الخميس، 1 ديسمبر، 2016

لعل لها عذرا وأنتَ تلومُ



اليوم يوم راحتها... من العمل خارج البيت، أما داخله فشُدّ المؤزر وحي على الجهاد. أكوام من الثياب تحتاج إلى غسل ونشر فجمع وطي وعَود إلى الرفوف. الأرضية تحتاج إلى كنس فغسل ومسح مع الحرص على رفع الزرابي وكل العقبات ثم إرجاعها إلى مكانها. أما المطبخ والطبيخ فلا تسل عن أصنافه وألوانه وأهواله. فأنت إذا أردت أن تنسى نفسك وأولادك ثم الزمان والمكان فعليك بالخضر واللحم والسكين لا مثيل لهم كسجان. زد عليه نفض الغبار وتلميع زجاج النوافذ والمرايا وما لا حصر له من الأعمال التي يطول شرحها ويمل الإنسان فقط لذكر اسمها. فدعونا منها.

أما الولد والبنت فلا مناص من الاهتمام بأكلهما وشربهما ولباسهما وفض ما شجر بينهما من عراك على لعبة أو ممحاة. قضت معهما الدقائق والساعات تلاعبهما وتمدح إنجازاتهما الصغيرة وتصيح من أفعالهما الكبيرة وتفننهما في الرسم على الجدران والساحات. مثلت دور المجنونة والمفتونة والمعلمة والممرضة والمهرجة والمصارعة والطفلة والكهلة والرجل والمرأة. فمرة تبسط ومرة تقبض وأخرى ترغي وتزبد، لم تتعلم في المدرسة معنى أن تكون أما. هذه مهنة ليس لها شهائد وجامعات إنما هو الجد والكد والبحث والاجتهاد.

وبعد أن أنهكتها أعمال البيت اللا متناهية وطلبات الصغيرين المتهافتة وبعد أن أعياها الوقوف أمام الموقد لساعات و شيّبها غسل الصحون المتوالدة والبقع العنيدة فوق الميدعات، بعد كل هذا الجهاد، تذكرت أن لنفسها عليها حقا، فأحبت أن تأخذ استراحة محارب، كأس شاي ترشفه على مهل وهي جالسة تحت الغطاء. فالجو بارد والطقس شتاء. هل في هذا خزي أو جريمة؟ أليس حقا مكتسبا بعد كل هذا العناء؟ لكن ما هي إلا رشفتان حتى دخل زوجها كالثور المهتاج، فهاج وماج، وصاح بها أنها "لا تبل ولا تعل، دائما باركة كالجمل". سامحوني على إقحام هذه اللهجة العامية لكني أحببت أن أنقل لكم كلماته كما هي، بل تقيؤه البغيض على زوجه البريئة لتتخيلوا حجم الضرر الذي لحق بتلك القارورة المسكينة. قارورة مكسورة تطايرت شظاياها ونزفت جراحها دموعا كالوديان. ما هذا اللؤم والشؤم والخذلان؟ ما هذا الظلم والبهتان؟ أين كان هذا الفظ الغليظ حين كنت أجاهد وحيدة وأصاول في بيتي مصاولة الفرسان؟ أين كان هذا الكنود الجحود حين كنت أقوم بألف عمل في كل حين وآن؟ أحسدني على شجرة أستظل بها قليلا ثم أواصل مسيرتي المتعبة؟ أيلومني فقط لأني امرأة؟

وانخرطت في بكاء هستيري لكأنما دموعها تدفقت من معين لا ينضب. لم تكن من النوع الذي يبكي كثيرا فقد جعلتها الحياة وكثرة المسؤوليات والخيبات إنسانة قوية وصلبة ومتماسكة. لكن عديم الحياء والمروءة أخرج الطفلة الصغيرة المختبئة بين جوانحها وتركها تبكي وتندب حظها ويتمها. أهذا سندها في الحياة؟ أهذا رفيقها إلى دار الآخرة؟ أهذا أب طفليها؟ كل هذا فقط لأنها لم تخرج اللحم من الثلاجة كي يتسنى له إعداد طبقه المفضل؟ وقد أخبرته أنها صنعت حساءا بالخضر. أتكسرني من أجل معدتك؟ ألا قبحك الله من رجل سوء.

مرت العاصفة بلا سلام ولا كلام. وفي المساء جاء الزوج فوضع بين يدي زوجته مائدة صغيرة وقرّب إليها صحنا من الكسكسي وكذا فعل لابنيه. طعم الولدان والأب، أما الأم فلم تصل إلى فيها ملعقة واحدة. وسرعان ما قامت وذهبت لفراشها علها تغيب في نوم ينسيها كسورها وأجزاءها المبعثرة. لم يتبعها ولم يضمد جراحها ولا قام بإضراب جوع حتى تأكل... فجمع إلى الغلظة البلادة والغرارة. وغاب عنه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة.

رفقا بالقوارير

لا يكرمهن إلا كريم

لا يهينهن إلا لئيم

استوصوا بالنساء خيرا

خيركم خيركم لأهله

وأنا خيركم لأهلي

اللهم هداية!

الثلاثاء، 15 نوفمبر، 2016

عائشة (3)



الساعة وما أدراك ما الساعة. كان للوقت قيمة ثمينة جدا في بيت جدتي. كل شيء بميقات معلوم. توقظنا في الساعة السادسة والنصف، وإذا أتعبناها في النهوض كانت تنزع عنا الغطاء وتدعنا للسعات البرد تلدغ أجسادنا وتطرد عنا بقايا النوم والخمول. كنا نعجب من بساطة هذه الحيلة ونجاعتها. فيا أيتها الأمهات المجاهدات في الثغور، لقد جئتكم بترياق للكسل عجيب، افتكوا من أولادكم الغطاء، يبعثوا من أسرتهم كما يبعث الموتى أحياءً من القبور. ويقولون هات المحفظة والطبشور.

أما وقد أفسدت علينا جدتنا لذة الدفء والنعاس فلا مناص من ترك الفراش برضا أو بامتعاض. كانت دائما تسخن لنا قدرا من الماء في الشتاء نغسل به وجوهنا ثم نستقبل الميدعة والمحفظة والحياة. الخروج في السابعة والربع لا نستقدم عنها ساعة ولا نستأخر. فالمدرسة قريبة وكنا نصل إليها في الوقت دونما عناء ولا استعجال. فلا تأخير أبدا بل هو ضرب من المحال. وحين نعود إلى البيت في العاشرة نجلس قليلا إلى طاولة المطبخ الطويلة المستطيلة. تلك التي تستقبل صحون الطعام كما تستقبل الكتب والكراسات وبعض المسرحيات. صور أميرات ورجال نقتطعها من قصص السلسلة الخضراء (بعد أن قرأناها عشرات المرات) ثم نقيمها منتصبة في سلة الغلال. بين ليمونة وتفاحة تجد أميرة يافعة أو طفلة ضائعة تحركها أصابع صغيرة وتجعل لها أصواتا وضحكات وتساؤلات. 

أما الغداء فنتناوله دائما في الحادية عشرة والنصف والويل لمن لا تكمل صحنها. كنا رقيقتين دقيقتين فلا مجال للتهاون في طعامنا. أما الخروج ففي الساعة الثانية عشرة والربع مما يبقي لنا ربع ساعة لنلتحق بالصف. ينتهي يومنا في الثالثة ولا يجوز لنا أن نقف على باب جدتي بعد الثالثة والربع وإلا فمصير سندرلا ينتظرنا. كما يتحول ثوبها الفاخر إلى أسمال بالية وعربتها الفخمة إلى قرعة يابسة بائسة، كذا تتحول جدتنا الحنون إلى عجوز حيزبون. فاللوم ثم التقريع ولا مجال للفرجة في الصور المتحركة. بل أنتما ستصيران صورا غير متحركة تلتصقان بالكرسي في المطبخ وتراجعان دروسكما، مفهوم؟

لم نعش في حياتنا بنظام أبدا كما عشنا في تلك الأيام. النوم والاستيقاظ، الخروج والدخول، الطعام والشراب، المراجعة والراحة بل حتى "الأعياد" الاستثنائية، كل شيء بقدر معلوم وفي كتاب موقوت. فمثلا لم يكن يسمح لنا باللعب خارج البيت مع أقراننا إلا في مناسبتين أو ثلاث. كما لم يكن يسمح لنا السهر ليلا بعد الساعة التاسعة إلا في الحلقة الأخيرة من ذاك المسلسل المكسيكي "أنت أو لا أحد"، حيث تركتنا جدتي نسمر معها قليلا ونسترق النظر إلى الشاشة العجيبة. فخبروني بالله عليكم أين هذا من ما يحدث اليوم في البيوت؟ كل شيء مطلق بلا قيود. الصغير والكبير ومن لا يزال يزحف على الحصير يتفرجون في سلطان وحريمه بحلاله وحرامه. أين هذا الانضباط من اللذين يأكلون في أرجاء البيت كلها ومتى شاؤوا وأنى شاؤوا وكيفما أرادوا واشتهوا. أين هذا من الأولاد الذين يسهرون أكثر من آبائهم ويأكلون حتى يملوا ويتسكعون حتى يكلوا ويثرثرون ويهضبون ولا يكادون يتعبون. ثم إذا أنت دعوتهم  إلى ساعة جد أو دراسة صاروا يتململون ويتذمرون ويتكاسلون.

لكنها عائشة، جدتي عائشة بحزمها وعزمها، بحبها وحنانها، بجدها ووجدها، تلك التي كانت تلفنا في الغطاء حين نراجع دروسنا بالمطبخ في ليالي الشتاء. تلك التي كانت تشفق على أجسادنا الصغيرة أن يخزها برد الكراسي، تلك التي تسعى جاهدة لتوفر لنا أسباب النجاح والتميز، تلك الأمية التي لم تتركها عصبية الأب الجاهل في تلك العصور الكافرة أن تتنور بنور العلم، تلك التي تحب الإذاعة وتكره التلفاز لأن السكري أذهب قوة نظرها الثاقب. عائشة التي توازن بين الحزم واللين فلا تشد الحبل حتى ينقطع ولا تتركه  فيتداعى في الأرض،  فتدعنا نتفرج أحيانا في تلك السلسلة الفرنسية وبطلها الخارق "ماك قايفير" بل تتفرج معنا وهي تترشف قهوتها وتبتسم لفرحنا. جدتي هي تلك التي تصنع لنا الطعام وتسهر على راحتنا والناس نيام. حتى أني لا أذكر يوما أني مرضت عندها. وحين يأتي جدي في نهاية الأسبوع فتلك إذن قصة أخرى...

قد مضت تلك الأيام الخوالي وطُوي بساطها لكنني مازلت أذكركِ وأذكرها. جدتي عائشة، يا ضحوك السن، يا بسامة العشيات، يا هاشة إلى الضيف، يا كريمة كرم الغيث، يا من عاشت صغيرة اليتم والفقر ثم تجرعت كبيرة غصص القسوة والقهر، يا عائشة الخير، يا من كانت حين نزورها تخبأ لنا حفنات اللوز وشيئا من البرتقال والموز. يا جدتي الحانية الحازمة، يا من لا تحسن القراءة ولا الكتابة ولا تعرف النت ولا تسمع هراء التنمية البشرية، لكنها أستاذة فوق جامعية في فن تربية الأطفال وحفظ الأمانة وحس المسؤولية. رحمك الله يا غالية وجمعنا بك في جنة عالية. وعسى أن يكون ربي قد أبدلك أهلا خيرا من أهلك فوالله ما وفّيناك حقك وإنا لله وإنا إليه راجعون.



الأربعاء، 9 نوفمبر، 2016

بلاد العُهر أوطاني




في بلاد العُهر التي كانت قبل تسمى دار الإسلام ترى قناة الشعب الممولة بمال الشعب تحارب دينه وتسخر بعقيدته وتهزأ بأخلاقه وتستبيح عرضه وماله وولده ! كل يوم مشاهد لنساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، مسابقات في الجمال وأخرى في السينما والخيال، زعموا. أما الفن فمصيره الاغتيال، أما الذوق فلن تجده محال، أما الجديد فلا جديد وإنما هو التقليد الأعمى الأصم المقيت. كأنه لا خالق ولا حسيب ولا رقيب. كأنه لا إله في هذا البلد السعيد. كأن الله وربي كلمات يعيدونها فقط من باب التقليد، يمضغونها وليس لها في قلوبهم معنى أو صدى. هي كلمات وكفى. من منا يعرف الله؟ من منا يعيش مع الله؟ من منا يوقر خالقه؟ حتى إذا مات أحد فنانيهم وهو في "أوج العطاء" لم يخافوا ولم يعتبروا ولم ينتهوا عما يفعلون، فقد غاب الوازع وألقى منسأته لتأكلها دابة الأرض وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قد كنت في صغري أعشق الإذاعة التونسية باللغة الفرنسية أستمع إلى دنيا الشاوش بصوتها الجميل وحيويتها ونشاطها وأحلم بأن أصبح منشطة إذاعية ناجحة مثلها طبعا إلى جانب عملي كطبيبة أو سائقة طائرة. ولعلي جهرت بحلمي هذا مرة أمام أمي فقالت لي ويحك يا بنية، أما علمت أن هذا الميدان فاسد متعفن؟ في الحقيقة قالتها أمي بالفرنسية، قالت لي: "c’est un milieu pourri". فلم أكن أصدق لا من باب تكذيب والدتي لكني فعلا لم أكن أتخيل معنى هذا الكلام. ثم كبرت وعلمت ما لم أكن أعلم. وليتني ما علمت ولا رأيت ولا سمعت ولا دريت. أذكر أن التلفزة الوطنية كانت تحافظ على حد أدنى من الزي اللائق للمذيعات والفنانات إلى حدود ما قبل الثورة بقليل. ثم جاءت علياء بلعيد ترقص وتقفز في آخر سهرات العام البنفسجية في زي كاشف فاضح مخزي فنقمت عندها أشد نقمة، ما هذه الصفاقة؟ ألم يعودوا يكلفوا أنفسهم حتى عناء الستر والتمويه؟ صار العهر والعري جهارا نهارا؟ ثم جاء طوفان الثورة في أجمل أيامها فأتى على الأخضر واليابس وسرعان ما ... تتالت الأيام والأعوام واتسعت رقعة الشيطان في كل مكان. أصبح الشذوذ مثلية والإلحاد في شاشاتنا حرية والراقصات في كل شاشة عربية يحتفلن بالسنة الجديدة الإدارية

ثم صارت "الفنانات" يأتين بلا مجاملات في بضع سنتيمترات من القماش الشفاف وأطنان من مساحيق الزينة فيغنين ويرقصن ويتغنجن كالعاهرات أمام مرأى ومسمع من المشاهدين والمشاهدات. ويسلم عليهن المنشط كما يسلم الواحد منا على أخته وأخيه، ويتبسطن في الكلام ويقلبن المعاني ويخلطن حراما بحرام. لم تعد أجواء الفنانين الفاسدة الماجنة حكرا على أشكالهم من الببغاوات والطيور، فقد اقتحمتها عدسات المصورين والصحفيين التافهين ثم اقتحمت علينا بيوتنا ونشرتها أمام الملأ وكنا في غنى عن مثل هذا الكلأ الذي لا يسرح في ذفره إلا الهوام والأغنام. فإلى أي قاع انحدرنا ومتى تتوقف هذه السفينة المجنونة عن الدوران في موج متلاطم من الرداءة والبذاءة والوقاحة؟

في بلاد العُهر أصبحت الثقافة سينما ومسرح ورقص وغناء وبضع لوحات تافهة معلقة في سيدي بو سعيد الأغنياء. في بلاد القبح صار صافي سعيد فريد عصره في الثقافة وألفة يوسف فيلسوفة زمانها ويوسف صديق نبيا مرسلا وتوفيق بن بريك كاتبا مميزا وناجي جلول وزيرا ناجحا ومجددا وبورقيبة بطلا خارقا وزعيما خالداأما جهابذة الفلسفة والكتابة كأبي يعرب المرزوقي فلن تسمع عنهم في الإذاعة ولن تفرح برؤيتهم في التلفزة إلا قليلا قليلاأما الطاهر بن عاشور والخضر حسين فلن تجد ريح ذكرهم في أي مكانوكذا الكتاب ليس له تغطية إعلامية ولا عنوان إلا إذا كان كاتبه تافها بذيئا متحذلقا. وإن لي أختا وصديقة في الله، خولة حمدي، نجحت كتاباتها عربيا ولم يقع تكريمها ولا تعريف الجمهور بها في تونس وهي على صغر سنها قد أصدرت ثلاث روايات يتسابق القراء في اقتنائها فأين العناية بالثقافة والشباب والقطط المشردة؟

لمَ يهدرون المليارات في مهرجان للسينما والناس جياع؟ وما رأينا من فنهم إلا ديوثين أو مخنثين أو ناقصات عقل وذوق ودين يسعين كالأفاعي على بساط احمر وجهه غضبا لدين الله، على بساط بلون الدماء، بلون الحياء الذي قدم قربانا بين يدي الفن العاهر والهراء، بلون الشرف الذي بيع بدراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. وليتهم قدموا فنا جميلا وذوقا سليما ثم تبختروا على بساط الدنيا الفاني لكنهم كعادتهم لا يقلدون الغرب إلا في القشور التي لا تغني فتيلا، ولا تزيد في صرح الثقافة السامية كثيرا أوقليلا. إنما هي معاول هدم وتخريب وتشويه وإفساد. فمن لي بهذا الفساد؟

إنه زمن الرداءة ثم البذاءة بل الكفر الصُرَاح والعُهر المباح، إنه زمن كثر فيه اللغط والنباح، فالله الله في الفن الدقيق والأدب الرقيق، أغيثونا بكاتب صادق أومخرج حاذق، ارفعوا عنا هذا البلاء الماحق، ارحموا الطفولة والشباب الصاعد يرحمنا ويرحمكم الله !

"وإلف القبيح متلفة للإحساس والعقل جميعا" 
محمود محمد شاكر


الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

عائشة (2)



عجبا لبني البشر كم نعشق التغيير منذ الصغر. عجبا لذاك العام السعيد، لذاك العيد الذي يأتي مرة في العمر. عيد ما بين عمرين، عمر حياتنا بالمدينة وعمرنا الذي عشناه في بيتنا الجديد بعيدا في الأرياف. لا أدري ما هي الملابسات التي جعلت أبواي وأختاي الكبرى والصغرى ينتقلون جميعا إلى مملكتنا الجديدة البعيدة في حين تأخرت أنا وأختي التوأم حولا عن الركب. ربما أرادت أمي أن نواصل تعليمنا كالعادة في مدرستنا بنهج إسبانيا. لذلك قضينا عاما دراسيا في بيت جدتي لأمي عائشة، قرة عيني، الحبيبة إلى قلبي، تلك التي فُجعت بفقدها  ذات صيف بعد زواجين وختان، يوما قبل شهر رمضان.

كنا أنا وأختي في السنة الرابعة ابتدائي وكانت لنا نوبتان في اليوم. الأولى في العاشرة صباحا والثانية في الساعة الثالثة بعد الزوال وهكذا ينتهي اليوم الدراسي على الساعة الخامسة. كان هذا دأبنا في السنين الماضية حتى جاء خالي بصرامته ونشاطه وقرر أن "مضى زمن النوم يا خديجة" وأن عهد الكسل والدلال قد انتهى فحولنا إلى النوبة الصباحية الأولى.

لم نكن أبدا راضيتين عن الوضع، ولعلنا حاولنا الاستنجاد بأمي، لكن شقيقها الأصغر كانت له الكلمة النافذة على مصيرنا. كما أجبرنا قبلها على أكل خبز مدهون بالزبدة ومقطع إلى أجزاء صغيرة تسبح في كأس حليب بارد مع قهوة ناقصة السكر. وكنا لا نطيق أكل الزبدة ولا الجبن ولا مشتقات الحليب بأنواعها. بل نفضل الموت على أن نضع في أفواهنا ولو شفافة صغيرة منها لكنه خالي بحبه وجبروته وتعنته فمرة يضجعنا إلى جنبه ويرسم لنا أبطال الصور المتحركة ومرة يجبرنا على تجرع علقم الزبدة المغموسة في الحليب البارد! الدرس الوحيد الذي استفدته من هذه التجربة أنني أستطيع أن آكل الزبدة ولا أموت!

لم نكن راضيتين في البداية لكننا سرعان ما تعودنا على النظام الجديد وأحببناه وعجبنا لحالنا قبله. ما أجمل النهوض باكرا، اليوم الدراسي ينتهي في ساعة مبكرة، أليس هذا جميلا؟ وفي الشتاء حين يصير اليوم قصيرا قصر الذاكرة البشرية وسرعان ما تستطيل الظلال وتصير إلى أشباح هائمة في الظلام نكون نحن مستمتعتين بدفء البيت وحضن جدتنا وقهوتها اللذيذة. ما أجمل النشاط والحيوية. كيف عشنا قبلها في العصور الحجرية؟ نستيقظ حين تسكت العصافير ونراجع دروسنا في ساعة متأخرة. شكرا يا خالي حبيب، شكرا أيها الخال الحبيب.

الثلاثاء، 1 نوفمبر، 2016

عائشة (1)




من صور طفولتي التي لا أنساها دموع أمي وهي تطالع بيتنا الكبير وقد صارت حيطانه عارية وأرضه خاوية، دارت عليه رحى القدر فتركته بلقعا تصفر فيه الريح. بكت أمي كثيرا وحُق لها أن تبكي فقد أخرجوها من البيت الذي صبرت على سقفه المترهل وجاهدت الشتاء تلو الشتاء لتحمينا من قطرات المطر المتدفقة من بين الشقوق. بكت لأنهم أخرجوها من بيتها القريب لمعهدها الذي تدرس فيه، لمدرسة بناتها، للمسجد، للمكتبة، للمخبزة، للصيدلية، لبيت أمها وأبيها، لبيت أختها وأخيها. لم يكن مجرد بيت، كان وطنا بخيره وشره.

وعدها أبي بأن يرممه ويبني لها طابقا جميلا واسعا أنيقا فوقه. وكيف لا ومهنته البناء والتشييد. ألم يكن مقاولا فذا؟ بلى إذن سيحقق حلمها. بيت جديد في قلب المدينة في نبض الحياة. لن تحتاج  أبدا إلى مواصلات. ساقاها تحملانها حيثما أرادت واشتهت فكل شيء قريب.

كنت يافعة فلم أفهم عندها ولا إلى يوم الناس هذا ماذا حصل بالضبط حتى وجدنا أنفسنا خارج بيتنا المستأجر. سمعت الكبار يتحدثون عن مؤامرة مدبرة لأن البيت موقعه استثنائي ومساحته شاسعة فكانت أفئدة من الناس تهوي إليه وقد أثار مطامع البعض فاحتال علينا وأخذنا على حين غرة. وما هي إلا طرفة عين حتى وجدتنا نجمع أغراضنا ونرتحل...

كفكفوا دموعكم فهذه ليست قصة لاجئة فلسطينية. فما خرجنا من بيت الناس إلا لنسكن في بيت أبي، بل في قصره، بل في مملكته التي شيدها على بعد أميال من المدينة وبضع دموع. كأنما أراد أن يبتعد عن الأنظار، لم اختار لنا هذا العنوان؟ فلم نعد نحسن الذهاب إلى أي مكان إلا بنقل يسمونه ريفيا أو تاكسي أو حافلة مكتظة بالأنام. لم يا أبي أخرجتنا من "مناطق العمران"؟ المدرسة بعيدة ولا أضواء في الطريق ولا طريق! ولا وجه مألوف ولا صديق.

لكنني في البداية كنت سعيدة جدا بهذا التغيير. بل كان قلبي يختلج بين أضلعي من الإثارة فعجبت لدموع أمي. ماذا لو صار بيتنا أفرغ من فؤاد أم موسى، قد أبدلنا الله خيرا منه. انظري للبيت القديم ما أجمله وهو خاوٍ. كنت منبهرة بهذا المشهد المهيب. عملية جمع الأغراض والغرف التي كانت تفرغ عن آخرها الواحدة تلو الأخرى وكل الأشياء التي لم أكن أعلم بوجودها أو تلك التي لم أعرف مخبأها أو لم يكن يحق لي لمسها، كل شيء صار أمامي، كل الأبواب فتحت وكل الأسرار كشفت وكل الأستار هتكت ولم يبق إلا الفراغ العظيم. كنت أعيد اكتشاف البيت القديم وأتطلع بأعين حالمة إلى ما يخفيه لنا المستقبل من مفاجآت.

لم أعلم بالمعاناة... معاناة الطريق الطويل نحو المدرسة، معاناة أصحاب السوء وتأثيرهم على سذاجتنا المرفهة، سذاجة بنات المدن التي اصطدمت بخشونة الريف أو ما يشبه الريف. أن تكون ابنة المقاول التي تقطن في ذاك "القصر"، أن تلعب دور الطفلة البورجوازية وتسرد على الناس القصص التي يحبون أن يسمعوها لأنهم لا يصدقون غيرها. لا يصدقون أن أباك يعاملك معاملة خشنة ولا يريد لك أن تتميزي إلا بنتائجك الدراسية.

لكن "ما بين القصرين"، قصر المدينة وقصر الريف، هناك "قصر الشوق"، الشوق الكبير إلى أعين عائشة، وابتسامة عائشة وحزم عائشة. ما أجمل تلك الأيام!

الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

عجبا لأمر المؤمن



قد يأتي عليك يوم تقضي معظم ساعاته بين الفراش ودورة المياه، إسهال لعين أو جرثومة خبيثة تبث فيك سمومها فتُصير جسدك رمة بالية بالكاد تتحرك. فأنت بين الإسهال والشعور بالغثيان، تعتريك رعدة لا تنفع معها أكوام الغطاء الملقاة على كاهلك، ستظل ترتعش وتنتفض كعصفور جريح. وقد يلازمك الصداع طول الوقت فيضيف إلى همومك هما جديدا. لا تذوق طعاما ولا شرابا إلا كحسو الطائر. ستجدك غير قادر حتى على الصلاة إلا وأنت جالس تنساب الدموع من عينيك لهوانك وضعفك وقلة حيلتك

وقد يأتي عليك يوم تصعد في المصعد الجبلي فتطل من علٍ بل من شاهق على غابات خضراء وشلالات عذراء، لكأنك اخترقت شاشة التلفاز وهي على الناتيونال جيوغرافيك، مناظر خلابة  تأسر الفؤاد. ثم تشرب عصيرا مع النمر الأبيض لا يفصل بينكما إلا زجاج رقيق فتراه كيف يسبح في الماء وكيف يتثاءب ويتمطى وقد يمر بجانبك ولا يراك. ثم تركب ظهر فيل وترى رقص أذنيه وهو يتوغل بك في بحر أخضر من الأشجار والأغصان ثم تسلك طريقا جبليا ومازلت تصّعد فيه حتى تصل إلى أعظم وأجمل وأروع شلال رأته عيناك فتسبح تحته مباشرة وتحس بوقع الماء فوق كتفيك، تدليك مبارك لا شرقي ولا غربي. إنما هي الطبيعة تداعبك وتمسح على وجهك ويديك وتشق سمعك وبصرك وتستحوذ على مجامع قلبك وتأخذ بتلابيب عقلك فتتساءل عن الجنة كيف تكون إذا كانت هذه حدائق الدنيا ومباهجها وأعاجيب جبالها وبحارها وبدائع جزرها وأنهارها.

ثم لا يزال العرض مستمرا حين يشق بك قارب صغير زرقة بحر جميل ثم ترى نفسك تسبح في السماء لا يربطك بالأرض إلا حبل وثيقفتتأرجح في الهواء وتود أن تطير بجناحين وتضحك من خوف مرافقك ثم تنزل لتجد أخا لك في الإنسانية بل في الإسلام قد خلد تلك اللحظات بصور فوتوغرافية لا تضاهي ما حفر في قلبك من ذكريات أبدية. كل هذا في يوم واحد؟ بل في صباح واحد لترى بعينك كرم الله وتسمع بأذنك جوده سبحانه وتشم بأنفك شذى عطائه وتحس بقلبك حبه وتلمس بيدك فضله وإحسانه. صباح عنوانه 


"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ"
ومصداقه 

"إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"

وتبيانه
"إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا"

فجعل مع العسر الواحد يسرين!

هذه هي الحياة ... حياة المؤمن.

قال من لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه:

"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سرّاء شكر ؛ فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ؛ فكان خيراً له" . رواه مسلم

فاللهم اجعلنا من الصابرين الصبر الجميل والشاكرين شكر السمع والطاعة والتسليم.



الخميس، 13 أكتوبر، 2016

أباطيل وأسمار 3



-         أونسيت حبك للعربية عندما كنت تلميذة في الثانوية؟ لولا مناهج التعليم التي عزلَتْها عن المواد العلمية لما انقطع حبل الوصال بينكما.
-         بلى. كان فراقا طويلا ومريرا لم أتنبه لمدى خطورته. كانت عودتي إلى العربية كعودة المغترب إلى قرية طفولته التي فارقها منذ عشرين سنة وصار يمشي في أزقتها وبالكاد يتعرف على معالمها ولولا ما وجدته من حلاوة الكتب الدينية وخلابة الأحاديث النبوية لما عاد للغتي ذاك الوقع في قلبي. فيا له من تغريب.
-         فعلا إنه التغريب والاستعمار ولا من تحذير أو استنكار.
-         أتعلمين؟ كنت أحيانا آسف لأن فرنسا استعمرتنا وليس الأنجليز. على الأقل كنا سنستفيد من إتقان أول لغة في العالم وأكثرها نفوذا. كنا سنتفرج في الأفلام الأمريكية في لغتها الأصلية، يا للأسف.
-         مه كفاك سخفا وتمييعا للقضية. الأمر جد وليس بهزل. ما كان أغنانا عن فرنسا والانجليز وأهل الأرض جميعا. ليتهم لم يخربوا علينا ديارنا وعقولنا جيلا بعد جيل، حتى صيرونا مسخا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وغربونا عن لغتنا وديننا وثقافتنا. فما عدنا نحسن نقول جملة دون حشرها بألفاظ الأعاجم. الكل يتحدث ويكتب بنفس اللغة أو يكاد إلا نحن معشر العرب؟ أرأيت الشرخ العظيم بين عاميتنا التونسية وعربيتنا الفصحى؟
-         وإنها لعاميات تختلف باختلاف البلاد من المحيط إلى الخليج، بل إنها عاميات ولهجات في نفس البلد، ظلمات بعضها فوق بعض.
-          لكن توفيق الحكيم يرى أن العامية المصرية والعربية الفصحى متقاربتان جدا، فليس هناك أي إشكال إذن. لقد حسم الأمر ببساطة مدعيا أن الشرخ بينهما مفتعل.
-         لقد قرأت كتاباته وأحببت أسلوبه الساخر وخبثه الماكر لكنني توقعت أن يكون أكثر ذكاء وألا يخرج علينا بكلام يناقض الواقع مناقضة صارخة واضحة. لكن شيخنا محمود شاكر تولى الإبانة عن زيف هذا الرأي وسخفه وأجابه بما يستحق من السخرية والتهكم.
-         ثم إنه فضح أساليب التبشير وبين أنه ليس مجرد دعوة إلى المسيحية فمن شاء دخل فيها ومن شاء ردها، كلا. إنما هو عمل سياسي بحت، جذوره ضاربة في ميادين الثقافة والفكر والأدب وأياديه ممتدة إلى الصحافة و الإعلام. وإن نشاطه لمرتبط تمام الارتباط بالاستعمار والاستشراق وكلها أوجه لعملة واحدة.
-         وكم اقتحب أعوان التبشير وصبيانهم المنبثون في حياة الأمة الأدبية والسياسية من أنواع التخريب الثقافي والاجتماعي والنفسي. وقد لخص لنا الكاتب وسائلهم الخسيسة بعد أن استفاض في بيانها وهي كما يلي:
1-    الدعوة إلى العامية
2-    تحقير تراث العرب
3-    محاولة بث الرموز اليونانية والمسيحية في آدابنا
4-    الإيغال الماكر في الطعن على ماضينا كله: رجاله وتاريخه ومعتقداته وشرائعه
-         ومن ذلك ارتباط عبارة "القرون الوسطى" في عقولنا بالجهل والتخلف والظلام والحال أنها أفضل عصور البشرية في ديار الإسلام أما في أوروبا فهي  فعلا عصور انحطاط وقذارة وجهالة.


هنا يقف الحوار مع نفسي ربما تكون هذه مراجعة فريدة من نوعها لم أتوقع أن تجري بي هذا المجرى لكن هكذا كان. أرى نفسي عاجزة عن زيادة سطر واحد. اعلموا أنما هذا غيض من فيض وأن "أباطيل وأسمار" هو أفضل كتاب قرأته في حياتي ولم أر بمثل جودته وأسلوبه وبلاغته والله يعلم أني قرأت أقلاما غاية في الروعة. صعب جدا أن أكمل المشوار، أن أقرأ شيئا آخر بعده. لقد بلغت أعلى درجات المتعة والتذوق لطيب كلامه وجمال عبارته وقوة حجته وذكاء فكره ونفاذ بصره. فبماذا أعزي النفس وبم أواسيها؟ سأظل أعود دائما إلى رسائل شيخي الغالية وسأعيد قراءة بعضها والتعلم منها، سأعود دائما إليها كلما أنهكتني الرداءة وأتعبني السقم في التعبير والركاكة، سأعود إلى رسائله الغالية لأن مثل هذا الكتاب لا يقرأ مرة واحدة ونحن جيل ابتلي بقصر الذاكرة، مثل هذا الغيث النافع لا يستقبل دفعة واحدة بل يتنزل زخات زخات على صحراء الروح فتعشب اللهم صيبا نافعا.

يقول  روبن شارما في كتابه "الراهب الذي باع سيارته الفيراري"

"الشيء الذي يغنيك حقا ليس ما تجنيه من الكتب بل ما تجنيه الكتب منك ويغير حياتك أخيرا"
وما جنيته أنا من هذا الكتاب هو مزيد وعيي بتاريخ أمتي وبقيمة لغتي ومزيد التشبث بها والعزم على الاستزادة من عمقها وجمالها وبلاغتها، والعزم على الكتابة بها والأمل في تعلم الصبر على طلب العلم ومراجعة الكتب والتحقق من المعلومات. جنيت من هذا الكتاب الترفيع في سقف جودة الكتب التي أتخيرها لأبذل لها بعضا مني، من أيامي ومن أنفاسي. وما "ابن آدم إلا أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضه". والحمد لله رب العالمين.