الأربعاء، 31 ديسمبر، 2014

رأيت مريد في رام الله






في البداية عرفت تميم ثم رضوى فمريد. عرفت تميم منذ عدة سنوات شاعرا فلسطينيا شابا وملقيا رائعا. وفي هذا العام عرفت رضوى بطنطوريتها الشهيرة وعجبت من هذه الكاتبة المصرية التي تسرد وقائع فلسطينية وكأنها ابنة البلد. ثم توفيت رضوى في أواخر شهر نوفمبر الماضي وحينها رأيت تلك الصورة الحزينة وعرفت... عرفت أنها زوجة مريد وأم تميم وحبيبتهما الراحلة. فقلت ذاك الشبل من ذاك الأسد...



لم أعرف مريد البرغوثي شاعرا لكني عرفته كاتبا في رائعته : رأيت رام الله. لقد فعلت بي كلماته الأفاعيل حتى أني يوم أكملتها لم أنم جيدا ليلتها. بل ربما رأيت أحلاما تكاد تكون مزعجة لا أتذكرها لكني أتذكر أن النوم هجر مقلتي باكرا وعلى غير العادة. وأول ما فتحت عيني في الظلام الدامس تذكرت فظاعة الواقع الذي نعيش فيه أو بالأحرى يعيشه إخواننا. تلك القسوة التي ما بعدها قسوة. ذاك الظلم الذي يتحدى أي ظلم. واقع فلسطين المنهوبة وأبنائها المشردين. وأفظع من كل ذلك أننا تعودنا التعايش مع هذه الفظاعة بل نسيناها.

أن تقرأ "رأيت رام الله" هو أن تسكن جسد وفكر فلسطيني مهجّر، هو أن تعيش فلسطين وترى فلسطين وتحس بفلسطين بعيدا عن الكلمات السياسية والرموز الدينية. مريد كتب فأجاد. أسلوبه خال تماما من الشاعرية والرومانسية والكلام المنمق وخال أيضا من البكائيات. لا جدار للفلسطينيين يبكون عليه. هو لا يحاول أن يستعطف الناس ولا أن يستدر دموعهم ولا أن يستميل قلوبهم. هو فقط يسرد واقعه ويبوح بمكنون نفسه ويشاركنا طريقته في تحليل الأمور.

والله إني لأعجز عن التحدث عن هذه الرائعة، رائعة لأنها تذكرة سفر في شوارع فلسطين وهي بطاقة دخول إلى قلب مشرد عن وطنه عاد إليه بعد ثلاثين سنة وهي نفاذ مباشر لعقله الذي لم يتوقف عن التساؤل...

طريقته في سرد وقائع مثل اغتيال ناجي العلي وموت شقيقه الأكبر بفرنسا باختصار في أول الكتاب ثم العودة إليها بإسهاب في الآخر هزتني، وذاك الموقف الأخير حين كان عليه أن يتماسك أمام والدته جعلني أنفجر باكية. لم يكن من الممكن إنهاء الكتاب بأفضل من هذه الطريقة الذكية القاسية حين راح يسرد أمثلة عديدة لفلسطينيين فروا من الموت ففاجأهم بعيدا عن أوطانهم. حين تقرأ هذا الكتاب يتفطر قلبك لهذه الحقيقة: الفلسطينيون صاروا كاليهود محكوم عليهم بالتشتت في كل أصقاع الأرض في حين أن لهم وطنا وأرضا وجذورا ضاربة في عمق التاريخ.

سأقف عند هذا الحد لأني عاجزة عن أن أوفي هذا الكتاب وتلك القضية حقها وأترككم مع اقتباسات لا تغني عن قراءة الكتاب، بل يجب على الكل أن يقرأه. لو كان بوسعي لاقتبست المزيد لكني أعرف أن أمة اقرأ لا تقرأ. هذه الاقتباسات أهديها لنفسي ولمن يريد أن يتذكر.

أترك مريد يحكي لنا عن الغربة وعن المستوطنات وعن الشتات وأشياء أخرى ثم أشكو إلى ربي ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس !

































مريد ورضوى والحب


في هذه الأثناء يواصل بنو وطني الاحتفال بأعياد الآخرين: بوهم العكري نوّال ورأس السنة الغير ميلادية وعيسى عليه السلام منها براء ثم يوم السبت بعيد الزقوقو والبخور وكما يقول الفرنسيون
"joyeuses fêtes!"

0 التعليقات:

إرسال تعليق