاها تعملان على تحصيل قوت الآخرة. تقرأ الآية وتعيدها مرات ومرات، تعلقها نصب عينيها ولا تفتأ تبدأ وتعيد، تكرر وتزيد..

أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ


يجب عليها أن تحفظ وردها، أن تتقن تلاوة سورة الزمر، يجب ألا تخذل معلمتها التي ما فتأت تشجعها. ورغم تعثرها في بعض الآيات، رغم أخطائها في شكل الحروف، رغم طول ساعات العمل إلا أنها مازالت تتشبث بحبل أمل، وكل يوم أحد تجلس في مجلس علم مبارك تتعلم القرآن، تتعرف على مخارج الحروف وصفاتها، تقرأ أمام معلمتها وتضحك من هفواتها

وجاءت نتائج السداسي الأول ووزعت شهادات الامتياز ودرجات الاستحسان، فهذه أحرزت معدلا ممتازا وتلك متوسطا أما هي فبالكاد حصلت ما يخول لها المرور إلى السنة التالية. وسرعان ما سالت العبرات على وجنتيها، أطرقت باكية وخبأت وجهها بين كفيها. لا تبكي أنت أفضل واحدة فينا يا مروى، أنت تبذلين أضعاف أضعاف جهودنا، أنت تستحقين كل احترام وتقدير

وقلت في نفسي هنيئا لها، أليس من الأفضل أن تكون طالبا ضعيف النتائج منكسر القلب على أن تكون طالبا ممتازا مزهوا  ومغترا بنفسه قد شاب عمله الرياء؟ هنيئا لها بهذه الدموع فهي دموع كالجبال، دموع علها تقيها من حر يوم القيامة، هنيئا لمن يبكي لأنه لا يحسن التجويد، هنيئا لمن يبكي غيرة على أن يسبقه إلى الله أحد، هنيئا لمن تبكي لأنها لا تتقن حرف الضاد، هنيئا لمن تسكب الدموع لأنها تنسى ما حفظته رغم جهودها، هنيئا لمن لا عزاء لها لأن صلاة الفجر قد فاتتها، فغيرها تبكي لأن بطل المسلسل قد مات أو لأن مغنيها المفضل قد استبعد من المسابقة، غيرها تبكي حسدا وتذهب نفسها حسرات على حطام الدنيا الفانية، دموع أهون على الله من الماء الذي يسقيه للكافر، بل هي دموع آثمة

 أما دموع مروى فهي إن شاء الله يوم القيامة كالجبال الراسيات، جبال من الحسنات، أرجو أن تبلغها في الجنة أعلى الدرجات حتى وإن لم تتم حفظ القرآن وتعلمه، فكم من قارئ للقرآن وهو يلعنه


يبدأ يومها عندما يرن المنبه .. تشغل آلة الخياطة، تعلق نصب عينيها الآية وتردد


وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ 
لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ

 ملاحظة : نشرت هذه التدوينة لأول مرة في مدونتي المشتركة مع الأخوات إسلامنا الجميل