الثلاثاء، 1 نوفمبر، 2016

عائشة (1)




من صور طفولتي التي لا أنساها دموع أمي وهي تطالع بيتنا الكبير وقد صارت حيطانه عارية وأرضه خاوية، دارت عليه رحى القدر فتركته بلقعا تصفر فيه الريح. بكت أمي كثيرا وحُق لها أن تبكي فقد أخرجوها من البيت الذي صبرت على سقفه المترهل وجاهدت الشتاء تلو الشتاء لتحمينا من قطرات المطر المتدفقة من بين الشقوق. بكت لأنهم أخرجوها من بيتها القريب لمعهدها الذي تدرس فيه، لمدرسة بناتها، للمسجد، للمكتبة، للمخبزة، للصيدلية، لبيت أمها وأبيها، لبيت أختها وأخيها. لم يكن مجرد بيت، كان وطنا بخيره وشره.

وعدها أبي بأن يرممه ويبني لها طابقا جميلا واسعا أنيقا فوقه. وكيف لا ومهنته البناء والتشييد. ألم يكن مقاولا فذا؟ بلى إذن سيحقق حلمها. بيت جديد في قلب المدينة في نبض الحياة. لن تحتاج  أبدا إلى مواصلات. ساقاها تحملانها حيثما أرادت واشتهت فكل شيء قريب.

كنت يافعة فلم أفهم عندها ولا إلى يوم الناس هذا ماذا حصل بالضبط حتى وجدنا أنفسنا خارج بيتنا المستأجر. سمعت الكبار يتحدثون عن مؤامرة مدبرة لأن البيت موقعه استثنائي ومساحته شاسعة فكانت أفئدة من الناس تهوي إليه وقد أثار مطامع البعض فاحتال علينا وأخذنا على حين غرة. وما هي إلا طرفة عين حتى وجدتنا نجمع أغراضنا ونرتحل...

كفكفوا دموعكم فهذه ليست قصة لاجئة فلسطينية. فما خرجنا من بيت الناس إلا لنسكن في بيت أبي، بل في قصره، بل في مملكته التي شيدها على بعد أميال من المدينة وبضع دموع. كأنما أراد أن يبتعد عن الأنظار، لم اختار لنا هذا العنوان؟ فلم نعد نحسن الذهاب إلى أي مكان إلا بنقل يسمونه ريفيا أو تاكسي أو حافلة مكتظة بالأنام. لم يا أبي أخرجتنا من "مناطق العمران"؟ المدرسة بعيدة ولا أضواء في الطريق ولا طريق! ولا وجه مألوف ولا صديق.

لكنني في البداية كنت سعيدة جدا بهذا التغيير. بل كان قلبي يختلج بين أضلعي من الإثارة فعجبت لدموع أمي. ماذا لو صار بيتنا أفرغ من فؤاد أم موسى، قد أبدلنا الله خيرا منه. انظري للبيت القديم ما أجمله وهو خاوٍ. كنت منبهرة بهذا المشهد المهيب. عملية جمع الأغراض والغرف التي كانت تفرغ عن آخرها الواحدة تلو الأخرى وكل الأشياء التي لم أكن أعلم بوجودها أو تلك التي لم أعرف مخبأها أو لم يكن يحق لي لمسها، كل شيء صار أمامي، كل الأبواب فتحت وكل الأسرار كشفت وكل الأستار هتكت ولم يبق إلا الفراغ العظيم. كنت أعيد اكتشاف البيت القديم وأتطلع بأعين حالمة إلى ما يخفيه لنا المستقبل من مفاجآت.

لم أعلم بالمعاناة... معاناة الطريق الطويل نحو المدرسة، معاناة أصحاب السوء وتأثيرهم على سذاجتنا المرفهة، سذاجة بنات المدن التي اصطدمت بخشونة الريف أو ما يشبه الريف. أن تكون ابنة المقاول التي تقطن في ذاك "القصر"، أن تلعب دور الطفلة البورجوازية وتسرد على الناس القصص التي يحبون أن يسمعوها لأنهم لا يصدقون غيرها. لا يصدقون أن أباك يعاملك معاملة خشنة ولا يريد لك أن تتميزي إلا بنتائجك الدراسية.

لكن "ما بين القصرين"، قصر المدينة وقصر الريف، هناك "قصر الشوق"، الشوق الكبير إلى أعين عائشة، وابتسامة عائشة وحزم عائشة. ما أجمل تلك الأيام!

0 التعليقات:

إرسال تعليق