الجمعة، 20 يناير، 2017

هاتِ قيد الشهادة لأكسره


اعترافات مهندسة على ورق...

"لا تقل أبدا إني مهندس بل قل تحصلت على شهادة الهندسة في عام كذا"

كنت أبحث عن وصفة لإعداد عصيدة البوفريوة حين سمعت زميلتي في العمل تتحدث مع صوت أنثوي وقع في قلبي موقعا حسنا إلا أنني لم ألتفت لتبين مصدره. وما هي إلا صديقتي وزميلتي في العمل حين كنت أشتغل في تونس العاصمة. كنا بنات ثلاثة تم قبولنا في وزارة تشغيل لا تشغل إثر نجاحنا في مناظرة للمهندسين. كانت صديقتي مختصة في الإعلامية بينما كنت مختصة في الإحصاء ... وتحليل المعلومات. زعمت الشهادة!

جاءت زميلتي لإدارتنا كي تضع في حواسبنا برنامجا لرقن المعطيات الخاصة بمسح ما يشمل المؤسسات. وبعد العناق وبث القبل والأشواق مضى بنا الحديث إلى أصدقاء العمل، فهذا أكمل دراسته وحاز على الدكتوراه إلى جانب عمله وهذه تحصلت على ترقية وأخرى ذهبت في بعثة إلى الخارج .... أما أنا ... فجئت بقدمي إلى ههنا، إلى الإدارة الجهوية وحفرت بيدي قبرا لشهادتي العلمية. ماذا تصنع مهندسة في إدارة؟ وماذا عساها تفعل بشهادتها الهندسية؟ ماذا ستهندس وأي مشاكل ستحل عدا الألعاب في صفحات الجريدة اليومية؟

كان قراري بالانتحار المهني  من أصعب القرارات في حياتي فلم أدع استشارة ولا استخارة إلا وأتيت بها وقبلها ترددت شهورا ودهورا. كنت في كل مرة أهم بالارتماء من الجسر ثم أصبر نفسي وأقول علها غدا تفرج لكن الأيام اتصلت بالأسابيع  ولم أر تحسنا يذكر. كنت أنهض كل يوم في الظلام الدامس وأقلق راحة أبي فأوقظه ليقلني إلى المحطة ثم أستقل الحافلة في رحلة يومية بين عاصمة شمال إفريقيا وعاصمة تونس، كل يوم أقوم بهذا السفر المضني من أجل لا شيء. من أجل أن أجلس على كرسي وثير وأكتب مقالات وأطالع صفحات على الأنترنات لكأني صحفية. هذا القلب وما أراد، أحب الأرقام ولكنني أعشق الكلمات. وما دامت البلاد في هرج ومرج والأشغال معطلة وما يأتي وزير إلا ليرحل فماذا عساي أن أفعل؟ فلأقرأ كتبا ولأكتب مقالات. ثم ما أجمل الحرية وما أعذبها من نسمات.

فررت أخيرا إلى بلدي الأم، سئمت التنقل وتلك الصخور التي وضعوها في الطريق، سئمت رداءة الحافلة ومزاج السائق وكآبة الركاب واكتظاظ المدينة وفراغ المكتب من أي عمل ذا معنى. سئمت التعب والتضحية من أجل السراب وطمحت أن أكون أما مسؤولة ولمّا يكن لي رجل في حياتي. لكنها غريزة الأنثى وما جُبلت عليه. منذ أول عمل لي واصطدام بحقيقة الثماني ساعات شغل يوميا تساءلت ما مصير عائلتي المستقبلية؟ متى سأعتني بنفسي وزوجي وولدي؟ لا أظنني وُلدت بقدرات خارقة، إذا فكيف سأوفق بين عملي وعائلتي؟ كيف سأغيب الساعات الطوال عن طفلي؟

استرجعت هذه الذكريات وأنا أسمع صوت زميلتي السابقة في المكتب المجاور، وتذكرت ذاك الشاب الوسيم وسامة أوروبية حين جاء مع خطيبته لتزور أختها، زميلتنا في السكن. تذكرت كلماته التي بدأتُ بها هذا المقال. كان مهندسا متخرجا للتو يخطو خطواته الأولى في عالم الشغل الحكومي. قال تلكم الكلمة التي حفظتها ومضى. وخبأتها الأيام في ذاكرتي ثم فاجأتني بها... فعلا لا تقل إني مهندسة، لا تتكبر بالشهادة، شهادتك هي فقط كلمة العبور لباب من أبواب الشغل، أما الشغل في ذاته فقد يكون نصف مهندسة أو ربع مهندسة أو ذرة مهندسة. لكنك أنت لست شهادتك ولست عملك، وكم من مهندس بلا شهادة ومن شهادة ولا مهندس! 

أنت فكرك الحر، أنت الأشياء التي تحبينها،  أنت الأعمال التي حين تفعلينها تفرحين، أنت الخدمات التي تقدمينها للآخرين، أنت الأسئلة التي توجهينها للكتب والأجوبة التي تقطفينها من الكُتاب، أنت السمفونية التي تعزفينها بقلمك وخواطرك التي لا تكاد تفارقك، أنت ميولاتك ومواهبك، أنت كل إضافة جميلة في وطن الإنسانية. أما الشهادات والخطط الوظيفية فهي كالأشكال الهندسية نحدها ولا تحدنا. لا تدعي لليأس سبيلا،  ابحثي عن الشيء الذي تحبينه وافعليه، ابحثي عن الطريق الذي ترومينه لحياتك واسلكيه، ابحثي عن أسباب السعادة أما القلق فاطرديه. سعادتك بإنجازاتك وإنجازاتك هي حياتك وحياتك هي إبداعاتك وابتساماتك وأنفاسك التي تنفقينها بسخاء على أهلك وأحبابك. هات قيد الشهادة واكسريه وطيري بجناحيك إلى حيث يبدأ الحلم.


لكل إنسان ميزة خاصة ..شغف خاص به .. 
طريق خاص به .. 
 الظلم هو أن تترك نفسك لتمشي مع الناس..
شمس التبريزي


0 التعليقات:

إرسال تعليق