هل أنا خائفة ؟


اليوم أفسح المجال لصديقتي كي تعبر عمّا يختلج بداخلها، عزيزتي لك الكلمة..



هل أنا خائفة ؟

هذا ما تردّد في فؤادي و حاك في صدري بعد مكالمة هاتفيّة طويلة أجريتها مع صديقتي، تناقشنا فيها حول مواضيع السّاعة: الأوضاع السّياسيّة في تونس .. ( نعم نحن معشر النّساء نتحدّث عن هذا أيضا! ) ، ثمّ تدريجيّا تطرّقنا إلى مسألة تحكيم شرع اللّه لحكم البلاد و موقف التّونسيين من ذلك 
كان رأي صديقتي واضحا و مباشرا ، كانت تريد نظاما يطبّق الشّريعة الإسلاميّة.
لم يكن رأيي مختلفا من حيث المبدأ، لكنّي كنت أرى نفسي أكثر واقعيّة ربّما، و لا أدّعي بذلك صحّتَه و إنّما هو مجرد تخمين أردت مشاطرتكم إيّاه .


كنت أرى أنّه لا يمكننا الوثوق بأحزاب سياسيّة نجهل عن أعضائها الكثير، لمجرّد أنّها تلقّب نفسها بالإسلامية. كنت متحفّّظة و خائفة بعض الشّيء .. لمَ؟ كنت خائفة من أن يتمّ التّلاعب بالأحكام الشّّرعية لترضيخ النّاس و خدمة أغراض سياسيّة لا ندري مكنونها و لا أبعادها ..لا أدري لم خطرت هذه الفكرة في ذهني أوّلا .. أتُراني تبنّيت مواقفا لطالما رفضتها و واجهتها ، تلك الّتي تتّهم كلّ سلطة دينيّة إسلاميّة بالإرهاب و التّطرف ؟! أخافني هذا الشّعور الغريب أكثر من غيره ! كلّا ! لا يمكن أن أكون كذلك ! هذا ما ردّدته في نفسي كي أطرد هذه الفكرة من رأسي..

"
لما لا تتفاءلين خيرا؟" قالت لي صديقتي .. كلمات رنّت لحظات في أذنيّ ثمّ توارت .. لم تكن مسألة تفاؤل أو تشاؤم بل كانت بالأحرى أزمة ثقة
لم أكن أرى،من زاوية نظري الصّغيرة، شخصا أو مجموعة كفؤة لآداء مثل هذه المّهمة ..
عندما أستمع إلى شيخ معروف يشّكك في قدرة المرأة على الوصول إلى درجة من العلم تنافس فيها الرّجال، ما عساي أحسّ و أنا إمرأة ؟! عندما أرى مفتيا يدعو متظاهرين عزّلا للتّوقف و الرّضوخ للحاكم الخائن الظّالم ، ما عساي أُكنّ سوى الغضب و الإحباط ؟
لكن، أليس من المجحف أيضا أن لا أتذّكر أناسا آخرين كانوا مثالا للأخلاق و التّقوى و الورع ؟ بلى ! كم من داع فاضل ؟ كم من شيخ صادق جريء لا يخاف في اللّه لومة لائم ؟ لكن أين هم في بلادنا ؟

رأيت و لا زلت أرى، و الحمد للّه، الكثير من الشّبّان أحسبهم من الصّالحين ذوي الهمم العالية و الأهداف السّامية، يريدون كلّ الخير للبلاد و العباد .. و لكن هل سيكون لهم مناصب تمكنّهم من تحكيم شرع اللّه في هذه الأرض ؟ 
تونس بلد مختلف عن معظم الدّول العربيّة و الإسلاميّة .. أحب هذه الحريّة و هذا الإنفتاح ، و أحمد اللّه على ذلك .. و لكن في المقابل، بات المتديّن يُنعت بالمتعصّب، و الملتحي بالإرهابيّ، و المحجّبة بالرّجعيّة .. بات الدّين أمرا "مُحدثا" نستعرّ منه و العياذ باللّه .. هذا ما أسمّيه شخصيّا تفتّحا متعصّبا لأنّه يضع كلّ الملتزمين في خانة واحدة مع شرذمة قليلة من النّاس أذاعوا الرّعب في نفوس البعض باسم الدّين.. 

و الملتزمون أين هم ؟ أليسوا هم من ساهموا في ترسيخ هذه النّظرة الدّونيّة ؟ كم من مرّة قرأنا على صفحات الشّبكة العنكبوتيّة حوارات تهاجم الدّّين و تسخر من كل من يحتجّ به ليبرّر موقفا ما، ثم مررنا صامتين، كاظمين غيظنا، دون أن نحّرك ساكنا ؟
لِم الصّمت ؟! هل أنا خائفة ؟ هذا سؤالي .. سؤال يسبّب لي الأسى و الشّعور بالذّّنب و التّقصير ..لِم انقلبت الموازين ؟ لِم صار الحديث عن الدّين جرما نُحاسَب عليه بالإقصاء و النّبذ ؟ و لم الرّضا بهذه الحال ؟ رحم اللّه ابن القيّم حين قال : "إنّ من غفلتك عن نفسك و إعراضك عن اللّه أن ترى ما يسخط اللّه فتتجاوزه ولا تأمر فيه و لا تنهى خوفا ممّّن لا يملك لنفسه ضرّّا و لا نفعا "

كنت دائما أدّعي القوّة و العزيمة على إعلاء راية الإسلام بإذن اللّه.. دون إفراط و لا تفريط .. دون غلوّ و لا تقصير .. لكنّني بدأت أحسّ بالخيبة حين رأيتُني أنسحب من كلّ نقاش أراه عقيما، بسبب كثرة المنائين للدّين ( بحجّة أنّها مسألة شخصيّة) و تحالفهم على القلّة المدافعة عن هويتّها الإسلاميّة و إن كان ذلك للأسف بأسلوب إمّا خجول متفسّخ و هنا أعرّج على ما قاله عمر بن الخطّاب رضي اللّه عنه حين رأى رجلا يمشي مطأطئ الرّأس فنزل بالدّرّة عليه " ارفع رأسك فإنّ الإسلام ليس بمرض" أو عنيف لا يتوانى فيه عن استعمال الألفاظ المخلّة بالذوق و الأخلاق متناسين بذلك قول اللّه تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18] وقول المصطفى صلّى اللّه عليه و سلم :" ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّّعّان ولا الفاحش ولا البذيء" ( أخرجه أحمد والترمذي (أو متّزن فصيح هادئ ،و قلّة هم للأسف.

أفكار كثيرة و تساؤلات تخالجني، ترهقني، توبّخني و تبكيني .. 
لكنّ إيماني راسخ أنّه ما من سبيل للخروج من كلّ هذا إلّا بالتّوكّل على اللّه سبحانه ثمّ السّعي للتّخلص من السّلبيّة و الإستسلام ، فهما ليسا من شيم أصحاب العزائم . كفانا كبتا و خوفا و صمتا ! أما آن الوقت للعزّة و الكرامة ؟! ألا يجدر بنا أن نخاف من سؤال اللّه سبحانه لنا يوم القيامة فيم كنّا نخوض و نلعب ؟ أما آن الأوان لنخجل من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم حين يقول : " وإنّي مكاثر بكم الأمم فلا تُسوّدوا وجهي" (صحيح سنن ابن ماجهألا نخاف من الوقوع، و العياذ بالله، في الشّرك الخفيّ بسبب صمتنا ؟ أما آن الأوان ؟بلى !قد آن الأوان ! فَلْنتكلّم ! و اللّه المستعان.

2 commentaires:

خوفك هو نتاج معرفتك أن الأحزاب الدينية هدفها ليس تطبيق شرع الله بل هو طريقٌ اتخذوه للوصول إلى مآربهم
أن يحكم بلدٌ كتونس في هذه الفترة بالشريعة الإسلامية هو جورٌ في حد ذاته، لا تربيتنا ولا وسطنا -مهما كان متديناً- يسمح لنا بأن نتقبله
فها أنت الملتزمة كما تسمين نفسك ينتابك الخوف، فكيف بغيرك.
حكموا العقل قبل العواطف، لسنا مهيئين بعد لهكذا تغير

 

أناأدرك بأّنّنا لسنا مؤهّلين لمثل هذه التّغييرات خاصّة في هذه المرحلة الحرجة .. لا أريد أن يُساء فهمي، فقد وظّحت بأنّها أفكار راودتني، أردت من خلالها دعوة الملتزمين ( و أرجو أن أكون منهم ) أن يعبّروا عن آرائهم مثل كلّ فئة، خاصّة أمام ظاهرة" الإسلاموفوبيا" التي لا تزال تنتشر .. و أريد أن أؤكّد بأّنني واعية أنّ المطالبة بدولة لائكيّة أو إسلاميّة أو غيرها في الظّروف الحاليّة يُعدّ تهميشا للّحظة السياسيّة الرّاهنة.
كاتبة المقال

 

Enregistrer un commentaire