الجاهلة والغافلة والآسفة



كنت أنتظر دوري لدفع ثمن مشترياتي في ذاك المحل الذي لا أجرأ ولوجه إلا في أيام التخفيضات الكبرى. وإلا فشراء أي شيء منه يعد ضربا من الخبال. كانت أمامي امرأة محجبة حجاب المذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلا هؤلاء. وكانت هناك شابتان تنتظران الدور. فناولت إحداهما الأخرى فستانا ودعتها لتجربه. فأجابتها صاحبتها أنها سئمت من الفساتين وأنه بلا أكمام مما يستوجب عليها أن تبحث له عن سترة تناسبه. فما كان من محجبتنا الفذة المتقدمة في السن إلا أن هتفت بها وقد برق في رأسها خاطر: ولم لا تلبسينه هكذا؟

أجابت المسكينة التي لم تجد نصحا في الله: لا أريد أن أرتدي مثل هذا اللباس في العمل. فصاحت بها صديقتها أن كفاك تعقيدا يا معقدة. فاعترضت أنها ليست هي المعقدة وإنما الناس، زملاؤها في العمل هم المعقدون.



   ومن العجائب أعين مفتوحة      وعقولهن تجول في الأحلام
                                                                                        أبو عبادة البحتري

 [هنا لا بد من توضيح كلمة معقد التي حافظت عليها رغم عاميتها للأمانة التاريخية. فهذه الكلمة كثيرة الرواج في مجتمعنا المسلم المعاصر، وكثيرا ما يطلقها ناقصو العقل والدين على كل من أظهر تشبثا بالدين ومكارم الأخلاق ومقومات الحياء. فإن رأيت أن على المرأة أن تلتزم بلباس الحشمة، حتى لو لم تغط رأسها، لا سيما في مكان العمل فأنت في نظرهم معقد أي أن عقلك يأخذك إلى متاهات ويطوف بك في عوالم تتجاوز الصورة الماثلة أمامك. فإما أن تلغي رجولتك وتعتبر أن النهود الظاهرة والأرداف البارزة والزنود العارية والسيقان الغاوية لا تحرك فيك شيئا وإما أن تلصق بك تهمة المعقد الرجعي رجل الكهوف المتخلف. فأنت بين خيارين لا ثالث لهما إما أن تكون ديوثا مخنثا وإما أن تكون حيوانا داعشيا.

هذا هو الإسلام التونسي. دين جديد بزغ فجره منذ حوالي ستين سنة وكثر طنينه على أفواه السياسيين الجدد. فإما أن تسجد إكبارا لعظمة مفكريه وإما أن تكون ظلاميا قد فاته الركب. وإياك إياك أن تحدثهم بقال الله قال الرسول، ستبدأ طلقات الكلمات الجارحة تخرق أذنيك وتدمي قلبك. سيتهمونك بأن لا عقل لك وأنك مازلت تعيش في غوابر القرون الأربعة عشرة الماضية وأنك لا تحسن تفسير القرآن ولا تدرك سماحة السنة بل لا تفقه من الإسلام (إسلامهم التونسي طبعا) شيئا. ويحدثونك عن المذهب المالكي وعن سماحته ويسره حتى لتحسبن أن مالكا كان مستهترا من المستهترين أو زنديقا من الزنادقة حاشاه وتعالى عن ذلك رحمة الله عليه. وإنها لمسالك ذات محالك ومهالك ولا طاقة لي بالتمادي فيها الآن. ]

كان من الأجدر بمحجبتنا المذبذبة، إن لم تكن ناصحة أمينة، أن تحفظ ماء الوجه وتلوذ بحصن الصمت المنيع. ما كان أغناها عن تلكم الوسوسة الشيطانية التي ما إن خرجت من فيها حتى تلقفتها الملائكة بالتدوين في صحيفتها. أما كفى صحائف ذنوبنا اسودادا؟ مساكين نحن، نرى المنكر فلا ننهى عنه ونعرف المعروف فلا نأمر به ولا نقوم بحق الطريق ولا بحق المسجد ولا بحق الجار ولا بحق النصيحة في الله. نرى المنكر فلا نغيره بألسنتنا ولا بأيدينا ولا حتى بقلوبنا؟ بل نرى المنكر معروفا والمعروف منكرا. فإلى أي حضيض انحدرنا وإلى أي سحيق هوينا؟ تالله إنا لنرى آثار الاستعمار في أبسط تفاصيل حياتنا. وما هذا الموقف السخيف الذي كنت شاهدته الخرساء الآسفة إلا نبذة صغيرة من قيودنا الفكرية وانتكاستنا الفطرية وتصحيرنا الثقافي وإفلاسنا الأخلاقي. وإني كلما رأيت في البحر النساء العاريات العاريات  (ليس ثمة لباس لأكسوه كلمة كاسيات فبقيت عارية) تذكرت تلكم الآيات البينات التي تأسر الفؤاد وتدمي الأكباد:


يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)﴾. سورة الانفطار


إنا لله وإنا إليه راجعون

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire