الشهادة لا تطبخ




منشطة برنامج طبخ يستضيفونها في منوعة بنفس القناة التي تستلذ استضافة منشطيها بعضهم البعض في برامجهم المختلفة كأن الله لم يخلق سواهم، أو كأن المتفرج لم يمل من طلعاتهم البهية. امرأة في مقتبل العمر بلغ منها ضعف الجسم ودقة العضم مبلغا جعلك لا ترى من وجهها إلا الأنف بارزا شامخا والفم مكتنزا اكتنازا يثير الشكوك. لها من الشهادات الجامعية ما يكفي رجلا وامرأتين حازتها بالجد والكد من جامعات فرنسية، شهادات في اختصاص يرضي والديها وأخرى في الطبخ الذي يرضي ميولاتها الشخصية.

 تسمعها تتحدث عن الطبخ وفنونه وتأتي فيه بالكلام المنمق والقول المتأنق فتقول ما أسعد زوجها وأولادها وما أهنأهم بها. لا بد أنها تصنع لهم في كل يوم من السنة لونا جديدا من الطعام تلبسه المائدة وتضفي عليه من حبها وتنفخ فيه من روحها وجودة صنعتها. تراها في برنامجها لا تكاد تصمت وتجعل تسأل طباخ اليمين وطباخ الشمال عن البهارات التي يجب إضافتها وعن الزبدة كيف ينبغي إذابتها و... و...و... ، فلا تملك إلا أن تضغط على ذلك الزر العجيب في آلة التحكم عن بعد، الزر الذي يتمنى كل الرجال لو وجد في زوجاتهن، فتريح رأسك من ثرثرتها وتتابع الوصفة بسلام.

هذه المرأة العصرية الأنيقة الذكية سألها زميلها سؤالا تافها بديهيا: ماهي أفضل وصفة تعدينها؟ ما هو ألذ طعام تصنعينه؟ فأجابت بأن ليس لها نوع معين تجيده. فظننتُ أن هذي طريقتها المتواضعة في زعم أنها تجيد كل فنون الطبخ فما إن تضع يدها في قدر إلا وتأتي بالعجائب حتى لو لم يكن في القدر إلا فلفل وطماطم! لكن المنشط المحترف لم يشبع من هذه الإجابة الهزيلة فأتاها بالقاصمة : ما هو الطعام الذي حين تطبخينه يُسر زوجك به ويُعجبه؟ فكأنما أحب أن يترجم لهذه البليدة الفهم سؤاله الأول. فما تحسبون صاحبة برنامج الطبخ وشهادة الطبخ قالت يا إخواننا؟

أنا مثلكم أعددت أذني لسماع اسم من أنواع الطعام لكن الفنانة التي تتفلسف في معاني الطبخ كعلم وفن وترتجل في ذلك القصائد العصماء قالت وهي تتضاحك كالبلهاء: أنا لا أطبخ لزوجي، ليس لدي الوقت لذلك فأنا أعمل كثيرا. ومن جملة أعمالها نادي المسرح الذي لا تستطيع التخلف عنه ولو لأسبوع واحد لأنه أصبح ضروريا لحياتها الثمينة. أما زوجها المسكين، الذي غرته الشهادات والوجه القسيم، إذا جاع فليذهب إلى المطعم أو إلى الجحيم. وأما الأولاد فلا تسل، لا أحد فكر فيهم أو استنكر إهمالهم. كنت أحسب الكاريكاتور صورا على ورق فإذا به صار امرأة من لحم ودم تنظر وتتكلم ولا تستحي. لم تقل أنها تطبخ لزوجها نادرا أو مرة في الأسبوع بل قالت لا أطبخ لزوجي وأزيد لا أطبخ لأحد ولا حتى لنفسي.

طبعا لم يعلق أحد من الحاضرين ولم يستغرب من هذا التضارب الشنيع. بل واصل المنشط أسئلته التافهة وكأنه أمام خبيرة في التغذية فسألها ما نصائحها لتغذية سليمة ولتجنب الوزن الزائد. فأجابت الحكيمة حمارها بأنها ببساطة لا تأكل إلا إذا وجدت أمامها (هكذا طائرا في السماء حاطا على مائدتها) طعاما شهيا، فإن لم تجد فهي لا تأكل، فذاك سر رشاقتها. حسن يا أختنا فما يصنع الذي يجد أمامه دائما طعاما شهيا لذيذا تعده أيادي أمه الحانية أو زوجته المحبة؟ إذا اتبع نصائحك العبقرية صار كالبرميل يا ذكية.

وكالعادة لم يعلق أحد على هذه السخافات المتراكمة. هذا زمان ينطق فيه الرويبضة في مصائر البلاد والعباد فما بالك بامرأة لا تطبخ أبدا ثم تأتي لتتحدث عن الطبخ. امرأة قالوا لها أن قمة التمدن والتحضر هو أن تحرزي أعلى شهادة في الطبخ من أرقى الجامعات ثم لا تطبخي لزوجك وولدك لأنك مشغولة بأعمالك الكثيرة أعانك الله عليها. وأن تفرغك لذاتك والنزول عند كل رغباتك واستيفاء جميع شهواتك أهم وأغلى من طعام تصنعينه بيديك المحبتين لعائلتك التي سوف يسألك الله عنها ورعيتك التي كُلفت برعايتها. 

 والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم

وكما يقول المثل الصيني لا تقل لي إنك تعلم كيف تطبخ السمكة بل اطبخها لي! ولا تعلمني فن الطبخ بل علمني فن الحياة. علمني كيف أنزع ثوب الفرد وألبس حلة الجماعة، علمني العطاء والإيثار من أجل الزوج والدار والصبر على حمل مسؤولية الصغار. علمني كيف أكون امرأة حقيقية فيها معاني الحب والصبر وكل كمال في الأخلاق وجمال في الإنسانية. علمني كيف أكون أما لزوجي وأختا وبنتا وصديقة وفية. علمني كيف أصير سيدة قومي فقط بقصعة طعام أعدها بحب وفن وحنية. علمني كيف أعود امرأة فقد أجهدتني ثورة البخار وصيرتني قشورا وألوانا وغبار.

أليس سيد القوم خادمهم؟ ألا ليتنا تعلمنا مكارم الأخلاق  وفن الحياة من الرسول الأكرم، كان في مهنة أهله (وهو من هو في حمل الرسالة وهمومها) فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة. صلى الله على محمد، صلى الله عليه وسلم.

0 commentaires:

Enregistrer un commentaire