مراجعات 1


كنت قد كتبت سابقا مقالا مطولا حول الاحتفال بأعياد الميلاد. خلصت فيه إلى أن هذه البدعة مذمومة جدا وكلها شر ووبال على الصغار. كنت حينها متأثرة بكتاب لأحمد خيري تطرق فيه إلى أن الاحتفال بعيد الميلاد عادة غربية بحتة تكرس الفردية والأنانية وتبني صرح ما يسمى بالطفل الملك. كما أنني حين كتبت مقالي كنت أسترجع ذكريات مؤسفة لما سببته هذه المناسبة من مشاكل وصدامات في عائلتي الموسعة.

وقلت كلاما لازلت أعجب لطوله والحال أنه مقال يحمل فكرة بسيطة لا تحتمل كل هذا الهذيان. هذيان لا أملك الشجاعة على قراءته كاملا الآن. أذكر فقط أنني بالغت في وصف ما يعتمل في مشاعر الصغار من شعور بالنقص لأن الملك المتوج على عرش عيد ميلاده يأخذ كل الهدايا ويحتكر كل الاهتمام.

لكن شاءت الأقدار أن تنجب أختي الصغرى توأما وتقرر أنها ستحتفل بربيعهما الأول. فقامت بتحضير كل لوازم العرس... أعني عيد الميلاد، من كعكة الحلوى الكبيرة المزينة ب "ميني" إلى المشروبات وأنواع الحلويات والصحون والطرابيش الملونة وغيرها من أسباب الزينة والمرح الطفولي. لكنني لم أر طفلا من الحاضرين يبكي أو يتذمر. إن هو إلا السرور والبشر والحبور. كان مهرجانا حقيقيا للفرح. أما مهدي ومرام الصغيران فكانا يبتسمان وكأنهما استشعرا بهجة المناسبة. والبهجة إخواني معدية وكذا الابتسام.


ولو أردنا أن نجتمع هكذا بكاملنا ما اجتمعنا لكن الاحتفال لم شملنا وأزال كل الحواجز والأعذار. ولا أقول أن هذا الأمر كله خير بل قد يتسرب إليه نوع من الإسراف والتبذير، لكنه مبدئيا لا يحتمل كل الشرور والرزايا التي حملته إياها. بل قد يكون خيره أعم من شره. ما دام ليس فيه الاختلاط المذموم ولا الموسيقى الصاخبة ولا الرقص ولا المجون. إن هو إلا اجتماع عائلي يتوج فيه كل الأمراء الصغار ويشتركون جميعا في خلق أجواء السعادة والانشراح.

ولولا أنني سمعت وقرأت كلاما لطارق السويدان ولبشير عصام المراكشي وغيرهما لا يرون فيه أي أثر يدلل على حرمة عيد الميلاد لا سيما وهي عادة لم تعد غربية بل عالمية، لما تكلمت بمثل هذا الكلام فما كان لي أن أفتي في الحلال والحرام أو أتمسك بشيء حرمه الله في كتابه وسنة رسوله. بل إن نبينا كان يعير اهتماما ليوم ميلاده ويحتفل به ولكن بالصيام. أليس قد قال صلى الله عليه وسلم .. ذاك يوم ولدت فيه.

رغم كل هذا لا أحسبني سأقيم حفلا كبيرا لابني في يوم من الأيام، أنا أفضل البساطة وأخير الحلوى التي أصنعها بيدي والصور التي ألتقطها بنفسي وأهاب كثرة الضيوف وما ينجر عنها من تحضير تحت التهديد. الاحتفال الحقيقي عندي يكون بدون زخارف ولا تخطيط. احتفال يطيقه الموسر والمعسر عنوانه "السعادة" وشعاره "التلقائية".

وأطفالنا لا يُخشى عليهم من الفردية لمجرد حفلة عيد ميلاد هي أذل من أن تبلغ هذا المبلغ. أطفالنا نعلمهم روح الجماعة في الصلاة وفي الأعياد وفي قطع النقود ندسها في أيديهم ليضعوها في صندوق التبرعات بالمسجد. أطفالنا نلقنهم روح الجماعة حين يشاركون كرتهم مع جيرانهم على الشاطئ أو في الغاب، حين يكلمون أقرانهم حتى لو لم يعرفوهم. أطفالنا لا نخشى عليهم الأنانية وهم يتربون تربية إسلامية وإنسانية. كما لا نخشى عليهم الشعور بالنقص والكبت إذا ما أغدقنا عليهم من نعم الله ظاهرة وباطنة. فلا يشعر بالنقص إلا من كان ناقصا.. كما نعلمهم أن المال وسيلة وليست غاية ونحدثهم عن القصور والأنهار في الجنة العالية...

يتبع...

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire