الأربعاء، 12 أبريل، 2017

خواطر حالمة



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

من طول غيبتي عنكم استحييت أن أفتتح كلامي بغير تحية الإسلام. هذا هو الشهر الثالث من شهور الصمت والصون والصوم. أما الصمت فهو الصمت عن الكلام المكتوب.

وأما الصون فهو صون بيتي وولدي، نظافة ورعاية وحبا واهتماما.

وأما الصوم فصوم العبادة والصوم عن العمل المؤجر، عن لعب دور المهندسة الموظفة في إدارة لا تحتاجني ولا أحتاجها، الصوم عن ذلك الراتب الشهري الذي يسرق مني حريتي، حرية أن أجلس في البيت لأتمتع ببهجة ولدي وهو يخطو سريعا من طور الرضاعة إلى طور الطفولة، حرية أن أرتشف الشاي في الصباح دونما استعجال، حرية أن أفعل بوقتي ما أشاء فأخرج متى أشاء  وأتكلم متى أريد وأصمت كما أحب، حرية كسر قيود الاستعباد العصري المتسربل بحجاب المدنية الفاسدة.

انتهى عصر الرقيق يا سادة وبدأ عصر الموظفين، الدخول والخروج بالمواعيد، المرض والموت والزواج والولادة كل شيء بالأدلة والبراهين، سيدك المسمى رئيسك يعلم عنك كل شيء وله رأي في كل شيء حتى في أمورك العائلية... لكن ما لهذا جئتكم، ليست هذه القضية.

جئتكم لأني أحب أن أكتب، جملة ركيكة رقيعة فلأشطب... كلا هذه هي الحقيقة. أحب الكتابة ولست منها. لست من أهلها، لا أملك أدواتها، ما زلت في طور البناء. لا أملك الشجاعة لمجابهة خوفي من الكلام، خوفي من غياب الإلهام.. وما الإلهام؟ أهي كلمة وضعتها لأستر بها عورة عجزي؟ أم هي المتهم الأول في قضية خوفي وكسلي؟ خوفي من المغامرة وكسلي عن المحاولة. هل أنا فعلا بحاجة إلى انتظار الإلهام لأكتب، كما تنتظر العزباء الساذجة شبح الزوج لتسعد؟ السعادة قرار والكتابة قرار والعزيمة قرار والنجاح قرار والخوف كما الفشل قرار.

سمعت البارحة أخا في الإنسانية يقدم نصائح إنتاجية باللغة الفرنسية، ويلخص كتبا أحسبها نافعة. فكان من حديثه سيرة كاتب وجد طريقة ليكتب حتى لو لم يشعر بالإلهام ولا بتراتيل الوحي تلقى في روعه. طريقة بسيطة: كان يجبر نفسه على الكتابة كل يوم في الصباح ولا شيء غيرها. له فقط أن ينهض من مكتبه إلى النافذة ينظر قليلا ثم يعود إلى الكرسي .. كرسي الامتحان حيث يكرم القلم أو يهان.  فلذلك قررت اليوم أن أكتب... ثم لأن ابني الصغير خرج مع جده وتركني وحيدة أمام مرآة الحقيقة وبضع أنغام تداعب وجداني، تحفز أحرفي وتستخرج خبيء كلامي.

كنت سأحدثكم عن خواطر من وحي سورة الكهف لكن قلمي كعادته تمرد على إرادتي ومضى بي يمينا وشمالا، بل أماما أماما حيث تبدأ البداية... أو تنتهي.






الأربعاء، 25 يناير، 2017

عن الثقافة والثقفوت




سمعت أن هناك معرضا للكتاب بمدينتي تحتضنه دار الثقافة ببنزرت. ورغم أني أعلم ما ينتظرني إذ كنت قد زرته قبل إلا أني ارتأيت أن أغشاه أيضا هذا العام فهو على مرمى قدم مني فما ضرني أن أتسكع قليلا بين أروقته البائسة. ثم إني أكره يوم الأحد فعسى مصافحة الكتب ورائحة الورق أن تبدد وحشته.

وبما أن قطار الحياة لا يفتأ ينقلنا من محطة إلى أخرى بسرعة نكاد لا نستوعبها، عهدتني أخطو نحو المعرض فريدة وحيدة، ثم رأيتني ألج إلى دار الثقافة وقد صرت زوجين ثم ثلاثة، طفل صغير جاوز حوله الأول، كتلة مني تتحرك أمامي، فتارة تبتسم وتارة تئن وتبكي. وهاهي ذي شابة محجبة بملامح آسيوية تأتي وتأخذ له صورة على حين غفلة مني وقد تركته مع أبيه، لكني غفرت لها لأن ابتسامتها كانت ملؤها الحياء والأدب.

 هل تكون الأخت ماليزية؟ سبحان الله لقد عشت هذه اللقطة بحذافيرها منذ سبع سنين في اسطنبول مع ابنة أختي وهي في مثل سن ولدي، كانت غاية في الجمال والروعة، فقفزت نحوها ثلة من الآسياويات وأخذن معها صورة بابتسامات عريضة عرض البحر. وابني هذا يشبهها حتى لتحسبه أخاها كيف لا وأمه وأمها توأمتان! فعلا التاريخ يعيد نفسه...

يقولون أن الحقيقة تخرج من أفواه الأطفال، ابني لا يتكلم لغتنا بعدُ لكن له لغته الخاصة وهي بليغة جدا ومعبرة حقا وشديدة الفاعلية. فها هو قد أحسن الإبانة عن نفسه فجذب أباه نحو الخارج. لم تعجبه الأجواء داخل المعرض. كيف لهؤلاء الكبار المغفلين أن يتركوا نور الشمس وهي ترسل أنفاسها الدافئة وجمال الأشجار وهي تزين الفضاء الخارجي ليقبعوا في هذا الكهف المظلم، في هذه الكنيسة التي شيدتها فرنسا في عقر دارنا وفي قلب عجزنا وهواننا أيام الاستعمار.ستكبر يا ابني ثم تفهم أنه يصح فيّ قول شيخ العربية أبي فهر طيب الله ثراه "وكنت امرءا نهما يأخذه للكلام المكتوب سعار". وكذلك أرجو أن تكون...

 قد أطلت عليكم في المقدمة، والحال أن جوهر الأمر ليس إلا زجاجا مهينا. لقد وجدت التعاسة والفقر والبؤس بانتظاري، وجدت نفس الطاولة الموضوعة في الواجهة بحيث تعترضك هي الأولى، قد تصففت فيها جنبا إلى جنب إبداعات الفيلسوف العظيم الصافي السعيد وسمادير المفكر المجنون توفيق بن بريك صاحب "الكلب بن كلب" حاشاكم وغيرها من سقط المتاع كمثل رواية "حبيبي داعشي" وغيرها من السخافات. وفي وسط هذه النفايات وجدت بضع بصيص من النور، كتاب لرئيسنا السابق محمد المرزوقي. وأيضا بضع كتب للرائع مصطفى محمود وهي كما تعلمون قصيرة من نوع السهل الممتنع ُيقرأ الواحد منها في جلسة أو جلستين. فما كان سعرها؟ 9 دنانير كاملة.

وبما أني أملك كتبا لم أقرأها بعد وأقسمت على نفسي أن لا أشتري غيرها حتى أتمها فقد خرجت من المعرض وفي يدي كتيب صغير للمنفلوطي بعنوان "الشاعر" ثمنه 2.5د. وماذا بعد هذا؟ الكتب الدينية المكررة للشعراوي مثلا وكتب الدراسة للأطفال وتحفة العروس وتفسير الأحلام وطرد الشياطين والجان وظلمة المكان. فكان هذا المعرض لا يعرض كتبا وإنما تعاسة وفقرا وجهلا بقيمة الكتب، وإلا فما تصلح هذه الأكوام في معظمها إلا لتنظيف زجاج السيارات. وأنا أستثني طبعا الكتب النافعة القيمة .. لكن يال غربة الكتاب في بلادنا. بنزرت مدينة كبيرة عظيمة بتاريخها وسكانها وقربها من العاصمة، أفلا يستحي المسؤولون أن يكون معرض كتابها بهذه الرداءة التي بلغت حد الدمامة قلبا وقالبا؟

لكنه أمر عادي في بلاد لا يتحدث دجالوها من "المثقفين" كلما ذكرت الثقافة، إلا عن الرقص والسينما والمسرح. بل هو العري والفسق والفجور، بل هو التقليد الأعمى والذوق الممرور.  فما رأيت أحدهم يقيم وزنا للكتاب أو يتوجه برسالة إلى الشباب. وإذا أحببت أن تسمع من هؤلاء الثرثارين كلاما قويما أو لسانا فصيحا فأنت كالمتطلب من الماء جذوة نار. فيا قوم استحيوا فإن الحياء من الإيمان واستروا عوراتكم وعواركم كما تستر الهرة ما يخرج منها وتغطيه بالتراب فوالله سئمنا هذيانكم ويئسنا من إصلاحكم ولا حول ولا قوة لنا بكم إلا أن يظهرنا الله عليكم. 


البواكير" علي الطنطاوي"


تحت راية القرآن" مصطفى صادق الرافعي"



الجمعة، 20 يناير، 2017

هاتِ قيد الشهادة لأكسره


اعترافات مهندسة على ورق...

"لا تقل أبدا إني مهندس بل قل تحصلت على شهادة الهندسة في عام كذا"

كنت أبحث عن وصفة لإعداد عصيدة البوفريوة حين سمعت زميلتي في العمل تتحدث مع صوت أنثوي وقع في قلبي موقعا حسنا إلا أنني لم ألتفت لتبين مصدره. وما هي إلا صديقتي وزميلتي في العمل حين كنت أشتغل في تونس العاصمة. كنا بنات ثلاثة تم قبولنا في وزارة تشغيل لا تشغل إثر نجاحنا في مناظرة للمهندسين. كانت صديقتي مختصة في الإعلامية بينما كنت مختصة في الإحصاء ... وتحليل المعلومات. زعمت الشهادة!

جاءت زميلتي لإدارتنا كي تضع في حواسبنا برنامجا لرقن المعطيات الخاصة بمسح ما يشمل المؤسسات. وبعد العناق وبث القبل والأشواق مضى بنا الحديث إلى أصدقاء العمل، فهذا أكمل دراسته وحاز على الدكتوراه إلى جانب عمله وهذه تحصلت على ترقية وأخرى ذهبت في بعثة إلى الخارج .... أما أنا ... فجئت بقدمي إلى ههنا، إلى الإدارة الجهوية وحفرت بيدي قبرا لشهادتي العلمية. ماذا تصنع مهندسة في إدارة؟ وماذا عساها تفعل بشهادتها الهندسية؟ ماذا ستهندس وأي مشاكل ستحل عدا الألعاب في صفحات الجريدة اليومية؟

كان قراري بالانتحار المهني  من أصعب القرارات في حياتي فلم أدع استشارة ولا استخارة إلا وأتيت بها وقبلها ترددت شهورا ودهورا. كنت في كل مرة أهم بالارتماء من الجسر ثم أصبر نفسي وأقول علها غدا تفرج لكن الأيام اتصلت بالأسابيع  ولم أر تحسنا يذكر. كنت أنهض كل يوم في الظلام الدامس وأقلق راحة أبي فأوقظه ليقلني إلى المحطة ثم أستقل الحافلة في رحلة يومية بين عاصمة شمال إفريقيا وعاصمة تونس، كل يوم أقوم بهذا السفر المضني من أجل لا شيء. من أجل أن أجلس على كرسي وثير وأكتب مقالات وأطالع صفحات على الأنترنات لكأني صحفية. هذا القلب وما أراد، أحب الأرقام ولكنني أعشق الكلمات. وما دامت البلاد في هرج ومرج والأشغال معطلة وما يأتي وزير إلا ليرحل فماذا عساي أن أفعل؟ فلأقرأ كتبا ولأكتب مقالات. ثم ما أجمل الحرية وما أعذبها من نسمات.

فررت أخيرا إلى بلدي الأم، سئمت التنقل وتلك الصخور التي وضعوها في الطريق، سئمت رداءة الحافلة ومزاج السائق وكآبة الركاب واكتظاظ المدينة وفراغ المكتب من أي عمل ذا معنى. سئمت التعب والتضحية من أجل السراب وطمحت أن أكون أما مسؤولة ولمّا يكن لي رجل في حياتي. لكنها غريزة الأنثى وما جُبلت عليه. منذ أول عمل لي واصطدام بحقيقة الثماني ساعات شغل يوميا تساءلت ما مصير عائلتي المستقبلية؟ متى سأعتني بنفسي وزوجي وولدي؟ لا أظنني وُلدت بقدرات خارقة، إذا فكيف سأوفق بين عملي وعائلتي؟ كيف سأغيب الساعات الطوال عن طفلي؟

استرجعت هذه الذكريات وأنا أسمع صوت زميلتي السابقة في المكتب المجاور، وتذكرت ذاك الشاب الوسيم وسامة أوروبية حين جاء مع خطيبته لتزور أختها، زميلتنا في السكن. تذكرت كلماته التي بدأتُ بها هذا المقال. كان مهندسا متخرجا للتو يخطو خطواته الأولى في عالم الشغل الحكومي. قال تلكم الكلمة التي حفظتها ومضى. وخبأتها الأيام في ذاكرتي ثم فاجأتني بها... فعلا لا تقل إني مهندسة، لا تتكبر بالشهادة، شهادتك هي فقط كلمة العبور لباب من أبواب الشغل، أما الشغل في ذاته فقد يكون نصف مهندسة أو ربع مهندسة أو ذرة مهندسة. لكنك أنت لست شهادتك ولست عملك، وكم من مهندس بلا شهادة ومن شهادة ولا مهندس! 

أنت فكرك الحر، أنت الأشياء التي تحبينها،  أنت الأعمال التي حين تفعلينها تفرحين، أنت الخدمات التي تقدمينها للآخرين، أنت الأسئلة التي توجهينها للكتب والأجوبة التي تقطفينها من الكُتاب، أنت السمفونية التي تعزفينها بقلمك وخواطرك التي لا تكاد تفارقك، أنت ميولاتك ومواهبك، أنت كل إضافة جميلة في وطن الإنسانية. أما الشهادات والخطط الوظيفية فهي كالأشكال الهندسية نحدها ولا تحدنا. لا تدعي لليأس سبيلا،  ابحثي عن الشيء الذي تحبينه وافعليه، ابحثي عن الطريق الذي ترومينه لحياتك واسلكيه، ابحثي عن أسباب السعادة أما القلق فاطرديه. سعادتك بإنجازاتك وإنجازاتك هي حياتك وحياتك هي إبداعاتك وابتساماتك وأنفاسك التي تنفقينها بسخاء على أهلك وأحبابك. هات قيد الشهادة واكسريه وطيري بجناحيك إلى حيث يبدأ الحلم.


لكل إنسان ميزة خاصة ..شغف خاص به .. 
طريق خاص به .. 
 الظلم هو أن تترك نفسك لتمشي مع الناس..
شمس التبريزي


الجمعة، 13 يناير، 2017

الشهادة لا تطبخ




منشطة برنامج طبخ يستضيفونها في منوعة بنفس القناة التي تستلذ استضافة منشطيها بعضهم البعض في برامجهم المختلفة كأن الله لم يخلق سواهم، أو كأن المتفرج لم يمل من طلعاتهم البهية. امرأة في مقتبل العمر بلغ منها ضعف الجسم ودقة العضم مبلغا جعلك لا ترى من وجهها إلا الأنف بارزا شامخا والفم مكتنزا اكتنازا يثير الشكوك. لها من الشهادات الجامعية ما يكفي رجلا وامرأتين حازتها بالجد والكد من جامعات فرنسية، شهادات في اختصاص يرضي والديها وأخرى في الطبخ الذي يرضي ميولاتها الشخصية.

 تسمعها تتحدث عن الطبخ وفنونه وتأتي فيه بالكلام المنمق والقول المتأنق فتقول ما أسعد زوجها وأولادها وما أهنأهم بها. لا بد أنها تصنع لهم في كل يوم من السنة لونا جديدا من الطعام تلبسه المائدة وتضفي عليه من حبها وتنفخ فيه من روحها وجودة صنعتها. تراها في برنامجها لا تكاد تصمت وتجعل تسأل طباخ اليمين وطباخ الشمال عن البهارات التي يجب إضافتها وعن الزبدة كيف ينبغي إذابتها و... و...و... ، فلا تملك إلا أن تضغط على ذلك الزر العجيب في آلة التحكم عن بعد، الزر الذي يتمنى كل الرجال لو وجد في زوجاتهن، فتريح رأسك من ثرثرتها وتتابع الوصفة بسلام.

هذه المرأة العصرية الأنيقة الذكية سألها زميلها سؤالا تافها بديهيا: ماهي أفضل وصفة تعدينها؟ ما هو ألذ طعام تصنعينه؟ فأجابت بأن ليس لها نوع معين تجيده. فظننتُ أن هذي طريقتها المتواضعة في زعم أنها تجيد كل فنون الطبخ فما إن تضع يدها في قدر إلا وتأتي بالعجائب حتى لو لم يكن في القدر إلا فلفل وطماطم! لكن المنشط المحترف لم يشبع من هذه الإجابة الهزيلة فأتاها بالقاصمة : ما هو الطعام الذي حين تطبخينه يُسر زوجك به ويُعجبه؟ فكأنما أحب أن يترجم لهذه البليدة الفهم سؤاله الأول. فما تحسبون صاحبة برنامج الطبخ وشهادة الطبخ قالت يا إخواننا؟

أنا مثلكم أعددت أذني لسماع اسم من أنواع الطعام لكن الفنانة التي تتفلسف في معاني الطبخ كعلم وفن وترتجل في ذلك القصائد العصماء قالت وهي تتضاحك كالبلهاء: أنا لا أطبخ لزوجي، ليس لدي الوقت لذلك فأنا أعمل كثيرا. ومن جملة أعمالها نادي المسرح الذي لا تستطيع التخلف عنه ولو لأسبوع واحد لأنه أصبح ضروريا لحياتها الثمينة. أما زوجها المسكين، الذي غرته الشهادات والوجه القسيم، إذا جاع فليذهب إلى المطعم أو إلى الجحيم. وأما الأولاد فلا تسل، لا أحد فكر فيهم أو استنكر إهمالهم. كنت أحسب الكاريكاتور صورا على ورق فإذا به صار امرأة من لحم ودم تنظر وتتكلم ولا تستحي. لم تقل أنها تطبخ لزوجها نادرا أو مرة في الأسبوع بل قالت لا أطبخ لزوجي وأزيد لا أطبخ لأحد ولا حتى لنفسي.

طبعا لم يعلق أحد من الحاضرين ولم يستغرب من هذا التضارب الشنيع. بل واصل المنشط أسئلته التافهة وكأنه أمام خبيرة في التغذية فسألها ما نصائحها لتغذية سليمة ولتجنب الوزن الزائد. فأجابت الحكيمة حمارها بأنها ببساطة لا تأكل إلا إذا وجدت أمامها (هكذا طائرا في السماء حاطا على مائدتها) طعاما شهيا، فإن لم تجد فهي لا تأكل، فذاك سر رشاقتها. حسن يا أختنا فما يصنع الذي يجد أمامه دائما طعاما شهيا لذيذا تعده أيادي أمه الحانية أو زوجته المحبة؟ إذا اتبع نصائحك العبقرية صار كالبرميل يا ذكية.

وكالعادة لم يعلق أحد على هذه السخافات المتراكمة. هذا زمان ينطق فيه الرويبضة في مصائر البلاد والعباد فما بالك بامرأة لا تطبخ أبدا ثم تأتي لتتحدث عن الطبخ. امرأة قالوا لها أن قمة التمدن والتحضر هو أن تحرزي أعلى شهادة في الطبخ من أرقى الجامعات ثم لا تطبخي لزوجك وولدك لأنك مشغولة بأعمالك الكثيرة أعانك الله عليها. وأن تفرغك لذاتك والنزول عند كل رغباتك واستيفاء جميع شهواتك أهم وأغلى من طعام تصنعينه بيديك المحبتين لعائلتك التي سوف يسألك الله عنها ورعيتك التي كُلفت برعايتها. 

 والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم

وكما يقول المثل الصيني لا تقل لي إنك تعلم كيف تطبخ السمكة بل اطبخها لي! ولا تعلمني فن الطبخ بل علمني فن الحياة. علمني كيف أنزع ثوب الفرد وألبس حلة الجماعة، علمني العطاء والإيثار من أجل الزوج والدار والصبر على حمل مسؤولية الصغار. علمني كيف أكون امرأة حقيقية فيها معاني الحب والصبر وكل كمال في الأخلاق وجمال في الإنسانية. علمني كيف أكون أما لزوجي وأختا وبنتا وصديقة وفية. علمني كيف أصير سيدة قومي فقط بقصعة طعام أعدها بحب وفن وحنية. علمني كيف أعود امرأة فقد أجهدتني ثورة البخار وصيرتني قشورا وألوانا وغبار.

أليس سيد القوم خادمهم؟ ألا ليتنا تعلمنا مكارم الأخلاق  وفن الحياة من الرسول الأكرم، كان في مهنة أهله (وهو من هو في حمل الرسالة وهمومها) فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة. صلى الله على محمد، صلى الله عليه وسلم.

الاثنين، 26 ديسمبر، 2016

خواطر مسلمة




في بلد الواقواق تسمع في الأخبار أنه تم قتل أحد الأشخاص أمام بيته رميا بالرصاص، "أحد الأشخاص"، هكذا بكل صفاقة! فلا هو مهندس عبقري ولا هو مخترع ذكي ولا هو مجاهد تقي في صفوف المقاومة ولا هو أخ في الله وَفِيّ للفلسطينيين و مناصر فعلي لقضيتهم الرافعة الخافضة. لكن ذفر الكيان الصهيوني سرعان ما انتشر في كل مكان كما ينتشر على الدوام حيث الموت والخراب والقتل الجبان. جنود البامبرز أطلقوا كلابهم تسعى في بلدنا المستباح ...

حيث يحلو لمدعي العلمانية أن يقحموا الدين في السياسة. فتراهم في المولد النبوي يرفلون في جِبابهم الإسلامية التونسية ثم يجلسون القرفصاء في مسجد يتجاذبون أطراف النفاق السياسي ويجذبهم النعاس من خفي. فهذا يلبس جبة بلون خمري وآخر يلبسها بلون سكري والآخر اختار لها لونا كلون الرماد الذي يذروه في أعين الناس ليسحرهم أو كالذي يركمه على قلبه عساه أن يخفي النار التي تتأجج بين أضلعه، نار الشهوة والغرام، شهوة السلطة وغرام القوة والشهرة. وأقلهم نفاقا يأتي بزي الإفرنجة العالمي ويقلب أعينا كالحة على الحاضرين، تراه عبوسا حامض الوجه قمطريرا، فكأنما وجهه بالخل منضوح. ينظر شزرا إلى غريمه السياسي وزملائه في الكذب في القول والتسويف في العمل ثم يلعن بعضهم بعضا.

وللنساء نصيبهن من حفلة اليوم الوطني للباس التقليدي أو ما يسميه رجال السياسة ودهاة فن التواصل الاحتفال بالمولد النبوي وما كان أحراهم بأن يظهروا حبهم للدين وللرسول باتباع سنته في حضور صلاة الجمعة والعيدين والاختلاف إلى المساجد في غنائم رمضان الليلية. لكن العادة غلبت العبادة وحب الدنيا طغى على الآخرة  ولولا المكر والمداهنة لما رأيت أحدهم يقتحم بناصيته الكاذبة الخاطئة ساحة المسجد فيدنسها. وما كان أجدرهم أن يذهبوا بِسِرْكِهم السخيف فينصبوا خيامه حيث ألقت ويُعفوا  بيت الله ثم الناس من سوء مطلعهم وخبث نيتهم. ووالله عجبت لهم، يدعون الحداثة والتجديد ثم لا يأتون إلا بالقديم والتقليد فكانوا شر خلف لشر سلف فهل سبقهم إلى ما هم فيه إلا زين الهاربين وكبير المجرمين؟ اللهم اكفنا شر جهلهم وغفلتهم.

وفي بلد الوقواق ستجد تجوعية سابقة كادت أن تحوز على موقع دنيوي تحسبه مرموقا لولا شرارة الثورة التي أتت على أرض أحلامها السلطوية فصيرتها قاعا صفصفا، ستجدها تعلن وبكل وقاحة أنها لم تسمع ولن تسمع ولا تحب أن تسمع شهادات ضحايا التعذيب والاستبداد في جلسات الاستماع التي مرت بنا كما يمر الإعصار فترجف القلوب وتدمع العيون ويبكي الفؤاد ويجف الحلق ويزيغ البصر من هول ما سمع وما لم يسمع. لكن هذه الآدمية نزعت ثوب الإنسانية وأسورة الأنثوية ثم تجردت من الموضوعية وخرجت علينا في كامل عورتها الفكرية وقلبها المريض ونفسها الأنانية لتعلن ازدراءها واستنكافها وترفعها وعلوها على هذه المعمعة وما درت المسكينة أنها بقولها هذا نزلت من عل بل هوت من شاهق إلى حضيض البهيميةلكن هكذا يصنع جنون الفكرة الثابتة بصاحبه وما أراها إلا وقد اعترتها لوثة جاهلية فاللهم اشف القلوب قبل العقول.

وهي هي التي تسرد عليك مرض زوجها وكيف رجعت من عملها فجاءها أقاربه يعودونه فأكرمت وفادتهم وبالغت في تبجيلهم ثم عند انتشارهم غضب عليها زوجها لأنها لم تقدم لهم العشاء. يا للضحية المسكينة ويا للجلاد الظالم. أنا أيضا لا أحب أن أستمع لجلسة الاستماع هذه، فكأني أستمع إلى الإنسانية الحاضرة الغائبة، أو إلى الضمير الإنساني المعتوه، فإما أن يكون حيا فيتكلم عند كل نازلة وإما أن يكون ميتا فيصمت إلى الأبد ويريحنا من هذيانهوجزى الله عنا الإمام الشافعي خير الجزاء فقد نبهنا إلى سورة عظيمة نقرؤها ولا نعيها هي سورة العصر، قال فيها رحمه الله "لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم" فهي منهج قويم لعلاقة الإنسان بربه.
جعلنا الله من المؤمنين العاملين الصالحات والمتواصين بالحق والمتواصين بالصبر... فطريق الحق طويل..

سلام على الشهداء وتحية إلى روح المقاومة في كل مكان، مقاومة الشر بكل أنواعه وتجلياته، مقاومة الباطل بمختلف أشكاله وأهوائه، تحية إلى المقاومين في الثغور، ثغور الأرض وخاصة ثغور النفس والقلب والضمير، تحية إلى العلماء الصالحين ودعاة التنوير، هم النجوم في عتمة قلوبنا.

قال مصطفى صادق الرافعي أستاذ الأساتذة وملجم المدعين والزنادقة ونابغة الأدباء والفلاسفة في إحدى جوامع كلمه الخالدة، قطفتها لكم من أول كتاب قرأته له "تحت راية القرآن"







الخميس، 1 ديسمبر، 2016

لعل لها عذرا وأنتَ تلومُ



اليوم يوم راحتها... من العمل خارج البيت، أما داخله فشُدّ المؤزر وحي على الجهاد. أكوام من الثياب تحتاج إلى غسل ونشر فجمع وطي وعَود إلى الرفوف. الأرضية تحتاج إلى كنس فغسل ومسح مع الحرص على رفع الزرابي وكل العقبات ثم إرجاعها إلى مكانها. أما المطبخ والطبيخ فلا تسل عن أصنافه وألوانه وأهواله. فأنت إذا أردت أن تنسى نفسك وأولادك ثم الزمان والمكان فعليك بالخضر واللحم والسكين لا مثيل لهم كسجان. زد عليه نفض الغبار وتلميع زجاج النوافذ والمرايا وما لا حصر له من الأعمال التي يطول شرحها ويمل الإنسان فقط لذكر اسمها. فدعونا منها.

أما الولد والبنت فلا مناص من الاهتمام بأكلهما وشربهما ولباسهما وفض ما شجر بينهما من عراك على لعبة أو ممحاة. قضت معهما الدقائق والساعات تلاعبهما وتمدح إنجازاتهما الصغيرة وتصيح من أفعالهما الكبيرة وتفننهما في الرسم على الجدران والساحات. مثلت دور المجنونة والمفتونة والمعلمة والممرضة والمهرجة والمصارعة والطفلة والكهلة والرجل والمرأة. فمرة تبسط ومرة تقبض وأخرى ترغي وتزبد، لم تتعلم في المدرسة معنى أن تكون أما. هذه مهنة ليس لها شهائد وجامعات إنما هو الجد والكد والبحث والاجتهاد.

وبعد أن أنهكتها أعمال البيت اللا متناهية وطلبات الصغيرين المتهافتة وبعد أن أعياها الوقوف أمام الموقد لساعات و شيّبها غسل الصحون المتوالدة والبقع العنيدة فوق الميدعات، بعد كل هذا الجهاد، تذكرت أن لنفسها عليها حقا، فأحبت أن تأخذ استراحة محارب، كأس شاي ترشفه على مهل وهي جالسة تحت الغطاء. فالجو بارد والطقس شتاء. هل في هذا خزي أو جريمة؟ أليس حقا مكتسبا بعد كل هذا العناء؟ لكن ما هي إلا رشفتان حتى دخل زوجها كالثور المهتاج، فهاج وماج، وصاح بها أنها "لا تبل ولا تعل، دائما باركة كالجمل". سامحوني على إقحام هذه اللهجة العامية لكني أحببت أن أنقل لكم كلماته كما هي، بل تقيؤه البغيض على زوجه البريئة لتتخيلوا حجم الضرر الذي لحق بتلك القارورة المسكينة. قارورة مكسورة تطايرت شظاياها ونزفت جراحها دموعا كالوديان. ما هذا اللؤم والشؤم والخذلان؟ ما هذا الظلم والبهتان؟ أين كان هذا الفظ الغليظ حين كنت أجاهد وحيدة وأصاول في بيتي مصاولة الفرسان؟ أين كان هذا الكنود الجحود حين كنت أقوم بألف عمل في كل حين وآن؟ أحسدني على شجرة أستظل بها قليلا ثم أواصل مسيرتي المتعبة؟ أيلومني فقط لأني امرأة؟

وانخرطت في بكاء هستيري لكأنما دموعها تدفقت من معين لا ينضب. لم تكن من النوع الذي يبكي كثيرا فقد جعلتها الحياة وكثرة المسؤوليات والخيبات إنسانة قوية وصلبة ومتماسكة. لكن عديم الحياء والمروءة أخرج الطفلة الصغيرة المختبئة بين جوانحها وتركها تبكي وتندب حظها ويتمها. أهذا سندها في الحياة؟ أهذا رفيقها إلى دار الآخرة؟ أهذا أب طفليها؟ كل هذا فقط لأنها لم تخرج اللحم من الثلاجة كي يتسنى له إعداد طبقه المفضل؟ وقد أخبرته أنها صنعت حساءا بالخضر. أتكسرني من أجل معدتك؟ ألا قبحك الله من رجل سوء.

مرت العاصفة بلا سلام ولا كلام. وفي المساء جاء الزوج فوضع بين يدي زوجته مائدة صغيرة وقرّب إليها صحنا من الكسكسي وكذا فعل لابنيه. طعم الولدان والأب، أما الأم فلم تصل إلى فيها ملعقة واحدة. وسرعان ما قامت وذهبت لفراشها علها تغيب في نوم ينسيها كسورها وأجزاءها المبعثرة. لم يتبعها ولم يضمد جراحها ولا قام بإضراب جوع حتى تأكل... فجمع إلى الغلظة البلادة والغرارة. وغاب عنه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة.

رفقا بالقوارير

لا يكرمهن إلا كريم

لا يهينهن إلا لئيم

استوصوا بالنساء خيرا

خيركم خيركم لأهله

وأنا خيركم لأهلي

اللهم هداية!

الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2016

عائشة (3)



الساعة وما أدراك ما الساعة. كان للوقت قيمة ثمينة جدا في بيت جدتي. كل شيء بميقات معلوم. توقظنا في الساعة السادسة والنصف، وإذا أتعبناها في النهوض كانت تنزع عنا الغطاء وتدعنا للسعات البرد تلدغ أجسادنا وتطرد عنا بقايا النوم والخمول. كنا نعجب من بساطة هذه الحيلة ونجاعتها. فيا أيتها الأمهات المجاهدات في الثغور، لقد جئتكم بترياق للكسل عجيب، افتكوا من أولادكم الغطاء، يبعثوا من أسرتهم كما يبعث الموتى أحياءً من القبور. ويقولون هات المحفظة والطبشور.

أما وقد أفسدت علينا جدتنا لذة الدفء والنعاس فلا مناص من ترك الفراش برضا أو بامتعاض. كانت دائما تسخن لنا قدرا من الماء في الشتاء نغسل به وجوهنا ثم نستقبل الميدعة والمحفظة والحياة. الخروج في السابعة والربع لا نستقدم عنها ساعة ولا نستأخر. فالمدرسة قريبة وكنا نصل إليها في الوقت دونما عناء ولا استعجال. فلا تأخير أبدا بل هو ضرب من المحال. وحين نعود إلى البيت في العاشرة نجلس قليلا إلى طاولة المطبخ الطويلة المستطيلة. تلك التي تستقبل صحون الطعام كما تستقبل الكتب والكراسات وبعض المسرحيات. صور أميرات ورجال نقتطعها من قصص السلسلة الخضراء (بعد أن قرأناها عشرات المرات) ثم نقيمها منتصبة في سلة الغلال. بين ليمونة وتفاحة تجد أميرة يافعة أو طفلة ضائعة تحركها أصابع صغيرة وتجعل لها أصواتا وضحكات وتساؤلات. 

أما الغداء فنتناوله دائما في الحادية عشرة والنصف والويل لمن لا تكمل صحنها. كنا رقيقتين دقيقتين فلا مجال للتهاون في طعامنا. أما الخروج ففي الساعة الثانية عشرة والربع مما يبقي لنا ربع ساعة لنلتحق بالصف. ينتهي يومنا في الثالثة ولا يجوز لنا أن نقف على باب جدتي بعد الثالثة والربع وإلا فمصير سندرلا ينتظرنا. كما يتحول ثوبها الفاخر إلى أسمال بالية وعربتها الفخمة إلى قرعة يابسة بائسة، كذا تتحول جدتنا الحنون إلى عجوز حيزبون. فاللوم ثم التقريع ولا مجال للفرجة في الصور المتحركة. بل أنتما ستصيران صورا غير متحركة تلتصقان بالكرسي في المطبخ وتراجعان دروسكما، مفهوم؟

لم نعش في حياتنا بنظام أبدا كما عشنا في تلك الأيام. النوم والاستيقاظ، الخروج والدخول، الطعام والشراب، المراجعة والراحة بل حتى "الأعياد" الاستثنائية، كل شيء بقدر معلوم وفي كتاب موقوت. فمثلا لم يكن يسمح لنا باللعب خارج البيت مع أقراننا إلا في مناسبتين أو ثلاث. كما لم يكن يسمح لنا السهر ليلا بعد الساعة التاسعة إلا في الحلقة الأخيرة من ذاك المسلسل المكسيكي "أنت أو لا أحد"، حيث تركتنا جدتي نسمر معها قليلا ونسترق النظر إلى الشاشة العجيبة. فخبروني بالله عليكم أين هذا من ما يحدث اليوم في البيوت؟ كل شيء مطلق بلا قيود. الصغير والكبير ومن لا يزال يزحف على الحصير يتفرجون في سلطان وحريمه بحلاله وحرامه. أين هذا الانضباط من اللذين يأكلون في أرجاء البيت كلها ومتى شاؤوا وأنى شاؤوا وكيفما أرادوا واشتهوا. أين هذا من الأولاد الذين يسهرون أكثر من آبائهم ويأكلون حتى يملوا ويتسكعون حتى يكلوا ويثرثرون ويهضبون ولا يكادون يتعبون. ثم إذا أنت دعوتهم  إلى ساعة جد أو دراسة صاروا يتململون ويتذمرون ويتكاسلون.

لكنها عائشة، جدتي عائشة بحزمها وعزمها، بحبها وحنانها، بجدها ووجدها، تلك التي كانت تلفنا في الغطاء حين نراجع دروسنا بالمطبخ في ليالي الشتاء. تلك التي كانت تشفق على أجسادنا الصغيرة أن يخزها برد الكراسي، تلك التي تسعى جاهدة لتوفر لنا أسباب النجاح والتميز، تلك الأمية التي لم تتركها عصبية الأب الجاهل في تلك العصور الكافرة أن تتنور بنور العلم، تلك التي تحب الإذاعة وتكره التلفاز لأن السكري أذهب قوة نظرها الثاقب. عائشة التي توازن بين الحزم واللين فلا تشد الحبل حتى ينقطع ولا تتركه  فيتداعى في الأرض،  فتدعنا نتفرج أحيانا في تلك السلسلة الفرنسية وبطلها الخارق "ماك قايفير" بل تتفرج معنا وهي تترشف قهوتها وتبتسم لفرحنا. جدتي هي تلك التي تصنع لنا الطعام وتسهر على راحتنا والناس نيام. حتى أني لا أذكر يوما أني مرضت عندها. وحين يأتي جدي في نهاية الأسبوع فتلك إذن قصة أخرى...

قد مضت تلك الأيام الخوالي وطُوي بساطها لكنني مازلت أذكركِ وأذكرها. جدتي عائشة، يا ضحوك السن، يا بسامة العشيات، يا هاشة إلى الضيف، يا كريمة كرم الغيث، يا من عاشت صغيرة اليتم والفقر ثم تجرعت كبيرة غصص القسوة والقهر، يا عائشة الخير، يا من كانت حين نزورها تخبأ لنا حفنات اللوز وشيئا من البرتقال والموز. يا جدتي الحانية الحازمة، يا من لا تحسن القراءة ولا الكتابة ولا تعرف النت ولا تسمع هراء التنمية البشرية، لكنها أستاذة فوق جامعية في فن تربية الأطفال وحفظ الأمانة وحس المسؤولية. رحمك الله يا غالية وجمعنا بك في جنة عالية. وعسى أن يكون ربي قد أبدلك أهلا خيرا من أهلك فوالله ما وفّيناك حقك وإنا لله وإنا إليه راجعون.