عائشة (3)



الساعة وما أدراك ما الساعة. كان للوقت قيمة ثمينة جدا في بيت جدتي. كل شيء بميقات معلوم. توقظنا في الساعة السادسة والنصف، وإذا أتعبناها في النهوض كانت تنزع عنا الغطاء وتدعنا للسعات البرد تلدغ أجسادنا وتطرد عنا بقايا النوم والخمول. كنا نعجب من بساطة هذه الحيلة ونجاعتها. فيا أيتها الأمهات المجاهدات في الثغور، لقد جئتكم بترياق للكسل عجيب، افتكوا من أولادكم الغطاء، يبعثوا من أسرتهم كما يبعث الموتى أحياءً من القبور. ويقولون هات المحفظة والطبشور.

أما وقد أفسدت علينا جدتنا لذة الدفء والنعاس فلا مناص من ترك الفراش برضا أو بامتعاض. كانت دائما تسخن لنا قدرا من الماء في الشتاء نغسل به وجوهنا ثم نستقبل الميدعة والمحفظة والحياة. الخروج في السابعة والربع لا نستقدم عنها ساعة ولا نستأخر. فالمدرسة قريبة وكنا نصل إليها في الوقت دونما عناء ولا استعجال. فلا تأخير أبدا بل هو ضرب من المحال. وحين نعود إلى البيت في العاشرة نجلس قليلا إلى طاولة المطبخ الطويلة المستطيلة. تلك التي تستقبل صحون الطعام كما تستقبل الكتب والكراسات وبعض المسرحيات. صور أميرات ورجال نقتطعها من قصص السلسلة الخضراء (بعد أن قرأناها عشرات المرات) ثم نقيمها منتصبة في سلة الغلال. بين ليمونة وتفاحة تجد أميرة يافعة أو طفلة ضائعة تحركها أصابع صغيرة وتجعل لها أصواتا وضحكات وتساؤلات. 

أما الغداء فنتناوله دائما في الحادية عشرة والنصف والويل لمن لا تكمل صحنها. كنا رقيقتين دقيقتين فلا مجال للتهاون في طعامنا. أما الخروج ففي الساعة الثانية عشرة والربع مما يبقي لنا ربع ساعة لنلتحق بالصف. ينتهي يومنا في الثالثة ولا يجوز لنا أن نقف على باب جدتي بعد الثالثة والربع وإلا فمصير سندرلا ينتظرنا. كما يتحول ثوبها الفاخر إلى أسمال بالية وعربتها الفخمة إلى قرعة يابسة بائسة، كذا تتحول جدتنا الحنون إلى عجوز حيزبون. فاللوم ثم التقريع ولا مجال للفرجة في الصور المتحركة. بل أنتما ستصيران صورا غير متحركة تلتصقان بالكرسي في المطبخ وتراجعان دروسكما، مفهوم؟

لم نعش في حياتنا بنظام أبدا كما عشنا في تلك الأيام. النوم والاستيقاظ، الخروج والدخول، الطعام والشراب، المراجعة والراحة بل حتى "الأعياد" الاستثنائية، كل شيء بقدر معلوم وفي كتاب موقوت. فمثلا لم يكن يسمح لنا باللعب خارج البيت مع أقراننا إلا في مناسبتين أو ثلاث. كما لم يكن يسمح لنا السهر ليلا بعد الساعة التاسعة إلا في الحلقة الأخيرة من ذاك المسلسل المكسيكي "أنت أو لا أحد"، حيث تركتنا جدتي نسمر معها قليلا ونسترق النظر إلى الشاشة العجيبة. فخبروني بالله عليكم أين هذا من ما يحدث اليوم في البيوت؟ كل شيء مطلق بلا قيود. الصغير والكبير ومن لا يزال يزحف على الحصير يتفرجون في سلطان وحريمه بحلاله وحرامه. أين هذا الانضباط من اللذين يأكلون في أرجاء البيت كلها ومتى شاؤوا وأنى شاؤوا وكيفما أرادوا واشتهوا. أين هذا من الأولاد الذين يسهرون أكثر من آبائهم ويأكلون حتى يملوا ويتسكعون حتى يكلوا ويثرثرون ويهضبون ولا يكادون يتعبون. ثم إذا أنت دعوتهم  إلى ساعة جد أو دراسة صاروا يتململون ويتذمرون ويتكاسلون.

لكنها عائشة، جدتي عائشة بحزمها وعزمها، بحبها وحنانها، بجدها ووجدها، تلك التي كانت تلفنا في الغطاء حين نراجع دروسنا بالمطبخ في ليالي الشتاء. تلك التي كانت تشفق على أجسادنا الصغيرة أن يخزها برد الكراسي، تلك التي تسعى جاهدة لتوفر لنا أسباب النجاح والتميز، تلك الأمية التي لم تتركها عصبية الأب الجاهل في تلك العصور الكافرة أن تتنور بنور العلم، تلك التي تحب الإذاعة وتكره التلفاز لأن السكري أذهب قوة نظرها الثاقب. عائشة التي توازن بين الحزم واللين فلا تشد الحبل حتى ينقطع ولا تتركه  فيتداعى في الأرض،  فتدعنا نتفرج أحيانا في تلك السلسلة الفرنسية وبطلها الخارق "ماك قايفير" بل تتفرج معنا وهي تترشف قهوتها وتبتسم لفرحنا. جدتي هي تلك التي تصنع لنا الطعام وتسهر على راحتنا والناس نيام. حتى أني لا أذكر يوما أني مرضت عندها. وحين يأتي جدي في نهاية الأسبوع فتلك إذن قصة أخرى...

قد مضت تلك الأيام الخوالي وطُوي بساطها لكنني مازلت أذكركِ وأذكرها. جدتي عائشة، يا ضحوك السن، يا بسامة العشيات، يا هاشة إلى الضيف، يا كريمة كرم الغيث، يا من عاشت صغيرة اليتم والفقر ثم تجرعت كبيرة غصص القسوة والقهر، يا عائشة الخير، يا من كانت حين نزورها تخبأ لنا حفنات اللوز وشيئا من البرتقال والموز. يا جدتي الحانية الحازمة، يا من لا تحسن القراءة ولا الكتابة ولا تعرف النت ولا تسمع هراء التنمية البشرية، لكنها أستاذة فوق جامعية في فن تربية الأطفال وحفظ الأمانة وحس المسؤولية. رحمك الله يا غالية وجمعنا بك في جنة عالية. وعسى أن يكون ربي قد أبدلك أهلا خيرا من أهلك فوالله ما وفّيناك حقك وإنا لله وإنا إليه راجعون.



0 commentaires:

Enregistrer un commentaire