بلاد العُهر أوطاني




في بلاد العُهر التي كانت قبل تسمى دار الإسلام ترى قناة الشعب الممولة بمال الشعب تحارب دينه وتسخر بعقيدته وتهزأ بأخلاقه وتستبيح عرضه وماله وولده ! كل يوم مشاهد لنساء كاسيات عاريات مائلات مميلات، مسابقات في الجمال وأخرى في السينما والخيال، زعموا. أما الفن فمصيره الاغتيال، أما الذوق فلن تجده محال، أما الجديد فلا جديد وإنما هو التقليد الأعمى الأصم المقيت. كأنه لا خالق ولا حسيب ولا رقيب. كأنه لا إله في هذا البلد السعيد. كأن الله وربي كلمات يعيدونها فقط من باب التقليد، يمضغونها وليس لها في قلوبهم معنى أو صدى. هي كلمات وكفى. من منا يعرف الله؟ من منا يعيش مع الله؟ من منا يوقر خالقه؟ حتى إذا مات أحد فنانيهم وهو في "أوج العطاء" لم يخافوا ولم يعتبروا ولم ينتهوا عما يفعلون، فقد غاب الوازع وألقى منسأته لتأكلها دابة الأرض وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قد كنت في صغري أعشق الإذاعة التونسية باللغة الفرنسية أستمع إلى دنيا الشاوش بصوتها الجميل وحيويتها ونشاطها وأحلم بأن أصبح منشطة إذاعية ناجحة مثلها طبعا إلى جانب عملي كطبيبة أو سائقة طائرة. ولعلي جهرت بحلمي هذا مرة أمام أمي فقالت لي ويحك يا بنية، أما علمت أن هذا الميدان فاسد متعفن؟ في الحقيقة قالتها أمي بالفرنسية، قالت لي: "c’est un milieu pourri". فلم أكن أصدق لا من باب تكذيب والدتي لكني فعلا لم أكن أتخيل معنى هذا الكلام. ثم كبرت وعلمت ما لم أكن أعلم. وليتني ما علمت ولا رأيت ولا سمعت ولا دريت. أذكر أن التلفزة الوطنية كانت تحافظ على حد أدنى من الزي اللائق للمذيعات والفنانات إلى حدود ما قبل الثورة بقليل. ثم جاءت علياء بلعيد ترقص وتقفز في آخر سهرات العام البنفسجية في زي كاشف فاضح مخزي فنقمت عندها أشد نقمة، ما هذه الصفاقة؟ ألم يعودوا يكلفوا أنفسهم حتى عناء الستر والتمويه؟ صار العهر والعري جهارا نهارا؟ ثم جاء طوفان الثورة في أجمل أيامها فأتى على الأخضر واليابس وسرعان ما ... تتالت الأيام والأعوام واتسعت رقعة الشيطان في كل مكان. أصبح الشذوذ مثلية والإلحاد في شاشاتنا حرية والراقصات في كل شاشة عربية يحتفلن بالسنة الجديدة الإدارية

ثم صارت "الفنانات" يأتين بلا مجاملات في بضع سنتيمترات من القماش الشفاف وأطنان من مساحيق الزينة فيغنين ويرقصن ويتغنجن كالعاهرات أمام مرأى ومسمع من المشاهدين والمشاهدات. ويسلم عليهن المنشط كما يسلم الواحد منا على أخته وأخيه، ويتبسطن في الكلام ويقلبن المعاني ويخلطن حراما بحرام. لم تعد أجواء الفنانين الفاسدة الماجنة حكرا على أشكالهم من الببغاوات والطيور، فقد اقتحمتها عدسات المصورين والصحفيين التافهين ثم اقتحمت علينا بيوتنا ونشرتها أمام الملأ وكنا في غنى عن مثل هذا الكلأ الذي لا يسرح في ذفره إلا الهوام والأغنام. فإلى أي قاع انحدرنا ومتى تتوقف هذه السفينة المجنونة عن الدوران في موج متلاطم من الرداءة والبذاءة والوقاحة؟

في بلاد العُهر أصبحت الثقافة سينما ومسرح ورقص وغناء وبضع لوحات تافهة معلقة في سيدي بو سعيد الأغنياء. في بلاد القبح صار صافي سعيد فريد عصره في الثقافة وألفة يوسف فيلسوفة زمانها ويوسف صديق نبيا مرسلا وتوفيق بن بريك كاتبا مميزا وناجي جلول وزيرا ناجحا ومجددا وبورقيبة بطلا خارقا وزعيما خالداأما جهابذة الفلسفة والكتابة كأبي يعرب المرزوقي فلن تسمع عنهم في الإذاعة ولن تفرح برؤيتهم في التلفزة إلا قليلا قليلاأما الطاهر بن عاشور والخضر حسين فلن تجد ريح ذكرهم في أي مكانوكذا الكتاب ليس له تغطية إعلامية ولا عنوان إلا إذا كان كاتبه تافها بذيئا متحذلقا. وإن لي أختا وصديقة في الله، خولة حمدي، نجحت كتاباتها عربيا ولم يقع تكريمها ولا تعريف الجمهور بها في تونس وهي على صغر سنها قد أصدرت ثلاث روايات يتسابق القراء في اقتنائها فأين العناية بالثقافة والشباب والقطط المشردة؟

لمَ يهدرون المليارات في مهرجان للسينما والناس جياع؟ وما رأينا من فنهم إلا ديوثين أو مخنثين أو ناقصات عقل وذوق ودين يسعين كالأفاعي على بساط احمر وجهه غضبا لدين الله، على بساط بلون الدماء، بلون الحياء الذي قدم قربانا بين يدي الفن العاهر والهراء، بلون الشرف الذي بيع بدراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين. وليتهم قدموا فنا جميلا وذوقا سليما ثم تبختروا على بساط الدنيا الفاني لكنهم كعادتهم لا يقلدون الغرب إلا في القشور التي لا تغني فتيلا، ولا تزيد في صرح الثقافة السامية كثيرا أوقليلا. إنما هي معاول هدم وتخريب وتشويه وإفساد. فمن لي بهذا الفساد؟

إنه زمن الرداءة ثم البذاءة بل الكفر الصُرَاح والعُهر المباح، إنه زمن كثر فيه اللغط والنباح، فالله الله في الفن الدقيق والأدب الرقيق، أغيثونا بكاتب صادق أومخرج حاذق، ارفعوا عنا هذا البلاء الماحق، ارحموا الطفولة والشباب الصاعد يرحمنا ويرحمكم الله !

"وإلف القبيح متلفة للإحساس والعقل جميعا" 
محمود محمد شاكر


0 commentaires:

Enregistrer un commentaire