لعل لها عذرا وأنتَ تلومُ



اليوم يوم راحتها... من العمل خارج البيت، أما داخله فشُدّ المؤزر وحي على الجهاد. أكوام من الثياب تحتاج إلى غسل ونشر فجمع وطي وعَود إلى الرفوف. الأرضية تحتاج إلى كنس فغسل ومسح مع الحرص على رفع الزرابي وكل العقبات ثم إرجاعها إلى مكانها. أما المطبخ والطبيخ فلا تسل عن أصنافه وألوانه وأهواله. فأنت إذا أردت أن تنسى نفسك وأولادك ثم الزمان والمكان فعليك بالخضر واللحم والسكين لا مثيل لهم كسجان. زد عليه نفض الغبار وتلميع زجاج النوافذ والمرايا وما لا حصر له من الأعمال التي يطول شرحها ويمل الإنسان فقط لذكر اسمها. فدعونا منها.

أما الولد والبنت فلا مناص من الاهتمام بأكلهما وشربهما ولباسهما وفض ما شجر بينهما من عراك على لعبة أو ممحاة. قضت معهما الدقائق والساعات تلاعبهما وتمدح إنجازاتهما الصغيرة وتصيح من أفعالهما الكبيرة وتفننهما في الرسم على الجدران والساحات. مثلت دور المجنونة والمفتونة والمعلمة والممرضة والمهرجة والمصارعة والطفلة والكهلة والرجل والمرأة. فمرة تبسط ومرة تقبض وأخرى ترغي وتزبد، لم تتعلم في المدرسة معنى أن تكون أما. هذه مهنة ليس لها شهائد وجامعات إنما هو الجد والكد والبحث والاجتهاد.

وبعد أن أنهكتها أعمال البيت اللا متناهية وطلبات الصغيرين المتهافتة وبعد أن أعياها الوقوف أمام الموقد لساعات و شيّبها غسل الصحون المتوالدة والبقع العنيدة فوق الميدعات، بعد كل هذا الجهاد، تذكرت أن لنفسها عليها حقا، فأحبت أن تأخذ استراحة محارب، كأس شاي ترشفه على مهل وهي جالسة تحت الغطاء. فالجو بارد والطقس شتاء. هل في هذا خزي أو جريمة؟ أليس حقا مكتسبا بعد كل هذا العناء؟ لكن ما هي إلا رشفتان حتى دخل زوجها كالثور المهتاج، فهاج وماج، وصاح بها أنها "لا تبل ولا تعل، دائما باركة كالجمل". سامحوني على إقحام هذه اللهجة العامية لكني أحببت أن أنقل لكم كلماته كما هي، بل تقيؤه البغيض على زوجه البريئة لتتخيلوا حجم الضرر الذي لحق بتلك القارورة المسكينة. قارورة مكسورة تطايرت شظاياها ونزفت جراحها دموعا كالوديان. ما هذا اللؤم والشؤم والخذلان؟ ما هذا الظلم والبهتان؟ أين كان هذا الفظ الغليظ حين كنت أجاهد وحيدة وأصاول في بيتي مصاولة الفرسان؟ أين كان هذا الكنود الجحود حين كنت أقوم بألف عمل في كل حين وآن؟ أحسدني على شجرة أستظل بها قليلا ثم أواصل مسيرتي المتعبة؟ أيلومني فقط لأني امرأة؟

وانخرطت في بكاء هستيري لكأنما دموعها تدفقت من معين لا ينضب. لم تكن من النوع الذي يبكي كثيرا فقد جعلتها الحياة وكثرة المسؤوليات والخيبات إنسانة قوية وصلبة ومتماسكة. لكن عديم الحياء والمروءة أخرج الطفلة الصغيرة المختبئة بين جوانحها وتركها تبكي وتندب حظها ويتمها. أهذا سندها في الحياة؟ أهذا رفيقها إلى دار الآخرة؟ أهذا أب طفليها؟ كل هذا فقط لأنها لم تخرج اللحم من الثلاجة كي يتسنى له إعداد طبقه المفضل؟ وقد أخبرته أنها صنعت حساءا بالخضر. أتكسرني من أجل معدتك؟ ألا قبحك الله من رجل سوء.

مرت العاصفة بلا سلام ولا كلام. وفي المساء جاء الزوج فوضع بين يدي زوجته مائدة صغيرة وقرّب إليها صحنا من الكسكسي وكذا فعل لابنيه. طعم الولدان والأب، أما الأم فلم تصل إلى فيها ملعقة واحدة. وسرعان ما قامت وذهبت لفراشها علها تغيب في نوم ينسيها كسورها وأجزاءها المبعثرة. لم يتبعها ولم يضمد جراحها ولا قام بإضراب جوع حتى تأكل... فجمع إلى الغلظة البلادة والغرارة. وغاب عنه ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم وفعل الصحابة.

رفقا بالقوارير

لا يكرمهن إلا كريم

لا يهينهن إلا لئيم

استوصوا بالنساء خيرا

خيركم خيركم لأهله

وأنا خيركم لأهلي

اللهم هداية!

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire