10/06/2016

أباطيل وأسمار 2




-         كفاك يا نفس لفا ودورانا وإنشائيات رومنسية، دقت ساعة الحزم وكان لزاما عليك تحرير مراجعة جيدة تكون في مستوى الحدث.
-         أي حدث ؟
-         أعني إتمامك لقراءة كتاب "أباطيل وأسمار"، هذا إنجاز في حد ذاته.
-         لا أعده كذلك فقد جبنت في آخر الفصول. هناك فصل لم أقرأه كما يجب وسئمت الكتاب بسببه وبدا لي الكاتب شديد التعصب للكلمة، مبالغا في تتبع أدق معانيها والفصل بين استعمالاتها.
-         ويحك إذاً لم تفهمي شيئا من روح الكاتب أيتها الساذجة
-         بلى، لقد صبّرت نفسي واصطبرت على قراءة أسطر حتى دون أن أعيها غفر الله لي لكني في النهاية وصلت إلى بر الأمان وأعجبني جدا تتبعه لمعنى لفظة الدين في القرآن
-         أرأيت كيف بيّن بالحجة والبرهان أن كلمة دين لا يصح أن تطلق على غير الإسلام؟
-         لله دره من كاتب محقق صبور جلد في سبيل طلب العلم والغوص في المعلومات وتمحيصها واستخراج السمين دون شائبة غثاثة، بل رأيته يؤدي رسالته بمنتهى الأمانة وأحببت منهجه العلمي القويم، لا سيما في أوائل رسائله وهو يصاول وينافح عن شيخ المعرة رحمه الله.
-         ها ها أرأيت كيف فضح ذلك الدعي الشقي المفلت من الأسوار، الشرلتان المسمى لويس عوض؟ تا الله لقد كشف عنه سوءته فبدا للناس كيوم ولدته أمه بلا شهادة ولا دكتوراه ولا طيلسان جامعة ولا ألقاب فارغة زائفة.
-         فعلا قد بين بالحجة والدليل خلو هذا الدجال المتثيقف المتفيقه من أي قاعدة علمية أو قدرة على فك طلاسم أي نص بالعربية أو باللغة التي شئت بله تفسير آية من القرآن. إنه فعلا "خبل في حالة تأليف".
-         وما أكثر أشباهه في زماننا. ذكرني بألفة يوسف صديق ومشتقاتها.


-          ثم إنه صبي من صبيان المبشرين ودمية بين يدي أسياده ولولا منصبه كمستشار ثقافي في جريدة الأهرام لما عنى به شيخنا أبدا. لكن مكانة هذه الجريدة في العالم العربي والإسلامي جعلته يخرج عن صمته ويتقلد سيف قلمه الحاد فيدمغ به الباطل فإذا هو زاهق.
-         ذلك دأبه إذا أحس أن مصير الأمة وعقول أبنائها مهددة بالإفساد والإتلاف. لا سيما أنه خبر بنفسه آثار نظام دنلوب في شبابه وعاش صراعاته وعانى من ويلاته.
-         تصوري أن الدرس الأول الذي تعلمه في المدرسة كان درسا في الانجليزية؟! حتى تعلق بهذه اللغة تعلقا شديدا كاد ينسيه حبه للعربية.


-         هذا يذكرني بتعلقي الشديد باللغة الفرنسية لا سيما وقد ارتضعت لبانها من ثدي أمي ونشأت في مكتبة عائلية لا تكاد تحوي إلا كتبا بالفرنسية أتيت على أخضرها ويابسها ثم صرت أتخير قراءاتي وأقتني روائع الأدب العالمي مترجما دائما إلى الفرنسية.
-         أونسيت حبك للعربية عندما كنت تلميذة في الثانوية؟ لولا مناهج التعليم التي عزلَتْها عن المواد العلمية لما انقطع حبل الوصال بينكما.
-         بلى. كان فراقا طويلا ومريرا لم أنتبه لمدى خطورته. كانت عودتي إلى العربية كعودة المغترب إلى قرية طفولته التي فارقها منذ عشرين سنة وصار يمشي في أزقتها وبالكاد يتعرف على معالمها ولولا ما وجدته من حلاوة الكتب الدينية وخلابة الأحاديث النبوية لما عاد للغتي ذاك الوقع الجميل في قلبي. فيا له من تغريب.
-         فعلا إنه التغريب والاستعمار ولا من تحذير أو استنكار.

يُتبع إن شاء الله

9/29/2016

أباطيل وأسمار 1




ليس من دأبي ولا من عادتي أن أكتب مراجعة كافية وافية لكتاب قرأته. فقد نشأت في جيل يعد القارئ فيه قادما من كوكب آخر، خاصة إذا خرج من طور الدراسة "ولم يعد له حاجة بكتاب". فما بالك بأن يحرر فيه مراجعات؟!  ما زلت أراني في حافلة كئيبة أحمل كتابا وأحاول جاهدة الغوص في أسطره وسط موج متلاطم من ضجيج الإذاعة وصخب المسافرين. حتى حلمت لسذاجتي أن يعترضني فارس الأقلام ممتطيا صهوة كتاب أشم فتلتقي عينانا ومن ثمة أرواحنا وقد فاتني أن مثل هذا الحلم لا يتحقق لأن بغيتي ليس لها وجود.

وقد أكرمني ربي وكتب لي خيرا من ذلك. حلما قد جال طيفه في خاطري قبل أن يصير واقعا ملموسا وفرحا محسوسا. شاءت الأقدار أن يكون رجلي قارئا من نوع آخر، قارئا لنفسي الصاخبة الثائرة المسكوبة دفقات على صفحات هذه المدونة. مدونة تابعها زمنا  فأحبها وأحب أفكارها ثم طرق بابها (وأترك لكم شكل الواو فإن شئتم بكسر وإلا بفتح). ومن ثمة جرب المحاولة فلم يسقط حيث سقط "العشرات" قبله صرعى بمنسأتي. وأنى له أن يسقط وقد صحّ فيه قول أيمن العتوم في "ذائقة الموت":


وصح فيّ حال تلك الفتاة التي

سبحان الذي أجرى على قلم هذا الكاتب الشاب الفذ ما خبرته صدقا في حياتي بحذافيره وبدقة أوصافه وتجلياته دون زيادة أو نقصان. وإنها لقبسات جميلة من فيض كتابه الرائع حفظتها دهرا لأنها تنطبق على حالي، ليس في باب الحب فقط بل في باب الموت أيضا.

 ألم أقل لكم إني لا أكتب مراجعات قيمة للكتب التي أقرؤها؟ ها أنذا قرأت كتاب العتوم واحتفظت بعدة اقتباسات وهي تنام في حاسوبي منذ عام أو أكثر ولم أنشرها ليستمتع بها القراء. لأني في جوهري إنسانة كسولة واستهلاكية. منذ صغري كانت المطالعة بالنسبة لي من أفضل وسائل الترفيه، أتعامل مع الكتاب كما أتعامل مع الأفلام الكارتونية. ولا أعرف من الكتب إلا القصص والروايات بلغت ما بلغت من الجودة والعمق. وقد استمر هذا الحال إلى زمن ليس ببعيد. ولكم كرهت أن تكلفني أمي بتلخيص كل قصة أقرؤها. لكأنها كانت تعاقبني على كل كتاب أطالعه؟ لله درها اليوم فهمت مغزاها. اليوم حين أقف مترددة أمام الصفحة البيضاء أتمنى لو عودت نفسي أكثر على العطاء. اليوم أعجب لأولئك الذين يكتبون مراجعات طويلة عريضة وأخرى قيمة جيدة حكيمة في موقع الغودريدز مثلا. ألا قاتل الله هذا الكسل اللعين والجبن الدفين والعجز المهين الذي أقعدني عن أداء أمانة الإبلاغ والإعلام. أليس الدال على الخير كفاعله؟

فما بالك إذا كان الحديث عن كتاب كسيماء المرأة المسلمة لفريد الأنصاري؟ كتاب وددت لو قرأه كل مسلمة ومسلم. ما قولك إذا كان الحديث عن كتاب اعتبر من أفضل وأجود الكتب الصادرة في النصف الثاني من القرن العشرين؟ ما ظنك إذا كان صاحب هذا الكتاب علما من أعلام العربية وقمة شماء في سمائها؟

كيف سأجد الكلمات لأوفيه حقه؟ ألا يحسن بي أن أمتنع عن الوصف والبسط؟ لا أدري. كل ما أعلمه أني ودعت كتاب "أباطيل وأسمار" كما نودع حبيبا إلينا وشيعته كما نشيع عزيزا علينا. أما كاتبه فهو العلامة شيخ العربية وفارسها المغوار الذائد عن حياضها وعن شرف الأمة وديارها، والكاشف لأباطيل المبشرين وتدليس المدلسين والهاتك ستر المدعين، ذاك الصخرة التي تتكسر عليها أمواج الدجالين والعملاء والحاقدين، المفكر والمحقق والأديب والشاعر، محمود محمد شاكر. 

يؤسفني يقيني بأن جل القراء سيسمعون هذا الاسم للوهلة الأولى. وسيتساءلون من هو هذا الرجل العظيم الذي جهلناه إلى يوم الناس هذا؟ وإن كان عظيما إلى هذه الدرجة فما لنا لا نعرفه؟ هكذا حدثتني نفسي أول مرة وقد بلغت من الكِبَر والكِبْر عتيا. لكنني سأحيلكم على هذه الترجمة الجيدة لحياته ومؤلفاته ستجدون الإجابة بين طياتها. أنصحكم بل آمركم أن تقرؤوها. وأن تقرؤوا كتابه "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا" فهو قصير يسير لمن يسره الله عليه.

أما "أباطيل وأسمار" فيأتيكم حديثه في الحلقة القادمة  إن شاء الله. والسلام.




9/22/2016

الاهتمام قرار




احذره ذاك الذي يجلس وحده، يغلق بابه، يوصد قلبه. 

احذره ذاك الذي يبتسم، يضحك قليلا، يبكي كثيرا  وأنت لا تعلم عنه إلا شيئا يسيرا. 

ارحمه ذاك الذي يجلس وحده في حجرته، في كهفه، في عزلته. لا تقل ذاك طبعه، أبدا أخرجه من وحدته. لا تحاول مرة أو مرتين ثم تنفض يديك الاثنتين، ثم تقف عند بابه حائرا ثم تقفل راجعا تهز كتفيك عاجزا أو غافلا أو هاربا.

ارحمه ذاك المريض، نعم في بيتك مريض. "الإنسان مدني بطبعه" كذا علمنا ابن خلدون العظيم فلا تظنن بامرئ خيرا إن كان منطويا على نفسه منعزلا عن البشر. راقبه انظر من جليسه في السر؟ حاسوب خير أم شر؟ كثرة أفلام ومسلسلات أجنبية مع مشروبات غازية ورقائق بطاطا مقرمشة وأطعمة ميتة وضعتها أياد باردة في جهاز تسخين فوري؟ أهذه هي عيشته؟ أم ستقول تلك طبيعته؟

أيقظه ذاك الذي يعيش في غرفة تكدس فيها الغبار أكواما وصارت الملابس في القاع حصيرا ملفقا رقعا وألوانا، أزعجه ذاك الذي اتخذ الأنانية عنوانا. ليس من حقه أن يعتزل الخلق ويزدري البشر، حتى ولو كان للعبادة. ديننا ليس فقط سبحة وسجادة، ديننا احتكاك بالناس وضرب في الأرض وصبر على الأذى، ديننا دين حياة. أو كما قال فارس العربية وإمامها الشيخ الجليل المنافح عن اللغة والدين محمود محمد شاكر:


فما بالك بمعتزل لا يصلي؟ ما ظنك بمتعبد في صومعة نفسه البائسة؟ صومعة خاوية من الذكر خالية من الشكر. ما رأيك في قلب لا يعرف الله وهو أحوج ما يكون إليه؟ أتدعه لشيطانه أم لغفلته العمياء؟ أتترك نفسه صحراء قاحلة ليلها كنهارها من شدة الظلماء؟ أما سمعت لقول الحكماء؟

احذره، ذاك القنبلة الموقوتة التي تؤويها بيتك وتحوطها برعايتك. اقرع جرس الإنذار، أعل راية الاستفسار، انفض عن خبايا نفسه الغبار ولا تدع للتهاون والإهمال عنوانا ولا دار. واعلم أن الاهتمام قرار.


الاقتباسات من الكتاب الماتع اللاذع "أباطيل وأسمار" لمحمود محمد شاكر، أنصح محبي البلاغة والثقافة بالسياحة بين أبحره.

9/15/2016

الكنز المفقود




الذين تابعوني مؤخرا يعلمون مدى اهتمامي باللغة العربية. كنت كمعظم الغافلين لا أعي مدى خطورة اللغات في حياة الأمم وفي حياة أمتنا على وجه الخصوص. كان الأمر في البداية لا يعدو أن يكون مجرد حنين طفولي إلى الزمن الجميل. ثم هيأ الله لي من زادني وعيا بهذه القضية، وفتح بصيرتي على الحقيقة المرة، على الانفصام العظيم والشرخ الجسيم الذي أحدثه الاستعمار الفاجر في لغتنا وديننا وثقافتنا. فتح بصيرتي على تلك الجمل "البسيطة" والكلمات "الظريفة" التي يحلو لنا مضغها دونما انتباه إلى جذورها الإفرنجية. فانظر إلى رطانتنا بلسان الأعاجم فلا نحسن نقول جملة بالعامية إلا وقد حشوناها بكلمتين أو أكثر من اللغة الفرنسية. فهل سمعتم يوما فرنسيا يدع لغة آبائه ويستعمل كلمات بالعربية؟  هل رأيتم يوما لافتة إشهارية في عاصمة أوروبية تحمل حروفا لاتينية وأخرى عربية؟ هل سمعتم برنامجا إذاعيا يدندن فيه المقدم بألفاظ عربية؟ لكن أسفي على ثقفوتنا وحدثوتنا ونخبوتنا يقيسون مدى تمدنك بمدى إتقانك واستعمالك للغة أقوام آخرين، بل للغة المستعمرين. فيا عجبي والله.

وبعد أن انكشفت عني غشاوة من العمى زادني الله كرما فهداني إلى طريق الرسالة الغالية التي بعثها شيخ العربية وفارسها المغوار محمود محمد شاكر إلى شباب الأمة في كتابه النفيس  "رسالة في الطريق إلى ثقافتنا". ثم رأيتني قاربا صغيرا يمخر في عباب بحر كتابه "أباطيل وأسمار" وأنا بصدد الغوص فيه والنهل من منبعه الصافي دون كلل ولا ملل، بل رويدا رويدا وعلى مهل. وكثيرا ما دونت في دفتري بعض الألفاظ الجديدة والتعابير الجميلة والأمثال العربية الظريفة التي كنت أتلقفها تلقف الظامئ المحترق قطرات من الماء النمير. لكن بعيدا عن جمال التعبير هناك خاصة عمق المعاني التي صورت لي تصويرا دقيقا أن مسألة المنافحة عن اللغة العربية هي مسألة وجود أو فناء. وهي مسألة دفاع عن الدين الذي جاءنا بلسان عربي مبين من الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. وأن الاستشراق والاستعمار والتبشير أوجه ثلاثة لعملة واحدة. ولا ينبئك مثل خبير.

فإن كنت أيها القارئ من الصبورين فعليك برسالة محمود شاكر وهو كتاب متوسط الحجم  تمنيت لو أن شبابنا تربى عليه. وإلا فابحث في موضوع اللغة ستجد أن أسماءا تونسية كتبت فيه لمدى أهميته فإن شئت فاقرأ مقال الدكتور منصف المرزوقي وإن أبيت (لجمودك السياسي مثلا) فعليك بمداخلات الدكتور سالم الأبيض وهي مداخلات هامة تقوم على أساس من العقل قويم.

أخيرا ابحثوا عن تاريخ اللغة الفرنسية كما نعرفها اليوم وعن الجهود المبذولة لتوحيد الأقاليم حتى أجبروا الناس جبرا وأكرهوا الأطفال قسرا على التخلي عن لغاتهم الأصلية والتحدث بالفرنسية كلغة واحدة لشعب فرنسا العظيم. ثم لا يخفى عليكم الأموال والمؤتمرات وصيحات الفزع بل القوانين والأسوار التي يحيطون بها حصن لغتهم المنيع.
Rappelons que le «français» n'était encore parlé que par une faible partie de la population en France. ...  Mais, dans le reste du pays, on continuait de parler le breton en Bretagne, le flamand et le francique dans le Nord-Est, le savoyard en Savoie, le catalan dans le Roussillon, le basque dans le Béarn, etc. Au cours de cette période, la population paysanne, qui constituait 90 % de la nation, n'avait pas besoin d'autre langue pour ...communiquer que le patois»


والله ما جئتكم  إلا لأتقاسم معكم غنيمة اليوم، قصيدة رائعة لم أكن أعلم بوجودها بقلم حافظ إبراهيم، ولكنني كعادتي استرسلت في الكلام. استمعوا لعربيتكم وهي تنعي حظها. هدانا الله وأصلح حالنا. 

اللغة العربية تنعي حظها

رَجَعتُ   لِنَفسي   فَاتَّهَمتُ   حَصاتي
وَنادَيتُ   قَومي   فَاحتَسَبتُ   حَياتي

رَمَوني   بِعُقمٍ   في   الشَبابِ   وَلَيتَني
عَقِمتُ   فَلَم   أَجزَع   لِقَولِ  عُداتي

وَلَدتُ   وَلَمّا   لَم   أَجِد   لِعَرائِسي
رِجالاً     وَأَكفاءً     وَأَدْتُ     بَناتي

وَسِعْتُ   كِتابَ   اللَهِ   لَفظاً  وَغايَةً
وَما   ضِقْتُ   عَن  آيٍ  بِهِ  وَعِظاتِ

فَكَيفَ  أَضيقُ  اليَومَ  عَن وَصفِ آلَةٍ
وَتَنسيقِ       أَسْماءٍ       لِمُختَرَعاتِ

أَنا   البَحرُ  في  أَحشائِهِ  الدُرُّ  كامِنٌ
فَهَل   سَأَلوا   الغَوّاصَ  عَن  صَدَفاتي

فَيا   وَيحَكُم   أَبلى  وَتَبلى  مَحاسِني
وَمِنكُم    وَإِن   عَزَّ   الدَواءُ   أَساتي

فَلا      تَكِلوني      لِلزَمانِ     فَإِنَّني
أَخافُ   عَلَيكُم   أَن   تَحِينَ   وَفاتي

أَرى   لِرِجالِ   الغَرْبِ   عِزّاً   وَمَنعَةً
وَكَم     عَزَّ    أَقوامٌ    بِعِزِّ    لُغاتِ

أَتَوا     أَهلَهُم     بِالمُعجِزاتِ    تَفَنُّناً
فَيا     لَيتَكُم     تَأتونَ    بِالكَلِماتِ

أَيُطرِبُكُم  مِن  جانِبِ  الغَرْبِ  ناعِبٌ
يُنادي    بِوَأْدِي    في   رَبيعِ   حَياتي

وَلَو   تَزجُرونَ   الطَيرَ   يَوماً  عَلِمتُمُ
بِما    تَحتَهُ    مِن    عَثْرَةٍ   وَشَتاتِ

سَقى  اللَهُ  في  بَطنِ  الجَزيرَةِ  أَعظُماً
يَعِزُّ     عَلَيها     أَن     تَلينَ    قَناتي

حَفِظنَ   وِدادي  في  البِلى  وَحَفِظتُهُ
لَهُنَّ     بِقَلبٍ     دائِمِ     الحَسَراتِ

وَفاخَرتُ أَهلَ الغَرْبِ وَالشَرْقُ مُطرِقٌ
حَياءً    بِتِلكَ    الأَعظُمِ    النَخِراتِ

أَرى    كُلَّ    يَومٍ   بِالجَرائِدِ   مَزلَقاً
مِنَ     القَبرِ     يُدنيني    بِغَيرِ    أَناةِ

وَأَسْمَعُ   لِلكُتّابِ   في   مِصْرَ   ضَجَّةً
فَأَعلَمُ      أَنَّ     الصائِحينَ     نُعاتي

أَيَهجُرُني    قَومي   عَفا   اللَهُ   عَنهُمُ
إِلى     لُغَةٍ     لَم     تَتَّصِلِ     بِرُواةِ

سَرَت  لوثَةُ  الإِفرِنجِ فيها كَما سَرى
لُعَابُ   الأَفاعي   في   مَسيلِ  فُراتِ

فَجاءَت  كَثَوبٍ  ضَمَّ  سَبعينَ  رُقعَةً
مُشَكَّلَةَ       الأَلوانِ       مُختَلِفاتِ

إِلى   مَعشَرِ  الكُتّابِ  وَالجَمعُ  حافِلٌ
بَسَطتُ   رَجائي  بَعدَ  بَسطِ  شَكاتي

فَإِمّا   حَياةٌ   تَبعَثُ  المَيْتَ  في  البِلَى
وَتُنبِتُ   في   تِلكَ   الرُموسِ   رُفاتي

وَإِمّا     مَماتٌ    لا    قِيامَةَ    بَعدَهُ
مَماتٌ   لَعَمري   لَم   يُقَس  بِمَماتِ

8/30/2016

صُنع في فرنسا



قد يتفق لي أن أقتحم بعض محال البرجوازية ولست منها، حيث تتجاور الفساتين الفاخرة التي يبلغ سعر الواحد منها مرتب موظف محترم في إحدى الإدارات. هناك حيث تتصنع البائعة ابتسامة صفراء وتغمغم ب "مرحبا بك في كل وقت" وهي تتمنى سرا ألا ترى مجددا هذا الوجه الفضولي البغيض المتلفع في رداء أظلم ولا يبدو على سيمائه أنه يطيق شراء أهون القطع في هذا المحل. وفاتها أن المظاهر خداعة ولكن لا علينا.

هناك إذن وجدت امرأة وأمها تبحثان عن فستان سهرة للأم. المرأة قد جاوزت الأربعين بكثير أو قليل وعلى رأسها قبعة سخيفة. بدا لي جليا من لباسها الفاضح وكثرة رطانتها بلسان الأعاجم أنها من مواطنينا بالخارج. وأما الأم فهي عجوز متمدنة تلبس بنطالا وتضع غطاء رأس قد يسميه البعض حجابا. لكني لا أسميه كذلك استنكافا أن أغمس مداد قلمي في كذب مفضوح وتهافت صريح.

اختارت العجوز العصرية المعتنقة لدين الإسلام التونسي (قد أتاك ذكره في رسالة سابقة)، اختارت ثوبا رائعا غاية في الروعة وجربته على بدنها ثم خرجت ترفل في أمتاره سابحة سباحة خرقاء. استرقت النظر إليها فكدت أفغر فاي من العجب العجاب.فإلى جانب كبر سنها فهي لم تؤت جسما طويلا عريضا يحتمل مثل هذا الفستان الذي  يصلح لغادة في مقتبل العمر أو عروس في حفل زواجها. ثم إنه كان موشى بزينة بديعة من الأسفل فلا يتأتى قص متر من القماش المحلى بأنواع الزينة والجواهر فقط ليصبح ملائما لقامتها. ولن يكون ذلك أبدا بأية حال. أحسست أني شاهدة على جريمة ضد الجمال. فستان سهرة رائع يُقبر على بدن عجوز رقيقة الجسم دقيقة العظم خفيفة العقل والوزن فقط لأنها تملك ثمنه؟ دون اعتبار لمدى مناسبته لسنها ولبدنها؟

لو كنت مكان البائعة لأشفقت على هذا الفستان من الاغتيال ولأخلصت لها النصح ولحاولت جهدي أن أوجهها إلى شيء أكثر عقلانية. لكن كما في المثل "يبيع االقرد ويضحك على شاريه" (وما أكثر بياعة القردة في جميع الأسواق وأولها سوق الصحافة والإعلام وتسويد الصحائف بالأقلام).  ليس هذا ما أزعجني فلتفعل بنفسها ما تشاء. إلا أن سلوك الابنة المقيت هو الذي أثار حفيظتي. كانت تتجول في المحل وتتكلم بصوت عال. فتارة تغلظ اللهجة لأمها آمرة إياها أن تختار بسرعة لأنها مستعجلة ولديها أمور تنتظرها. وتارة توجه كلامها للبائعة بأنها اشترت من عندها في العام الفارط فساتين بقيمة أربعة ملايين. يا الله ما هذا التبجح والتفاخر والتهافت والتكاثر وكأنها طاووس ينفش ريشه ويختال في مشيته؟ من أي أديم سُوِّي وجه هذه المرأة حتى ترفع عقيرتها بلا حياء؟ أهذه تربية فرنسا؟ أهذا نتاج الحضارة التي لم يُر مثلها في البلاد؟ زعموا!

ثم إني أحسست، وأستغفر الله إن كنت خاطئة، أنها تزدريني وتشمئز من طلعتي. ربما لا تحب أن ترى الغرابيب السود أمثالي. ربما ارتضعَت لبان هذا  النفور من ثدي فرنسا حامية حمى الحرية والذائدة عن حياض العلمانية، دين اللا دين. فرنسا التي فضحها الله في مشارق الأرض ومغاربها بتلك الصورة المخزية المزرية لامرأة مسلمة تنتهك حرمة جسدها وتغتصب إرادتها الحرة باسم الحفاظ على مبادئ العلمانية. ألا لعنة الله على الظالمين.

ولكن مهلا، لقد هُتك الستر عن وجه الهُولة القبيح وبدت لمن لا يعرفها في كامل عُوارها ودمامتها. هكذا بلا رداء ولا عطور باريسية. هُولة مفزعة برائحة خبيثة دوخت العالم بذَفرها وبسوء مطلعها. لأنها كما قال شيخ العربية وفارسها المغوار المنافح عن لغة الأمة ووجودها منافحة الصناديد، محمود محمد شاكر رحمه الله وجزاه عنا خير الجزاء، "لأنها حضارة قائمة على المنفعة والسلب ونهب الأمم وإخضاعها لسلطانها المتحضر". لله درك يا معلمي. هو ذاك والله. هاهي فرنسا تخضع امرأة مسلمة لحكمها الجائر، كأني بها تخاطبها:

 "يا أيتها الأَمَة الذليلة عليك أن تخضعي إلى سلطاني المتحضر وتعرضي جسمك بضاعة رخيصة على شاطئ الفسق والفجور. ستركعين بقوة الشرطة المدججة بالسلاح وبقوة الغرامة التي ستدفعينها من جيبك. "


كأنها حرب صليبية أُعيد إحياؤها من جديد،  تستهدف الرؤوس والفلوس. وحسبنا الله ونعم الوكيل. هذا صُنْعُ فرنسا وهذه صُنِعت في فرنسا، فما صنعتم أنتم أيها المسلمون في بلاد الإسلام؟ أي أجيال أعددتم لمجابهة هذا الخبال؟ ويا إخواننا في أبغض البلاد إلينا، ما صنعتم في فلذات أكبادكم الذين يشبون ولا يحسنون قراءة كتاب الله بالعربية؟ هل من هجرة إلى الله ورسوله وقد كثر البلاء؟ اللهم أعنّا على تغيير ما بأنفسنا. اللهم إنا نعوذ بك من الهم والحزن ونعوذ بك من العجز والكسل ونعوذ بك من الكفر والفقر، ونعوذ بك من غلبة الدَين وقهر الرجال!



8/15/2016

الجاهلة والغافلة والآسفة



كنت أنتظر دوري لدفع ثمن مشترياتي في ذاك المحل الذي لا أجرأ ولوجه إلا في أيام التخفيضات الكبرى. وإلا فشراء أي شيء منه يعد ضربا من الخبال. كانت أمامي امرأة محجبة حجاب المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلا هؤلاء. وكانت هناك شابتان تنتظران الدور. فناولت إحداهما الأخرى فستانا ودعتها لتجربه. فأجابتها صاحبتها أنها سئمت من الفساتين وأنه بلا أكمام مما يستوجب عليها أن تبحث له عن سترة تناسبه. فما كان من محجبتنا الفذة المتقدمة في السن إلا أن هتفت بها وقد برق في رأسها خاطر: ولم لا تلبسينه هكذا؟

أجابت المسكينة التي لم تجد نصحا في الله: لا أريد أن أرتدي مثل هذا اللباس في العمل. فصاحت بها صديقتها أن كفاك تعقيدا يا معقدة. فاعترضت أنها ليست هي المعقدة وإنما الناس، زملاؤها في العمل هم المعقدون.



   ومن العجائب أعين مفتوحة      وعقولهن تجول في الأحلام
                                                                                        أبو عبادة البحتري

 [هنا لا بد من توضيح كلمة معقد التي حافظت عليها رغم عاميتها للأمانة التاريخية. فهذه الكلمة كثيرة الرواج في مجتمعنا المسلم المعاصر، وكثيرا ما يطلقها ناقصو العقل والدين على كل من أظهر تشبثا بالدين ومكارم الأخلاق ومقومات الحياء. فإن رأيت أن على المرأة أن تلتزم بلباس الحشمة، حتى لو لم تغط رأسها، لا سيما في مكان العمل فأنت في نظرهم معقد أي أن عقلك يأخذك إلى متاهات ويطوف بك في عوالم تتجاوز الصورة الماثلة أمامك. فإما أن تلغي رجولتك وتعتبر أن النهود الظاهرة والأرداف البارزة والزنود العارية والسيقان الغاوية لا تحرك فيك شيئا وإما أن تلصق بك تهمة المعقد الرجعي رجل الكهوف المتخلف. فأنت بين خيارين لا ثالث لهما إما أن تكون ديوثا مخنثا وإما أن تكون حيوانا داعشيا.

هذا هو الإسلام التونسي. دين جديد بزغ فجره منذ حوالي ستين سنة وكثر طنينه على أفواه السياسيين الجدد. فإما أن تسجد إكبارا لعظمة مفكريه وإما أن تكون ظلاميا قد فاته الركب. وإياك إياك أن تحدثهم بقال الله قال الرسول، ستبدأ طلقات الكلمات الجارحة تخرق أذنيك وتدمي قلبك. سيتهمونك بأن لا عقل لك وأنك مازلت تعيش في غوابر القرون الأربعة عشرة الماضية وأنك لا تحسن تفسير القرآن ولا تدرك سماحة السنة بل لا تفقه من الإسلام (إسلامهم التونسي طبعا) شيئا. ويحدثونك عن المذهب المالكي وعن سماحته ويسره حتى لتحسبن أن مالكا كان مستهترا من المستهترين أو زنديقا من الزنادقة حاشاه وتعالى عن ذلك رحمة الله عليه. وإنها لمسالك ذات محالك ومهالك ولا طاقة لي بالتمادي فيها الآن. ]

كان من الأجدر بمحجبتنا المذبذبة، إن لم تكن ناصحة أمينة، أن تحفظ ماء الوجه وتلوذ بحصن الصمت المنيع. ما كان أغناها عن تلكم الوسوسة الشيطانية التي ما إن خرجت من فيها حتى تلقفتها الملائكة بالتدوين في صحيفتها. أما كفى صحائف ذنوبنا اسودادا؟ مساكين نحن، نرى المنكر فلا ننهى عنه ونعرف المعروف فلا نأمر به ولا نقوم بحق الطريق ولا بحق المسجد ولا بحق الجار ولا بحق النصيحة في الله. نرى المنكر فلا نغيره بألسنتنا ولا بأيدينا ولا حتى بقلوبنا؟ بل نرى المنكر معروفا والمعروف منكرا. فإلى أي حضيض انحدرنا وإلى أي سحيق هوينا؟ تالله إنا لنرى آثار الاستعمار في أبسط تفاصيل حياتنا. وما هذا الموقف السخيف الذي كنت شاهدته الخرساء الآسفة إلا نبذة صغيرة من قيودنا الفكرية وانتكاستنا الفطرية وتصحيرنا الثقافي وإفلاسنا الأخلاقي. وإني كلما رأيت في البحر النساء العاريات العاريات  (ليس ثمة لباس لأكسوه كلمة كاسيات فبقيت عارية) تذكرت تلكم الآيات البينات التي تأسر الفؤاد وتدمي الأكباد:


يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾. سورة الانفطار


إنا لله وإنا إليه راجعون

Cher journal

Cher journal En ce temps de sécheresse artistique et d'absence de vrais tourments et de réels "problématiques" dans ...