الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

عجبا لأمر المؤمن



قد يأتي عليك يوم تقضي معظم ساعاته بين الفراش ودورة المياه، إسهال لعين أو جرثومة خبيثة تبث فيك سمومها فتُصير جسدك رمة بالية بالكاد تتحرك. فأنت بين الإسهال والشعور بالغثيان، تعتريك رعدة لا تنفع معها أكوام الغطاء الملقاة على كاهلك، ستظل ترتعش وتنتفض كعصفور جريح. وقد يلازمك الصداع طول الوقت فيضيف إلى همومك هما جديدا. لا تذوق طعاما ولا شرابا إلا كحسو الطائر. ستجدك غير قادر حتى على الصلاة إلا وأنت جالس تنساب الدموع من عينيك لهوانك وضعفك وقلة حيلتك

وقد يأتي عليك يوم تصعد في المصعد الجبلي فتطل من علٍ بل من شاهق على غابات خضراء وشلالات عذراء، لكأنك اخترقت شاشة التلفاز وهي على الناتيونال جيوغرافيك، مناظر خلابة  تأسر الفؤاد. ثم تشرب عصيرا مع النمر الأبيض لا يفصل بينكما إلا زجاج رقيق فتراه كيف يسبح في الماء وكيف يتثاءب ويتمطى وقد يمر بجانبك ولا يراك. ثم تركب ظهر فيل وترى رقص أذنيه وهو يتوغل بك في بحر أخضر من الأشجار والأغصان ثم تسلك طريقا جبليا ومازلت تصّعد فيه حتى تصل إلى أعظم وأجمل وأروع شلال رأته عيناك فتسبح تحته مباشرة وتحس بوقع الماء فوق كتفيك، تدليك مبارك لا شرقي ولا غربي. إنما هي الطبيعة تداعبك وتمسح على وجهك ويديك وتشق سمعك وبصرك وتستحوذ على مجامع قلبك وتأخذ بتلابيب عقلك فتتساءل عن الجنة كيف تكون إذا كانت هذه حدائق الدنيا ومباهجها وأعاجيب جبالها وبحارها وبدائع جزرها وأنهارها.

ثم لا يزال العرض مستمرا حين يشق بك قارب صغير زرقة بحر جميل ثم ترى نفسك تسبح في السماء لا يربطك بالأرض إلا حبل وثيقفتتأرجح في الهواء وتود أن تطير بجناحين وتضحك من خوف مرافقك ثم تنزل لتجد أخا لك في الإنسانية بل في الإسلام قد خلد تلك اللحظات بصور فوتوغرافية لا تضاهي ما حفر في قلبك من ذكريات أبدية. كل هذا في يوم واحد؟ بل في صباح واحد لترى بعينك كرم الله وتسمع بأذنك جوده سبحانه وتشم بأنفك شذى عطائه وتحس بقلبك حبه وتلمس بيدك فضله وإحسانه. صباح عنوانه 


"وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ"
ومصداقه 

"إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"

وتبيانه
"إن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا"

فجعل مع العسر الواحد يسرين!

هذه هي الحياة ... حياة المؤمن.

قال من لا ينطق عن الهوى صلوات ربي وسلامه عليه:

"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سرّاء شكر ؛ فكان خيراً له ، وإن أصابته ضرّاء صبر ؛ فكان خيراً له" . رواه مسلم

فاللهم اجعلنا من الصابرين الصبر الجميل والشاكرين شكر السمع والطاعة والتسليم.



0 التعليقات:

إرسال تعليق