الخميس، 12 يناير، 2012

ليلى والذئب




نهضت ليلى بصعوبة من الفراش، فالجو بارد والظلام دامس والحمار قد مات. نظرت لأخيها الصغير في إشفاق، فهو في السنة الأولى ابتدائي ولم يتعود بعد على رحلة الألف ميل إلى المدرسة لا سيما وقد حل الشتاء ومعه البرد والظلام ودموع السماء.. يا للعناء.

نظرت للجسم النحيل وقد تقوقع في شكل جنيني تحت الغطاء، فضاق صدرها ولم تتمالك نفسها عن البكاء.. تذكرت سنواتها الأولى في الدراسة عندما كان والدها يصحبها وهي على ظهر الحمار ثم يعود بها في المساء، فتتلقاها أمها باسمة ويتناولون معا وجبة العشاء. لم تكن وجبة حقيقية، لكن ليلى كانت تعشق تلك الأجواء العائلية.. أين هي منها الآن وقد ذهب نبع الحنان.. ماتت أمها، كانت المرة الأولى التي تغضب فيها من ربها .. تجاوز الموت سنها فلم تفهم لِم؟ 

نعم غضبت من الله لكنها اليوم تبكي وتستنجد بالله .. لم يكن الوقت مناسبا للبكاء، يجب أن تكون قوية، يجب أن تتقن الدور الذي فرضته عليها الحياة وهي لا تزال صبية. صارت أما لأخيها علاء، بل حتى أبوها عاد طفلا صغيرا منذ اليوم الأول الذي حاول فيه تحضير الغداء.. لازالت تتذكر أول وجبة أعدها والدها بعد وفاة أمها .. بل أمهم جميعا. وضع الطعام على الأرض ودعاهم إلى الأكل وقد علت شفتيه ابتسامة مقهورة .. مد يده إلى الطبق وهو يغالب عبراته، نظرت إليه ليلى وعيناها السوداوان تتلألآن بالدموع، لم تقو على الحراك فاندفع نحوها باكيا وضمها إلى صدره حتى كاد يخنقها، كانت المرة الأولى التي يبكي فيها زوجته، تمالك نفسه أمام الناس، لم يضعف أمام الرجال، أما الآن وقد وجد نفسه وحيدا مع الأطفال أدرك حجم مصيبته فغاب في محنته ولم يستيقظ إلا على صوت ابنته وهي تتوسل إليه : "كفّ أبي أرجوك" وصوت ابنه وهو يئن ..

-         ليلى مالك تبكين؟
-         لا لا شيء.. كنت أعطس ليس إلا
-         بل كنت تبكين .. تريدين أمي أليس كذلك؟
-         حسن كفاك لغوا وانهض إلى المدرسة، تنتظرنا ساعات من المشي الطويل
-         آآه لا أريد
-         هيا انهض وسر في سبيل الحياة فمن نام لم ..
-         تنتظره الحياة
قالها بامتعاض، لقد حفظ الدرس.. تعود سماعه كل يوم. وفي بعض الأحيان كانت أخته تهدده بالذئب.. تقول بأنه يشتم رائحة الأطفال الكسالى على بعد كيلومترات فيأتي ويأكلهم ليخلص الناس منهم.. ولطالما شعر بالخوف كلما مرا بتلك الغابة المظلمة حتى في ساعات النهار الأولى إلا أن وجود ليلى معه يشعره بالأمان. لم تكن طفلة في عينيه، بل هي امرأة صغيرة في العاشرة من عمرها والذئب يحترم الكبار بل يخاف منهم، إذا فأنا معها في أمان. هكذا كان يفكر ثمّ تذكر: اليوم السبت، نحن تلاميذ السنة الأولى لا ندرس يوم السبت، ستذهبين وحدك يا ليلى !

تبسمت أخته في حنو. كانت فرحتها بعطلته المؤقتة أشد من فرحته هو بها. تنهدت في ارتياح ثم كشفت الغطاء عن الوجه الملائكي، نظرت مليا في عينيه، كم تعشقهما .. عينا أمها .. طبعت على جبينه قبلة طويلة ثم شرعت في تغيير ملابسها  وخرجت دون أن توقظ أباها.. كان يغط في نوم عميق، يجهد نفسه كثيرا بالعمل خلال النهار ولا يقبل إعانة من أحد..مسكين أبي، سأذهب وحدي، ليست المرة الأولى بأية حال.. ثم خطر لها خاطر تسارعت له دقات قلبها .. تذكرت ما سمعته عن الذئب الذي يحوم في ذاك الغاب.. 

لا يهمني "ومن يتهيب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر" خرجت وهي تردد بعض الأبيات لشاعرها المفضل.. سرت في جسمها رعدة، كان الشتاء يجود بأقصى ما لديه لكن إرادتها أقوى. "العلم نور" هكذا كتب في جدار المدرسة وهي طموحة وعلى الوصول مصممة. سرعان ما دب الدفء في جسمها من كثرة مشيها، مضى على خروجها ساعة وقد اقتربت من منطقة الخطر. لم تره يوما.. لكنها تشعر به.. اليوم أكثر من أي يوم مضى .. تحس بثقل نظرته الحديدية على جسمها .. يا الله ..


خرجت ليلى ولم تعد، لم يجد الفلاحون سوى بقايا ثيابها وآثار الدماء. ولو كانوا يفقهون لقرؤا ما يلي:

"أنا ذئب ولست وحشا، أنا لا آكل إلا عندما أجوع، أنا لا أصطاد إلا للبقاء ولا أقتل الناس بدون عناء. أنا لست إنسان، أنا فقط حيوان. وإن شئتم دللتكم على الحيوان الأكبر(كما يسميه أفلاطون( : إنه الطاغية، كان عليه أن يبني مدرسة قريبة حتى لا تأكل الذئاب الأطفال، حتى يكون هذا ضربا من المحال!"

************

كتبت هذه القصة بعد أن سمعت البارحة الشيخ راشد الغنوشي يحكي عن المشاريع المستقبلية للبلاد ومن جملتها بناء المدارس .. ويقول "هناك أطفال أكلتهم الذئاب". وهنا لم يسعني إلا أن أقف وقفة طويلة وأنا بين الشك والتصديق.. محاولة أن أتخيل ما معنى أن يأكل ذئب إنسانا.. ما معنى أن يمزٌق جسد صغير !

قال عمر ابن الخطاب رضي الله عنه : لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها لِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر.

فما بالك بأطفال تأكلها الذئاب؟ ما بالك بصغار يقطعون عشرات الكيلومترات ذهابا وإياب؟

حسبنا الله ونعم الوكيل 

هناك 12 تعليقًا:

  1. أبدعت..كم في كلماتك من معان
    بارك الله فيك.

    نتذكر و أنا نقرا في المدرسة فما صغار يجيو من بعيد بييكري و يقعدوا للبرد و للشتاء و للسخانة في أوقات الإستراحة بين الحصص
    كانو عندي صاحباتي وحدة منهم اسمها كيفي :'(,ربي يذكرهم بالخير,
    يقولولي الثنية تخوف لازم نستناو بعضنا لين نكملو القراية الناس الكل (معناها حتى إلي يخرج ال10 يقعد يستنى للعشية) من باعد نروحو خاطر فما ذيب و حلوف

    الحمد لله توا كبروا و ولاو رجال و نساء
    و ولات عندهم مدرسة قريبة أما غير مهيئة كما يجب


    فكرتني منذ أسبوع مضى وأحنا نقراو في درس مشاو الطالبات إلي معايا يهنيو في الأستاذة على خاطر راجلها ولا وزير
    (لا أريد ذكرأسماء)
    فكان جوابها تقريبا(تتحدث بالعربية)"لو
    عزيتموني لقبلت العزاء, بالأمس كنت أعلم أني سأحاسب على كل لحظات عمري و زوجي و أولادي و كنت مشفقة من حالي
    و اليوم صار العبء كبيرا وسيحاسب زوجي على "بلادْ كامْلة" و سأحاسب معه على كل ما يفعل...
    يا أخواتي لا تهنؤوني فليس للفرح مكان
    أتعلمون أنه منذ أن تولى زوجي المنصب صرت لا أراه إلا لبضع ثوان؟؟ "
    ...

    أحسبها تعي عبء المسؤولية فعلا, إن شاء الله بالتوفيق لكل من احتل منصبا و ربي يوجههم إلى الصلاح, حقيقة ربي يعينهم على هذا البلاء

    ردحذف
  2. From Zied Chakib :

    أنت كتبت قصّة وأنا كابوس راود حلمي البارحة
    يروي قصّة التلميذ والذب.

    لقد زاد الغنوشي من حدّة أزمت أعاني منها وهي
    أن أحاسب نفسي على ما أفسد الدّهر (أقصد هنا حياة البشر ولا ربّ العباد) في الأرض والبشر. ما الذّي قمت به من اجل هؤلاء المأكول لحمهم من ذئاب و من ذئاب بشر؟

    اللهم وجّهنا خيرا وأعنّا عليه

    ردحذف
  3. @ مسلمة

    لا أجد ما أضيف بعد مداخلتك الرائعة سوى أن أْؤمن على دعائك

    بارك الله فيك :')

    ردحذف
  4. @ Zied Chakib:

    آمين .. الله المستعان

    هنيئا لك على حسك المرهف ووعيك الإنساني

    ردحذف
  5. اسلوبك العادة شيق و يعجبني الاقاع الي تخلقو في النص ...Espérons qu'il tient à sa promesse ...w kima 9al patick sébastien :p
    Ils font rien qu'a nous faire des promesses
    Qu'ils ne tiennent jamais
    La seule chose qui les intéresse
    C'est d'passer à la télé

    Tout pomponnés
    Tout maquillés
    Ils viennent parler au journal
    Pendant que monte du fond des cafés
    Le son de la chorale

    ردحذف
  6. raw3a amouna, bravo!! :)

    ردحذف
  7. @ Chimère : jolie citation, bon c'étaient pas tellement des promesses, RG parlait de ce qui devait se faire dans les prochains mois/années, et il a dit qu'il est optimiste, je le suis moi aussi :)

    Merci ma belle, meilleure révélation de la fin 2011 :)

    @ Anonyme : baraka Allahou fik :)

    ردحذف
  8. Eh oh, Salam ma chère Primevère...

    tu veux pas écrire un peu en Français pour que je puisse comprendre ^^

    TM, la revendicatrice :p :p :p

    Bonne année à toi, la santé, toussa, toussa

    Que Dieu te comble de ses bienfaits!

    ردحذف
  9. you've got a mail :) I..

    ردحذف
  10. @ Tunisia Mum : waw ! sobhan Allah ! je me suis rappelée de toi dernièrement et je me suis dit, elle me manque celle-là ça fait un bail !

    Désolée pour le billet ci-dessus, eh bien j'ai un peu revisité l'histoire du petit chaperon rouge pour rendre hommage à nos écoliers mangés par les loups, morts sur le chemin de l'école, une école qui se trouve à des kilomètres de chez eux. Un petit hommage bien tristounet, voila !

    ردحذف
  11. @ I... : un excellent film de meg Ryan et Tom Hanks, yes ! looool

    ردحذف
  12. @ TM : c'est encore moi, j'ai oublié de te dire merci pour ton passage chaleureux, je te souhaite de même et encore plus !

    Sinon ben j'ai écrit beaucoup en français ces derniers temps :p je suis amoureuse de ma langue maternelle, et contente de pouvoir écrire de jolies choses en arabe, c'est à toi de l'apprendre chère soeur, tu sais pas ce que tu rates :p la langue du Coran svp !

    Salam :)

    ردحذف