يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا



مع كل ما يجري في العالم من حولي أجد نفسي خرساء وريشتي بكماء ويدي متصلبة عاجزة عن الكتابة. وقد كنت في سالف العصور كثيرة الثرثرة والبربرة. أتحدث عن كل شاردة وواردة حين ساقت إلينا رياح التغيير عارضا حسبناه بالحرية ممطرنا. فإذا هي حرية الكذب والتملق والنفاق بينما ترسف الأمة في أغلال الفقر الاقتصادي والتخلف الفكري وتردي الأخلاق.

فكرهت الكلام وأحببت الصمت. هل سأغير العالم؟ ما تراني أفعل بقلم كسول ما إن تمر عليه آلة الإعلام حتى تسحقه كما تسحق الضمائر وتلوث القلوب وتدنس العقول؟ ماذا يجدي الحرف والكتاب إزاء الأفلام والأوهام التي تدخل من كل باب وتأخذ بالألباب؟ هل سأتحدث عن ذاك العجوز الكذاب؟ هل سأهتم بذاك الذي ناصب ربه العداء وزعم لنفسه العدل والذكاء، أن آتاه الله الملك؟ تبت يداه! إليك عني يا سيء الذكر فلو ذهبت أعد كذبك لأفنيت العمر وما أوفيتك حقك. وإني لتفطنت لريائك ودهائك وكشفته هنا وهنا ثم هنا قبل أن تبلغ ما بلغت من منصب التكليف الذي حسبته تشريفا وتسويفا وتزييفا.

إنما أمسكت اليوم قلمي وغمسته في مدادي لأصور لكم ظاهرة غريبة عن الذوق بعيدة عن الحياء لكنها صارت سلوكا عاديا ونمطا اجتماعيا قلما يقف عنده النبهاء. ألا وهي ظاهرة العري ... عند الأطفال. أما الكبار فأنتم أعلم بدياثة الرجال وتردي النساء إلى طور من البهيمية والجاهلية العمياء. فما هو إلا لباس البهائم والحمائم. بضع ريش لا يستر إلا السوءة الكبرى. ترى المرأة المسلمة تخطر على الشاطئ في ملابسها الداخلية التي تلبسها أمام زوجها في غرفة نومها والتي سخر منها شيطان الموضة فأسماها "بيكيني". وترى الرجل المسلم يصحب زوجته إلى المحل التجاري ويختار معها المايوه الذي ستتبختر به في البحر. وإنا لله وإنا إليه راجعون.

يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)  
 فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) الانفطار

لكن ما لهذا جئتكم وما هذه قضيتي، إنما همني أمر الصغار الأبرياء ما ذنبهم؟ ترى الفتاة الصغيرة الرقيقة تلبس قطعتين من القماش على الطريقة البرازيلية تكشف سوءتها ولا تبقي لكرامتها شيئا كأنها نوع من صغار القردة في أدغال إفريقيا. أليس لها حرمة جسدية؟  وترى الطفل الصغير ذي الأربع سنوات يسبح عاريا كيوم ولدته أمه. أليس له حرمة هو أيضا؟ ألا إن الرضيع له حرمة ولا ينبغي أن يتكشف عليه الناس إلا لحاجة. لأنه طفل اليوم ورجل الغد وهو إنسان كامل الإنسانية فلم نعامله كأنه جرو صغير أو لعبة نتسلى بها؟ فما بالك بالأطفال المقبلين على سن التكليف؟

وإن هذا النوع من التجرد الفاضح من الثياب لا تراه فقط في شاطئ البحر بل هناك من يحلو له أن يلج المركز التجاري مع أبنائه وبناته وهم في ثياب السباحة. خاصة البنات. الله الله في البنات. حافظوا عليهن وأكرموا أجسادهن واستروهن. والله إني لأستحيي من ذكر التفاصيل تخيلوا البنات في مختلف الأعمار وهن شبه عاريات تماما. والكل مشارك في الجريمة. أهذه هي المعايير الطبيعية للحياة العصرية؟ أهذه هي المدنية؟ أما أن تلبس الفتاة الصغيرة جلبابا وحجابا وتذهب إلى المسجد أو لحفظ القرآن فهذه الداهية الدهياء والداء الذي ليس له دواء؟ هناك تسمع نعيق غربان الحداثة وفحيح أفاعي التجديد حين يقرعون ناقوس الحذر ويلطمون ويولولون ويهرفون بأن بناتنا في خطر. ألا شاهت الوجوه!

اتقوا الله في أولادكم وبناتكم فوالله لتسئلن عنهم سؤالا عسيرا. ولا أترك هذه الفرصة دون أن أغتنمها لأبثكم قبسات من أجمل ما قرأت لسيدي فريد الأنصاري رحمه الله في كتابه النفيس الذي وددت لو قرأه كل مسلم ومسلمة : سيماء المرأة في الإسلام بين النفس والصورة.

"إن رمزية اللباس في الإسلام تنطلق مرجعيتها إلى قصة خلق آدم عليه السلام و زوجته حواء حيث كان لباس الجنة رمزا للرضى الإلاهى و بمجرد ارتكابهما للخطيئة تحول ذلك إلى عري فالعري هو رمز التمرد على الخالق إنه إذا رمز الشيطان."

"بنيتي أنت حمامة لك جناحان :هما صلاتك وحجابك. فطيري في فضاء الروح! غادري نتونة الصلصال المسنون! وانشلي ريشك من عفن المستنقعات الآسنة طيري إلى أعلى ثم أعلى ثم أعلى، في فضاءات التعرف إلى جمال الله والاغتراف من نوره الطاهر الصافي. عساك تفرحين به ويفرح بك."

 :وسبحان من قائل

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا  إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ  إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) الأعراف


0 commentaires:

Enregistrer un commentaire