الجمعة، 4 نوفمبر، 2016

عائشة (2)



عجبا لبني البشر كم نعشق التغيير منذ الصغر. عجبا لذاك العام السعيد، لذاك العيد الذي يأتي مرة في العمر. عيد ما بين عمرين، عمر حياتنا بالمدينة وعمرنا الذي عشناه في بيتنا الجديد بعيدا في الأرياف. لا أدري ما هي الملابسات التي جعلت أبواي وأختاي الكبرى والصغرى ينتقلون جميعا إلى مملكتنا الجديدة البعيدة في حين تأخرت أنا وأختي التوأم حولا عن الركب. ربما أرادت أمي أن نواصل تعليمنا كالعادة في مدرستنا بنهج إسبانيا. لذلك قضينا عاما دراسيا في بيت جدتي لأمي عائشة، قرة عيني، الحبيبة إلى قلبي، تلك التي فُجعت بفقدها  ذات صيف بعد زواجين وختان، يوما قبل شهر رمضان.

كنا أنا وأختي في السنة الرابعة ابتدائي وكانت لنا نوبتان في اليوم. الأولى في العاشرة صباحا والثانية في الساعة الثالثة بعد الزوال وهكذا ينتهي اليوم الدراسي على الساعة الخامسة. كان هذا دأبنا في السنين الماضية حتى جاء خالي بصرامته ونشاطه وقرر أن "مضى زمن النوم يا خديجة" وأن عهد الكسل والدلال قد انتهى فحولنا إلى النوبة الصباحية الأولى.

لم نكن أبدا راضيتين عن الوضع، ولعلنا حاولنا الاستنجاد بأمي، لكن شقيقها الأصغر كانت له الكلمة النافذة على مصيرنا. كما أجبرنا قبلها على أكل خبز مدهون بالزبدة ومقطع إلى أجزاء صغيرة تسبح في كأس حليب بارد مع قهوة ناقصة السكر. وكنا لا نطيق أكل الزبدة ولا الجبن ولا مشتقات الحليب بأنواعها. بل نفضل الموت على أن نضع في أفواهنا ولو شفافة صغيرة منها لكنه خالي بحبه وجبروته وتعنته فمرة يضجعنا إلى جنبه ويرسم لنا أبطال الصور المتحركة ومرة يجبرنا على تجرع علقم الزبدة المغموسة في الحليب البارد! الدرس الوحيد الذي استفدته من هذه التجربة أنني أستطيع أن آكل الزبدة ولا أموت!

لم نكن راضيتين في البداية لكننا سرعان ما تعودنا على النظام الجديد وأحببناه وعجبنا لحالنا قبله. ما أجمل النهوض باكرا، اليوم الدراسي ينتهي في ساعة مبكرة، أليس هذا جميلا؟ وفي الشتاء حين يصير اليوم قصيرا قصر الذاكرة البشرية وسرعان ما تستطيل الظلال وتصير إلى أشباح هائمة في الظلام نكون نحن مستمتعتين بدفء البيت وحضن جدتنا وقهوتها اللذيذة. ما أجمل النشاط والحيوية. كيف عشنا قبلها في العصور الحجرية؟ نستيقظ حين تسكت العصافير ونراجع دروسنا في ساعة متأخرة. شكرا يا خالي حبيب، شكرا أيها الخال الحبيب.

هناك تعليقان (2):

  1. بالنسبة لي، الإنضمام الى قسم "أ" منذ السنة الأولى الى السنة السادسة كان مسألة يمكن أن تمسّ من "شرف العائلة". أتذكّر أنّني عند انتقالنا الى منزلنا الجديد ، اضطررت الى الإنضمام مؤقتا الى السنة الثالثة "ج" و لكن استمرّ الأمر عاما دراسيا كاملا لأكتمال عدد الأماكن. رغم أني كنت "الأولى في القسم" ضلّوا يعيّرونني بأنني من "جماعة الـ 10"... كم كنا مضحكين...

    ردحذف
  2. أهلا بك تونسية هههه سخف الصغر يا حسرة :D

    ردحذف