مغامراتي في المسجد




ذهبت إلى المسجد لصلاة التراويح على غير عادتي، إذ كنت أحبذ أن أعبد ربي في خلوتي إلا أن يكون هناك قارئ يأخذ بمجامع قلبي. وصلت متأخرة فلم يكن لدي متسع من الوقت لأختار مكاني بروية. وبعد أن اصطففت مع الناس وكبرت ودخلت في الصلاة وجدتني بين صفين مختلفين مائلين فلم أعرف هل أقف مع الأول أم الثاني أم أكون همزة الوصل بينهما!

ثم غيرت مكاني وكان ولدي في حوله الثاني ورأيته قد تركني وابتعد كثيرا. وكلما وجد قارورة ماء تناولها وشرع يلعب بها ويضعها في فمه  كأنما يشرب. بل ربما أخذ مفاتيح هذه أو مسك حقيبة تلك فهو ببراءته الطفولية يحسب أن العالم ساحة لعب كبيرة ليس لها حدود ولا تعترف بحقوق الملكية. فما إن انقضت الركعتان حتى سارعت إليه لأجلسه بجانبي. وعند عودتي إلى مكاني الذي تركت فيه حقيبة يدي وجدت أن فتاة صغيرة قد احتلته. هكذا بكل بساطة. فغاظني ذلك لكنني حاولت أن أندس بجانبها. لم أر حتى وجهها لكنها تبدو في الثامنة أو التاسعة من عمرها.

وبعد أن كبرت مع الإمام هجمت على أنفي رائحة أقدام كريهة. وكلما تحركنا في الصلاة كلما وجدت ذفرها في خياشيمي حتى كدت أفقد صوابي. وأجلت بصري أفتش عن المجرمة صاحبة الجوارب النتنة فلم تقع عيني إلا على قدمين عاريتين متورمتين. فأدركت أنهما خرجتا للتو من سجن الأحذية وقد شرعتا في التنفيس عن نفسيهما واستنشاق الهواء الطلق وبث ما تيسر من السموم. فزدت مقتا لجارتي الصغيرة إذ كان جرمها في حقي مضاعفا. حتى أني حدثت نفسي بتغيير المكان فورا لكنني اصطبرت وتجلدت إذ كنت لا أدري هل يجوز لمن كاد يموت خنقا برائحة الأقدام أن يتحرك أثناء الصلاة وينجو بما تبقى من أنفاسه الغالية. ثم إني لم أرد أن أجرحها ومع حنقي عليها إلا أني كنت ألوم خاصة والدتها التي لم تسهر على نظافتها ثم أطلقتها هكذا في الطبيعة.

وما إن انتهت الركعتان حتى أطلقت لساقاي العنان واستقبلت الرياح الأربعة أفتش لي عن موضع أكون فيه بأمان. فما إن وجدت ضالتي حتى قرّبت إليّ ولدي وشرعت في الصلاة. لم أتمتع بها لأن ملاكي الصغير قد طاب له التجوال في رحاب المسجد وكان يختفي عن ناظري بين الصفوف. فأتلفت يمنة ويسرة أبحث عنه وأتخيل تارة ضياعه وتارة ذهابه إلى السلم حيث يمكنه السقوط. وكانت جارتي في الصلاة لا تتوانى عن رشقي بسهام عينيها كأنما ترقب ردة فعلي كلما قام ولدي بعمل "شقي" كأن يمسك بسبحة أو يلعب بحاملة مفاتيح أو يلاعب طفلا آخر من بعيد. فعجبت لوقاحتها واستثقلت جيرتها. وعجبت لهذا المجتمع الذي لا يرحم الأم. فهذا ولدي يلعب ولا يضر أحدا فلمَ تنظر إلي هذي الثقيلة شزرا. وكيف تجوِّز لنفسها التلفت أثناء الصلاة لغير حاجة والانشغال عن آي الله بمراقبة غيرها. ولمَ تسمح لنفسها بمحاكمتي بتلك النظرات القاسية التي أحسست بوخزها في جنبي دون أن أنظر إليها.

هل سأغير مكاني للمرة العاشرة هذه الليلة؟

حين قررت الانصراف أخيرا كانت هناك امرأة شابة تهم بالخروج قد لعب ولدي مع ابنها قليلا. فلما التقت عينانا عفوا ابتسمت لي ابتسامة عريضة أشرق لها وجهها الوضيء أصالة. كانت في منتهى الجمال، حتى أني شككت أنها تضع مساحيق للزينة. هي فعلا تستحق ذاك النقاب الذي أسدلته على وجهها لترحم ظلمة الليل من وهج نورها وتدخره لزوجها البخيت في البيت السعيد.

فقلت الحمد لله الذي أبدلني من رائحة القبح إشراقة الجمال. فهل رأيتم أجمل من ابتسامة على وجه وضيء في زمن قل من يتصدق فيه بالتبسم؟ جزاك الله خيرا أخية الإسلام وكتبك من الفائزين في شهر الصيام.


0 commentaires:

Enregistrer un commentaire