الخميس، 15 يونيو، 2017

رمضانيات (2)




ذهبت إلى البنك لإجراء معاملة عادية. وعلمت أن مقره في البلدة التي أقطنها عادة ما يكون أفرغ من فؤاد أم موسى. فتوكلت على الله ودخلت ممنية النفس بحسن الاستقبال وسرعة الخدمة. وفعلا وجدتني الحريفة الوحيدة التي سيتسابق لخدمتها موظفون ثلاثة.  واتجهت رأسا إلى الموظفة المحجبة حجابا من نوع 2.0 بلغة الإعلامية. وهو كما تعلمون حجاب مواكب للعصر ولمتطلبات الجمال ونواميس الموضة. كأن ترى خصلات الشعر في الناصية الملونة بذاك الأشقر المغشوش  الذي سئمنا منه، والأكمام المشمرة قريبا من المرافق لا للوضوء ولكن لتزيين الأيادي بأنواع الحلي الثمينة والساعات الجميلة وجميع أصناف الزينة.

ولا أبالغ يا إخواني إن قلت لكم بأن الموظفة المحترمة كانت تنظر إلي شزرا. فيبدو أنني أقلقت راحتها، إذ أن وضعها الطبيعي هو عدم العمل ولا الكلام ولا حتى تحريك الأجفان فنحن في رمضان. فكيف تأتي هذه المواطنة الثقيلة فتعبث بقوانين الطبيعة وتضغط على زر التشغيل؟ تجاهلت سوء معاملتها المعنوي وامتعاضها الخفي فإنما هو صبر لحظات ثم أنجو بصيامي من براثين الغضب الذي قد يتملكني ويفسد علي صمتي المقدس. وكان علي أن أعمر استمارة لست معتادة على مثلها فتباطأت قليلا كي لا أقع في خطء بنكي قد يكلفني أموالا وليس أرقاما. فإذا بالموظف الآخر يهتف بي: "لتو تعمر فيها الورقة؟" فهالني هذا التطفل الذميم والتدخل اللئيم من رجل لا أعرفه ولا يعرفني ولا شأن له بي ولم أسأله سؤالا ولا أقلقت له راحة ولا بالا. وما أدري بما أجبته إلا أنني اصطنعت الابتسام والأريحية. هل سأفسد صيامي من أجل عجوز كلما شعر بالضجر أرسل تعاليقه المسمومة ؟

لكن العبوس القمطرير حولتني إلى زميلها هذا وكان علي أن أتمم المعاملة معه. وكان بين يديه أوراق ينظر فيها تركها على مضض وأخذ ورقتي. فقلت قرب الفرج. وحين هم بعد المبلغ المالي الذي وضعته بين يديه رن هاتفه الموقر. فوالله ما إن شعر باهتزازه في جيبه وما إن دقت أولى نغماته طبلة أذنه حتى تهلل وجهه وانفرجت أساريره بل أشرق إشراقة يتساءل المرء معها هل هو شاب ولهان كلمته حبيبته مساء ولم يكن قد سمع صوتها منذ فجر الأذان؟ أم هي الأم المفجوعة كلمها ابنها العاق بعد طول فراق؟ أم هي الأرض القاحلة تستقبل الودق هزها الاشتياق؟ أم هو المريض الآيس أتوه بالترياق؟

وسارع لاستقبال المكالمة وهش لمحدثه وبش والابتسام لا يفارق محياه. فكأنه الصائم يبتسم لمائدة الإفطار وأصناف الطعام أو الوليد يرنو لأمه وهي تهدهده في الليل والناس نيام. فكدت أفقد صوابي من هذا الهراء. كيف يسوغ لنفسه أن يرد بسرعة الضوء على مكلمه ويتجاذب معه لهو الحديث ولغوه وأمامه إنسانة تنتظر أن يفك رباطها من خدمته التعيسة البائسة؟ كيف لهذا المخلوق أن يستبيح دقائق عمري الثمينة ويتلف خلايا دماغي المسكينة ويذهب بالبقية الباقية من الصبر الذي ما أوتيت منه إلا قليلا؟

وحين وصل في حديثه إلى السؤال عن محمد وأولاد محمد انقطع البث. فحمدت الله حمدا كثيرا إذ كنت بدأت أحدث النفس بأن أثور ثورتي الهوجاء وأنزع عني رداء المجاملة العمياء فأندد بهكذا عمل أخرق وتصرف أحمق. وإني لهممت بحربتي لأتناولها إذ قطع الإرسال. وكفى الله المؤمنين شر القتال! وهل تحسبون صاحبنا انتهى؟ لا بل حاول كالطبيب المستميت إنعاش المكالمة وأعطاها من وقته وجهده وهي تجود بأنفاسها الأخيرة ما لم يعطني في وقفتي الطويلة القصيرة.

وخرجت بعد لأي وقد أتممت مهمتي المستحيلة وأنا أتعجب من أخلاق الموظفين وطبائعهم وأستجمع شتات نفسي لأروضها على الصبر على بلائهم وسوء خدمتهم ورداءة أخلاقهم. وأنا أكاد أبتسم لسذاجتي حين حسبتهم سيفرشون لي بساطهم الأحمر وما كنت بينهم إلا كالثور الإسباني في الحلبة يهيجونه بالرداء الأحمر ويرشقون فيه سهام ازدرائهم ولا مبالاتهم وعبوس سحناتهم وسماجة تعاليقهم. فحمدت الله أن نجاني من الموت المحقق. أما أخلاق الإسلام فلا أدري ما حل بها...


الأربعاء، 31 مايو، 2017

رمضانيات (1)




ذهبت إلى المسجد لصلاة التراويح على غير عادتي، إذ كنت أحبذ أن أعبد ربي في خلوتي إلا أن يكون هناك قارئ يأخذ بمجامع قلبي. وصلت متأخرة فلم يكن لدي متسع من الوقت لأختار مكاني بروية. وبعد أن اصطففت مع الناس وكبرت ودخلت في الصلاة وجدتني بين صفين مختلفين مائلين فلم أعرف هل أقف مع الأول أم الثاني أم أكون همزة الوصل بينهما!

ثم غيرت مكاني وكان ولدي في حوله الثاني ورأيته قد تركني وابتعد كثيرا. وكلما وجد قارورة ماء تناولها وشرع يلعب بها ويضعها في فمه  كأنما يشرب. بل ربما أخذ مفاتيح هذه أو مسك حقيبة تلك فهو ببراءته الطفولية يحسب أن العالم ساحة لعب كبيرة ليس لها حدود ولا تعترف بحقوق الملكية. فما إن انقضت الركعتان حتى سارعت إليه لأجلسه بجانبي. وعند عودتي إلى مكاني الذي تركت فيه حقيبة يدي وجدت أن فتاة صغيرة قد احتلته. هكذا بكل بساطة. فغاظني ذلك لكنني حاولت أن أندس بجانبها. لم أر حتى وجهها لكنها تبدو في الثامنة أو التاسعة من عمرها.

وبعد أن كبرت مع الإمام هجمت على أنفي رائحة أقدام كريهة. وكلما تحركنا في الصلاة كلما وجدت ذفرها في خياشيمي حتى كدت أفقد صوابي. وأجلت بصري أفتش عن المجرمة صاحبة الجوارب النتنة فلم تقع عيني إلا على قدمين عاريتين متورمتين. فأدركت أنهما خرجتا للتو من سجن الأحذية وقد شرعتا في التنفيس عن نفسيهما واستنشاق الهواء الطلق وبث ما تيسر من السموم. فزدت مقتا لجارتي الصغيرة إذ كان جرمها في حقي مضاعفا. حتى أني حدثت نفسي بتغيير المكان فورا لكنني اصطبرت وتجلدت إذ كنت لا أدري هل يجوز لمن كاد يموت خنقا برائحة الأقدام أن يتحرك أثناء الصلاة وينجو بما تبقى من أنفاسه الغالية. ثم إني لم أرد أن أجرحها ومع حنقي عليها إلا أني كنت ألوم خاصة والدتها التي لم تسهر على نظافتها ثم أطلقتها هكذا في الطبيعة.

وما إن انتهت الركعتان حتى أطلقت لساقاي العنان واستقبلت الرياح الأربعة أفتش لي عن موضع أكون فيه بأمان. فما إن وجدت ضالتي حتى قرّبت إليّ ولدي وشرعت في الصلاة. لم أتمتع بها لأن ملاكي الصغير قد طاب له التجوال في رحاب المسجد وكان يختفي عن ناظري بين الصفوف. فأتلفت يمنة ويسرة أبحث عنه وأتخيل تارة ضياعه وتارة ذهابه إلى السلم حيث يمكنه السقوط. وكانت جارتي في الصلاة لا تتوانى عن رشقي بسهام عينيها كأنما ترقب ردة فعلي كلما قام ولدي بعمل "شقي" كأن يمسك بسبحة أو يلعب بحاملة مفاتيح أو يلاعب طفلا آخر من بعيد. فعجبت لوقاحتها واستثقلت جيرتها. وعجبت لهذا المجتمع الذي لا يرحم الأم. فهذا ولدي يلعب ولا يضر أحدا فلمَ تنظر إلي هذي الثقيلة شزرا. وكيف تجوِّز لنفسها التلفت أثناء الصلاة لغير حاجة والانشغال عن آي الله بمراقبة غيرها. ولمَ تسمح لنفسها بمحاكمتي بتلك النظرات القاسية التي أحسست بوخزها في جنبي دون أن أنظر إليها.

هل سأغير مكاني للمرة العاشرة هذه الليلة؟

حين قررت الانصراف أخيرا كانت هناك امرأة شابة تهم بالخروج قد لعب ولدي مع ابنها قليلا. فلما التقت عينانا عفوا ابتسمت لي ابتسامة عريضة أشرق لها وجهها الوضيء أصالة. كانت في منتهى الجمال، حتى أني شككت أنها تضع مساحيق للزينة. هي فعلا تستحق ذاك النقاب الذي أسدلته على وجهها لترحم ظلمة الليل من وهج نورها وتدخره لزوجها البخيت في البيت السعيد.

فقلت الحمد لله الذي أبدلني من رائحة القبح إشراقة الجمال. فهل رأيتم أجمل من ابتسامة على وجه وضيء في زمن قل من يتصدق فيه بالتبسم؟ جزاك الله خيرا أخية الإسلام وكتبك من الفائزين في شهر الصيام.


الأحد، 28 مايو، 2017

حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينْ




الموت قريب وعنيف، الموت أليف ومخيف. الموت ورقة الامتحان تسحب منك وفيها أخطاء لم تمحها وأفكار لم تحيها وعزائم لم تمضها ومساوئ لم تبكها. ما أقرب الموت وما أقساه في أيام الربيع الغادر.  ترى الطبيعة قد تجملت "حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا. "هو ذا والله، هو ذا.

الموت قريب والعالم الأزرق صار كالمبكى. جدرانه تكتظ بنظرات الموتى، بكلمات الموتى، بابتساماتهم، بصرعى الفجأة. آخر الضحايا فتاة تحضر لزفافها. احتفلت أمس بعيد ميلادها، واليوم ترقد جثة طاهرة. اليوم تفترش التراب... بعد أن صار زواجها مجرد سراب. الآن هي في صلب الموضوع، في لب الحقيقة. سكت قلبها كأنه لم يتحمل سعة آمالها العريضة.

كتب أحدهم يقول: "كانت على مشارف أن تُزيّن كفَها بالحنَاء ، وأن تجْلس عروسًا على رأسِها تاج العِفَة والبهاء ، وأن تسْدل على مستقْبل زوجها رداء السَكينة والمودَة والصَفاء ، وان تسْتقْبِل عالم الزوجيَة بكل آمال الصَبايا وأحْلام النِّساء..منذ أشهر نالت شهادة الدكتوراه...منذ اسابيع اعلنت خطبتها ... البَارحة فقط احتفلت بعيد ميلاها مردّدة أنه آخر عيد ميلاد لها وهي عزْباء ...
لكنَ الموت كان أسْرع وذلك قدر الله تعالى وما شاء الله قضى ..."

آخر ما نشرت على الفايسبوك مقطع مصور لرضيعة تستقبل أباها بالأحضان فلا تكاد تفارقه...
رحم الله أسماء، تلك التي جاهدت لتكمل دراستها...

الموت قريب، والخبر على مرمى اصبع. لا تغرنك أيام الربيع الزاهية فهي في طياتها تخبئ قصصا لا لون فيها، ولا رائحة... إلا رائحة الفقد ولون الموت. منذ أيام بكيت حين رأيت صور الرضيعة التي ماتت في نومها بعد ثلاث شهور من ميلادها. كرامة، كم أبكتني صورها وهي في قمة البراءة والظرافة. تلك الجميلة، تلك البريئة كم خلف موتها من أسى في قلب أمها وأبيها.

قرأت كلمات أمها الثكلى وهي تروي قصتها منذ زواجها وحملها إلى أن وضعتها ثم فقدتها بدون وداع. كان نصا جميلا حزينا باللغة الانقليزية. أعجبت بها وحسدتها على تمكنها من تلك اللغة التي لا أحسن الكلام بها. لكن رسائل الأحزان تدفقت تترا ... وهالتني التعاليق في أسفل ذلك النص العتيق. "رحمك الله يا رانية، لم تتحمل فقد ابنتها". أجل بعد سنة من الزواج ماتت الصغيرة وبعدها بشهرين أو ثلاث لحقت بها أمها  الكليمة. وبقي زوجها وحيدا في حزنه، مضاعفا ألمه، لا يفتأ يرسل الرسائل ويسود جداره الأزرق بخربشات هي أقرب للهذيان منها للكلام الموزون. ربط الله على قلبه وجمعه بحبيبتيه في الجنة.

ومنذ أيام فقدت زميلة في العمل في حادث مرور اغتال شبابها وجمالها وذهب بتغنجها ودلالها ولم يذر شيئا من آمالها.. ماتت وصاحبها على الفور في ساعات الفجر الأولى. هكذا بدون مقدمات ولا مجاملات. لم أكن أعرفها فلم تكن تأتي إلى العمل إلا لماما وما جمعني بها حديث يتجاوز الثلاث سطور. لكن موتها أزعجني وأرقني وأفزعني. لا أنسى صورتها وهي في كامل زينتها وتمام أناقتها وبريق شبابها، تطالع نفسها في المرآة، تقول لها: ألست أجمل الجميلات؟ كانت بادية السعادة والموت رابض خلفها يسخر من غفلتها وطول أملها. والملك يشفق من موتها قبل توبتها. ذاك الجمال يرقد الآن بعيدا خلف التلال. ذاك الدلال ينام تحت التراب حيث الدود والهوام. هذا هو الإنسان.

تمنيت لها نهاية أسعد وآلمني موتها، لا سيما وقد أيقظني هاتفه حين كنت أحسبني في أجمل لحظات الحياة صفاء، وأقواها نبضا وضياء. غرتني الشمس الدافئة وصفحة الماء الباردة وأديم السماء الصافية. غرتني ضحكات ولدي وهو يدرج في سنته الثانية. تذكرت تلك الحقيقة المرة التي صدمتني ذات ربيع لأول مرة. وعدت تلك الطفلة المراهقة التي لم تصدق موت جدها دقائق بعد أن قدم لها الشكولاطة أمام المعهد وهي  في أسبوع الامتحانات.

عدت إلى بيتي. جلست إلى طاولتي لأكتب خاطرة في الحاسوب. وفي الكرسي المجاور أحسست أن الموت يجالسني، يطالعني، ينتظرني، يتربص بي أو تراه بولدي؟ أحسست بأنفاسه الباردة تلفح وجهي وتسري في دمي. ناديت ولدي. تعال حبيبي فأمك الخائفة بحاجة إلى مواساتك وأنسك وابتساماتك. تعال يا مسكين مهما طال بك العمر وامتدت بك السنين ... فلا بد من يوم ...

يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم، ما غرك حتى تمشي في الأرض مرحا وتلعب بورقة الامتحان. ما غرك ويحك حتى تتكبر وترسم أشكالا وتضيع أعواما ولا تجيب عن السؤال؟ أنت في امتحان لا تدري متى ينتهي وتسحب منك الورقة فلا ينفعك بعدها إنس ولا جان. ليس لك إلا ما سودت في بياضها فإن خيرا فخير وإن شرا فشر. ليس لك إلا الساعة التي أنت فيها فما فعلت فيها؟


اللهم أحسن خاتمتنا وارحم موتانا وارحم شهداء اللحظة وصرعى الفجأة الذين ماتوا لنعتبر واستشهدوا لنتذكر واغتيلوا لنتدبر وذهبوا في ربيع الأيام وزهرة الشباب وفجر الأعوام كي نصدق أن الموت كمين، كي نعبد ربنا حتى يأتينا اليقين.






الجمعة، 19 مايو، 2017

مراجعات 2




أولادنا سيكونون أقل تشبثا بالماديات  لو نغرس فيهم حب الطبيعة، لو نطفئ التلفاز ونحميهم من وميض الإشهار وبريق الاستهلاك. وشتان بين يوم نقضيه في الغاب نتقافز بين الأشجار ونستنشق نسيما منعشا ونجمع الأزهار وبين آخر نقضيه في صناديق كبيرة ومغلقة يكثر فيها الصخب واللغط ويقل ذكر الله بل ينعدم. فأنت حين ترى جمال الطبيعة يلهج لسانك بالذكر تلقائيا لكنني تالله ما سمعت يوما امرءا يصيح سبحان الله ما أجمل هذا التلفاز وما أبدع هذه اللعبة وما أبهى هذه النقانق المقلية وهو يتجول في دهاليز السوبر مركت المظلمة. بل إنهم يشيدون مئات الهكتارات للتسوق والأكل والترفيه المتمدن ولا يجعلون فيها ولو ركنا صغيرا للصلاة !!

القضية بالأساس قضية بناء شخصية تحب الله وتتعرف عليه من خلال تواصلها مع الطبيعة، وتدبرها لأنواع الفاكهة البديعة وتلك الحبيبات السوداء في اخضرار حبة الكيوي الصغيرة. القضية قضية ابتعاد عن الاستهلاكية العمياء وسمو بالروح إلى رحاب الرحمة والأثرة والمشاركة.

أخيرا المسألة مسألة وعي ونضج وأخلاق. ومن يتسبب في مشاكل عائلية بسبب عيد ميلاد هو نفس الشخص الذي يسبب صدامات في عيد الفطر أو الأضحى بل حتى في المآتم والجنازات. العيب ليس في الاحتفال بل في الإسراف والإكثار وفرض الاحتفال وإلا فالمقصلة بالانتظار. أن يصبح عيد الميلاد دينا جديدا هذا مما لا سبيل إليه وأن يصير المحتفل به زنديقا شريرا أو منتقص مروءة وإيمان، فهذا ما لا نقبله. ثم ما بالنا نحتفل بعيد ميلاد زواجنا مثلا، أليس بدعة غربية؟ هل فعله الصحابة؟ هل فعله رسول الله؟

فإخواني يسروا ولا تعسروا. وما دام الأمر لا يرقى إلى رتبة المعلوم من الدين بالضرورة فلا تعيروه كل هذا الاهتمام. هل هانت مشاغل الأمة وغفل الناس عن لب القضايا إلى هذا الحد؟ أغرتم على محارم الله أن تنتهك لمجرد حفلة تافهة ولا تغارون على بيت الله العتيق الذي صيرته العائلة الحاكمة إلى لاس فيقاس المسلمين؟ أما غاظكم أن تطمس معالم البيت ويغرق في ضباب جبال الاستهلاك الشاهقة المحيطة به؟ هل ستنصرون فلسطين إذا لم تحضروا حفلة عيد ميلاد بسيطة؟ هل صليتم الفجر في جماعة يا حماة حمى الدين؟

رحم الله شيخنا البشير بن حسن حين أجاب عن السؤال المكرر الممجوج حول الاحتفال بالمولد النبوي بهذا الكلام:



اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه !

الأربعاء، 17 مايو، 2017

مراجعات 1


كنت قد كتبت سابقا مقالا مطولا حول الاحتفال بأعياد الميلاد. خلصت فيه إلى أن هذه البدعة مذمومة جدا وكلها شر ووبال على الصغار. كنت حينها متأثرة بكتاب لأحمد خيري تطرق فيه إلى أن الاحتفال بعيد الميلاد عادة غربية بحتة تكرس الفردية والأنانية وتبني صرح ما يسمى بالطفل الملك. كما أنني حين كتبت مقالي كنت أسترجع ذكريات مؤسفة لما سببته هذه المناسبة من مشاكل وصدامات في عائلتي الموسعة.

وقلت كلاما لازلت أعجب لطوله والحال أنه مقال يحمل فكرة بسيطة لا تحتمل كل هذا الهذيان. هذيان لا أملك الشجاعة على قراءته كاملا الآن. أذكر فقط أنني بالغت في وصف ما يعتمل في مشاعر الصغار من شعور بالنقص لأن الملك المتوج على عرش عيد ميلاده يأخذ كل الهدايا ويحتكر كل الاهتمام.

لكن شاءت الأقدار أن تنجب أختي الصغرى توأما وتقرر أنها ستحتفل بربيعهما الأول. فقامت بتحضير كل لوازم العرس... أعني عيد الميلاد، من كعكة الحلوى الكبيرة المزينة ب "ميني" إلى المشروبات وأنواع الحلويات والصحون والطرابيش الملونة وغيرها من أسباب الزينة والمرح الطفولي. لكنني لم أر طفلا من الحاضرين يبكي أو يتذمر. إن هو إلا السرور والبشر والحبور. كان مهرجانا حقيقيا للفرح. أما مهدي ومرام الصغيران فكانا يبتسمان وكأنهما استشعرا بهجة المناسبة. والبهجة إخواني معدية وكذا الابتسام.


ولو أردنا أن نجتمع هكذا بكاملنا ما اجتمعنا لكن الاحتفال لم شملنا وأزال كل الحواجز والأعذار. ولا أقول أن هذا الأمر كله خير بل قد يتسرب إليه نوع من الإسراف والتبذير، لكنه مبدئيا لا يحتمل كل الشرور والرزايا التي حملته إياها. بل قد يكون خيره أعم من شره. ما دام ليس فيه الاختلاط المذموم ولا الموسيقى الصاخبة ولا الرقص ولا المجون. إن هو إلا اجتماع عائلي يتوج فيه كل الأمراء الصغار ويشتركون جميعا في خلق أجواء السعادة والانشراح.

ولولا أنني سمعت وقرأت كلاما لطارق السويدان ولبشير عصام المراكشي وغيرهما لا يرون فيه أي أثر يدلل على حرمة عيد الميلاد لا سيما وهي عادة لم تعد غربية بل عالمية، لما تكلمت بمثل هذا الكلام فما كان لي أن أفتي في الحلال والحرام أو أتمسك بشيء حرمه الله في كتابه وسنة رسوله. بل إن نبينا كان يعير اهتماما ليوم ميلاده ويحتفل به ولكن بالصيام. أليس قد قال صلى الله عليه وسلم .. ذاك يوم ولدت فيه.

رغم كل هذا لا أحسبني سأقيم حفلا كبيرا لابني في يوم من الأيام، أنا أفضل البساطة وأخير الحلوى التي أصنعها بيدي والصور التي ألتقطها بنفسي وأهاب كثرة الضيوف وما ينجر عنها من تحضير تحت التهديد. الاحتفال الحقيقي عندي يكون بدون زخارف ولا تخطيط. احتفال يطيقه الموسر والمعسر عنوانه "السعادة" وشعاره "التلقائية".

وأطفالنا لا يُخشى عليهم من الفردية لمجرد حفلة عيد ميلاد هي أذل من أن تبلغ هذا المبلغ. أطفالنا نعلمهم روح الجماعة في الصلاة وفي الأعياد وفي قطع النقود ندسها في أيديهم ليضعوها في صندوق التبرعات بالمسجد. أطفالنا نلقنهم روح الجماعة حين يشاركون كرتهم مع جيرانهم على الشاطئ أو في الغاب، حين يكلمون أقرانهم حتى لو لم يعرفوهم. أطفالنا لا نخشى عليهم الأنانية وهم يتربون تربية إسلامية وإنسانية. كما لا نخشى عليهم الشعور بالنقص والكبت إذا ما أغدقنا عليهم من نعم الله ظاهرة وباطنة. فلا يشعر بالنقص إلا من كان ناقصا.. كما نعلمهم أن المال وسيلة وليست غاية ونحدثهم عن القصور والأنهار في الجنة العالية...

يتبع...

الجمعة، 5 مايو، 2017

سامحينا يا أمي

  


بكيتِ حتى احتار الدمع لمأتمك
سهرتِ حتى تعب القمر
صبرتِ حتى عجِب القدر
بذلتِ حتى انقطع نَفَس البَذل
درّستِ وعلمتِ وكافحت وجاهدت واجتهدت
فمرة أخطأتِ ومرات أصبت وصوبت وقومت

يا من صار ليلك نهارا وجرت دموعك أنهارا
يا من ربيتنا صغارا وربيت هموما في قلبك علينا كبارا
يا من حملتنا تسع شهور وأعواما وأعمارا
يا من حرصت على غرسنا حتى صرنا أزهارا
هلا كففنا عنك شرنا إن لم نكن باذلين لك الخير أمدادا
هلا رحمناك من كرب وهم ضربناه عليك أسدادا

رحماك ربي، ما بالنا لا نرفع عنك بلائنا
أما كفاك ما عملت أيا مطعمة الطعام؟
 متى نتركك تعيشين أيام تقاعدك في سلام
يا من تقومين الليل والناس نيام
تقول ساعة الحائط أن قطار العمر يجري بك إلى السبعين
لكنني والله أراك تجاهدين كبنت العشرين
كل يوم طبخ وكنس وغسل وجهاد في الدار
لا تكفيك ساعات اليوم فتصلين الليل بالنهار
وكل حين شجون وهموم وأكدار

فالكبرى أتعبها أولادها الثلاثة والآن ستضع رابعة وقد دق عودها وشحب لونها
والصغرى بتوأمين تغيب عنهما سحابة النهار في عمل مضني ثم تأتي من شدة الإرهاق تبكي
وما بينهما توأمتان بعيدا عنك تسكنان
الأولى ابنها مريض والثانية تكاد من هول ابنيها تشيب
والطقس كئيب
وسنون الأمراض مديدة وأنواع الأقراص عديدة تصطف في حلقك صباح مساء

سامحينا يا أمي فطعامك لذيذ وحديثك لطيف وروحك خفيف
اعذرينا يا أما حنونا قد صار لكل منا بيت وزوج وأولاد
قد تعلمنا معنى الأمومة ورزقك الله بأحفاد
تلك آلاء الله علينا وغدا يكبر الأولاد
وغدا أرجو أن ترينهم رجالا وبنات

سامحيني يا أمي هنا تسكت الكلمات


الخميس، 27 أبريل، 2017

وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ



كنت رفقة عائلتي في نزهة لمكان جميل جمال البعد عن المدينة. هناك في أقاصي الجبال حيث يبدأ الحلم ويزدهر الخيال، هناك بين اخضرار الغاب وزرقة السماء حين تلقي بظلالها على صفحة الماء، حيث الصفاء ودفء الشمس وصفو الهواء، استثمر رجل ذكي نقوده فشيد مملكته الصغيرة. مطعم ومسجد ومسبح للبط وبضع حيوانات ولعب للأطفال، للأطفال الصغار. لا أرى أرجوحة للطفلة الكبيرة التي تصرخ بين جوانحي وقد جاوزت الثلاثين، "أريد أن ألعب، أريد أن ألعب". 

هنا لا تسمع  موسيقى صاخبة ولا خافتة، بل تصغي لأصوات الطبيعة الخالدة: شدو العصافير وبطبطة البط وضحك الأطفال وصراخهم.  لكن قد يتناهى لمسمعك وا أسفا نشاز لا تملك له دفعا. كائن كبير يصيح في وجه آخر صغير بلغة عامية : "تي يزي عاد سكر فمك لا نعطيك ضربة نعميك يا هم". فلا تملك إلا أن تتنهد ثم تمر مرور الجبناء أمام جريمة ضد الطفولة  والأنوثة وضد الذوق العام والخاص وضد الحق والعدل وضد الجمال والخير. أنت في زمن لا تكاد ترى فيه أحدا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر. فما عدنا نغير المنكر إذا ما رأيناه إلا بقلوبنا وهو أضعف الإيمان. ووالله لو فقهنا لغة الحيوان لما سمعنا بقرة ولا بغلة ولا جاموسة تخاطب ولدها بمثل هذا الكلام. ورحم الله الشاعر الكبير حافظ إبراهيم حين أنشد قائلا:

مــن لــي بـتربية الـنساء فـإنها فـي الـشرق عـلة ذلـك الإخفاق
الأم مـــدرســـة إذا أعــددتــهــا أعـددت شـعباً طـيب الأعـراق
الأم روض إن تــعـهـده الـحـيـا بــالــري أورق أيــمــاً إيـــراق
الأم أســتــاذ الأســاتـذة الألـــى شـغـلت مـآثـرهم مــدى الآفـاق

فبينا نحن في الساحة المخصصة لألعاب الأطفال وزوجي يراقب ولدنا وهو يخطو خطواته الأولى في عالم الترفيه المتمدن، إذ لمحت شبحا من الماضي أبيض مسودا. لم ألمحه بل رأيته ورآني أو هكذا بدا لي. فشعرت بالضيق وكتمت سري ثم قاسمته زوجي. فضحك مني ومازحني ثم عاد إلى حصة المرح مع ابنه.

كان الأمر هينا فمالي ولهذا ومال هذا ومالي؟ إن هو إلا طويلب علم جمعتني به سنون دراسة غابرة ونظرات كان يرشقني بها حارقة. كان معجبا بصورتي وبالتزامي لكنني لم أجده عونا لي حين كنت أمنع من الدرس مثلا بل أطرد من القسم بسبب حجابي. أسمر ذو عينين عسليتين كانتا  لتكونا جميلتين لولا نظراتهما الثاقبة الثقيلة البغيضة. وكنت ولا زلت أعيش تحت راية "سنفور غضبان". أي أنني صعبة المراس عاشقة للحرية ممقتة للابتذال. وكنت أشد ما أكون عداوة وضراوة مع الذكر الذي أشم عليه رائحة الإعجاب بي ولا يكون من ندي. كنت أشعر بالإهانة والمهانة، فأغضب لنفسي وأسائلها : كيف لمثل هذا أن يحب مثلي؟ ما غر هذا الأحمق حتى يحلم بأن يحاول المحاولة؟ كيف تجرأ هذا الأخرق أن يعجب بي أو يحلم بأن يكون له أي مكان أو مستقبل في قلبي؟ في قلبي القاسي.. الذي يحاكم الناس على أحلامهم وآمالهم ثم يأتي بنيانهم "من القواعد فخر عليهم السقف".

لا أدري ما هذه النزعة التي كانت في منذ أيام الطفولة الغضة. كنت في المدرسة أتخير لي ولدا فأعامله معاملة السيد للعبد. أذكرطيفا في غوابر الأيام كان اسمه لطفي. أبيض الوجه شاحبا وشعره ناعم يغطي جبهته. كان في غاية الطيبة ولذلك استعبدته. كان يجمع لي أشياء وربما حمل محفظتي. لا  أتذكر التفاصيل لكني أذكر استقوائي عليه ثم على خليفته رمزي. أذكر تلك المرة التي قال لي فيها "لا". كم شعرت بالغيظ، كيف له أن يرفض أمري؟

لكن مهلا مهلا، هذي الطفلة الغابرة في تصرخ أن كفاك فضحا لي، هذا لعمري خروج عن الموضوع. سيظنون بأني شريرة لكنها الطفولة فيها القسوة والطيش والشدة واللين وأشياء أخرى يندى لها الجبين. كفاك عودا على بدء، حسبك من الذكريات والحنين. هات العبرة قد مللنا السرد، فما كان مع صاحبك الأسمر في ذاك المنتزه؟

ما كان إلا استراق النظر لأني لم أكن متأكدة أنه هو هو الذي جاءني في يوم ربيعي يحمل صبر سنين وشجاعة لحظة ليفصح عن مشاعره أو رغبته في بطريقة لا تستحضرها ذاكرتي العجوز. لا هي فقط عجوز مع الأمور التي لا تعنيها لكنها تذكر أدق التفاصيل مع أحبابها. أذكر فقط أنه لم يحاول أن يطلب يدي  بصفة مباشرة وإنما حدثني أنه رغب في ذلك ولم يفعل.. وكالعادة لم تعجبني جرأته لكن في نفس الوقت كان من الجيد أن يفصح عن مكنون صدره فتقل نظراته ثقلا على كاهلي. وانتهينا إلى نوع من الزمالة الصديقة التي ليس بينها أضغان. والحمد لله أن لم يكن أكثر مما كان.

الحمد لله أن لم أكن من المتخذات أخدان. فلا سلام ولا كلام. ولا ضحك ولا حتى ابتسام. ولا يد مسكت يدي إلا بالحلال، إلا بالعقد الشرعي وبالشهود وبالمهر وبالاحتفال. الحمد لله الذي كفاني مؤونة الخجل والندم والسؤال. ماذا يكون موقف التي عرفت الرجال ولم تصن نفسها ثم بدا لها شبح من الماضي وهي مع ابنها وزوجها. ماذا ستقول الأعين لبعضها؟ وكيف لا تستحي من فعلها، من ذاك الرجل الذي كانت له أيد سوداء في جسمها.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك وبفضلك عمن سواك.


 وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ   يوسف(53)