الأربعاء، 28 مارس، 2012

صمت المساجد






شارف النهار على الإنتهاء، وكاد الأذان يرتفع في عنان السماء. أسرعت الخطى رغم الألم في ساقي من جراء الحذاء. وتعالى صوت المؤذن معلنا إنقضاء يوم آخر من حياتنا .. "اللهم هذا إقبال ليلك وأصوات دعائك فاغفر لي" .. لم أصل بعد وكما هو الحال دائما وجدتني أصرخ في صمت : لا يا سيدي ليس هذا الإتجاه الصحيح أنت تبتعد عن المسجد، عد أدراجك، المسجد من هنا، ألم تسمع " حي على الصلاة " .. لكن "لهم آذان لا يسمعون بها " .. اللهم اهدنا !


و أخيرا وصلت إلى المسجد الواسع الشاسع. الميضة تقع في آخره، كان علي أن أصعد سلما طويلاً، وأعبر الساحة الشاسعة و أنزل سلما آخر ثم أعود أدراجي .. كنت بصدد وضع حجابي عندما جاءت إمرأة عجوز مسرعة وسألتني في رجاء : "ترى هل يكفيني الوقت لأتوضأ؟"، أجبتها "نعم" مع ابتسامة  مشجعة ثم انطلقت مسرعة فقد بدأ الإمام في الركعة الأولى ! وأخيرا اتخذت مكاني في طرف الصف. "الله أكبر" .. وبعد لحظات انضمت إلينا العجوز. لم يكن يفصلني عنها إلا مصلية واحدة. وعندما انقضت الصلاة انصرفت هذه الأخيرة فتفسحنا في المجالس. جلست القرفصاء وأنا أتمتم أذكار ما بعد الصلاة وأراقب حركة هاتين اليدين السريعة وهما تسبحان. نظرت إلى التجاعيد المتراكمة والأصابع الدقيقة ثم تساءلت : هل سيأتي اليوم الذي أذعن فيه لسنة الله في خلقه فتكسوني التجاعيد و أنكمش كحبة العنب الفاسدة ؟


كنت غارقة في تأملاتي، معجبة بوعي هذه المرأة العجوز و حرصها على تحصيل ثواب أذكار ما بعد الصلاة، عندما اقتربت مني، و طلبت أن أنصت لها وهي تقرأ آية الكرسي و أصححها إذا اقتضت الحاجة. أطرقت وأنا أستمع لها في إعجاب، وكتفي ملتصقة بكتفها. كنت في غاية السعادة، تعلو شفتي ابتسامة عريضة، كيف لا و أنا في بيت الله ومعي أخت في الإسلام ، نتذاكر أعظم آية في القرآن، لم نكن نعرف بعضنا من قبل، لكننا الآن نعيش لحظة حميمية يتوقف عندها الزمان، كنا في غاية الانسجام، هذا هو الإسلام. ثم هي لم تكد تخطء، كم كنت فخورة بها، لكنها لم تكن راضية عن نفسها. قالت أنها لا تحسن القراءة ولا الكتابة لكنها تشبثت بفضل الله ثم بإصرار الأخت ناجية، هذه المرأة الداعية ... هتفت في زهو : "أنا هنا منذ الساعة الثانية "، كانت تتحدث عن دروس التجويد في الجمعية القرآنية المجاورة للمسجد. أجبتها : "وأنا أدرس يوم الأحد" .. كنا كطفلتين تعارفتا في  آخر العام الدراسي ..

سألتني صديقتي إن كنت باقية في المسجد حتى صلاة العشاء، فأجبتها أن لا. كانت تود البقاء لكن زوجها سيعتب عليها إن عادت متأخرة والبيت بعيد ... ثم أخبرتني أنها تود لو تكون هنا في صلاة الفجر،على أنها وجدت حيلة : فهي تصعد إلى السطح، أتدرين لم؟ أجبتها بعفوية : "بش ترى وجه ربي" كلا ولكني عندما أصعد إلى السطح وأرى أضواء المدينة أتذكر المسجد النبوي، لكأنني في العمرة. أصعد دائما إلى السطح، حتى في الشتاء والمطر ينهمر، طبعا زوجي وابنتي يوبخاني لكني أصعد بأية حال... قالت ذلك وعيناها تلتمعان وقد أمسكت بيدي، ثم أخبرتني بأن عليها الذهاب فابنتها بانتظارها .. دعت لي ثم تركتني وقد صرت أسعد مما كنت عند دخولي المسجد. منذ وفاة جدتي صرت شديدة الحساسية للشيوخ والعجائز، وكلما كان الوجه مجعدا أكثر كلما إزداد اهتمامي وحناني واحترامي .. لكن صاحبتي استحوذت على عجبي وإعجابي لأنها لم تستسلم لعمرها، ولم تعترف بعجزها بل أصرت على الحفظ والتعلم، ثم هي تحسن إحترام قداسة المسجد، فكان كلامها كله همسا !

أما الآن فلا أسمع همسا، بل  هي همهمة عالية، لقد فرغ المسجد إلا مني وثلاث نساء، في  الحقيقة لم أكن أريد البقاء وحيدة رغم ضجيجهن ، فباب النساء مفتوح والمجرمون كثر ولا أدري من يمكنه اقتحام وحدتي، لكنهن انصرفن بدورهن... إذا أنا الآن وحدي، أقرأ في كتاب ربي، انتهيت من وردي ثم أجلت نظري في أرجاء المسجد، انها المرة الأولى التي أسمع فيها صمت المساجد، هي المرة الأولى التي أجدني فيها الساكنة الوحيدة، كم هي نعمة كبيرة لم نكن نحلم بها منذ زمن غير بعيد، لطالما سكتت المساجد، فلا ترى فيها راكعا ولا ساجد، إلا من رحم ربي، اليوم صمت المساجد هو ذاك الصوت الذي تصدره الرياح إذا ما دخلت من أبواب المساجد والنوافذ، رياح التغيير هبت فالحمد لله " غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير" ..

هناك 8 تعليقات:

  1. C'est émouvant Prima :') merci d'avoir partagé ♥♥♥

    ردحذف
  2. Je t'en prie :)

    Merci ma belle, je suis pas satisfaite du résultat mais j'ai fait comme j'ai pu ^^'

    ردحذف
  3. :''')

    كلا ولكني عندما أصعد إلى السطح وأرى أضواء المدينة أتذكر المسجد النبوي، لكأنني في العمرة.

    جميــــــل :')

    أدعو ألّا يحرمنا ربي و إيّاها من زيارة الحبيب


    يعطك الصحة بريما

    ردحذف
  4. آمين أجمعين إن شاء الله :')

    يعطك الصحة إنت زادة مي شار :p

    ردحذف
  5. علوّ الهمة ... ما شا ء اللّه !

    تدوينة جميلة ^^
    وصحة الصباط :P

    ردحذف
  6. Merci ma Lili :)

    ya3tik essa7a ama sabbat 9dim men 7aythou teri5 el chira2, jdid men 7aythou teri5 ellibes, en tt cas dima nechri w nlawwa7 hhh :(

    ردحذف
  7. comme parhasard je suis tombee sur ce recit,a la premiere heure du jour.. et ça a donné un coup d'eveil a mon esprit :) bravo
    je ne vois pas l'interet de celebrer des blogs a la Lina,lorsqu'il existe bel et bien ce qui merite beaucoup plus d'interet..
    fiere de toi primprim

    ردحذف
  8. Merci ma chère Chilane, ton commentaire me fait très plaisir et ta façon de m'appeler primprim :D

    Lina Ben Mhenni est chouchoutée par l'occident car elle affiche bien son islamophobie, c'est facile après ça de devenir une star, il suffit de dire du mal de l'islam, du voile etc c'est pathétique mais c'est comme ça :)

    ردحذف