الخميس، 13 أكتوبر، 2016

أباطيل وأسمار 3



-         أونسيت حبك للعربية عندما كنت تلميذة في الثانوية؟ لولا مناهج التعليم التي عزلَتْها عن المواد العلمية لما انقطع حبل الوصال بينكما.
-         بلى. كان فراقا طويلا ومريرا لم أتنبه لمدى خطورته. كانت عودتي إلى العربية كعودة المغترب إلى قرية طفولته التي فارقها منذ عشرين سنة وصار يمشي في أزقتها وبالكاد يتعرف على معالمها ولولا ما وجدته من حلاوة الكتب الدينية وخلابة الأحاديث النبوية لما عاد للغتي ذاك الوقع في قلبي. فيا له من تغريب.
-         فعلا إنه التغريب والاستعمار ولا من تحذير أو استنكار.
-         أتعلمين؟ كنت أحيانا آسف لأن فرنسا استعمرتنا وليس الأنجليز. على الأقل كنا سنستفيد من إتقان أول لغة في العالم وأكثرها نفوذا. كنا سنتفرج في الأفلام الأمريكية في لغتها الأصلية، يا للأسف.
-         مه كفاك سخفا وتمييعا للقضية. الأمر جد وليس بهزل. ما كان أغنانا عن فرنسا والانجليز وأهل الأرض جميعا. ليتهم لم يخربوا علينا ديارنا وعقولنا جيلا بعد جيل، حتى صيرونا مسخا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وغربونا عن لغتنا وديننا وثقافتنا. فما عدنا نحسن نقول جملة دون حشرها بألفاظ الأعاجم. الكل يتحدث ويكتب بنفس اللغة أو يكاد إلا نحن معشر العرب؟ أرأيت الشرخ العظيم بين عاميتنا التونسية وعربيتنا الفصحى؟
-         وإنها لعاميات تختلف باختلاف البلاد من المحيط إلى الخليج، بل إنها عاميات ولهجات في نفس البلد، ظلمات بعضها فوق بعض.
-          لكن توفيق الحكيم يرى أن العامية المصرية والعربية الفصحى متقاربتان جدا، فليس هناك أي إشكال إذن. لقد حسم الأمر ببساطة مدعيا أن الشرخ بينهما مفتعل.
-         لقد قرأت كتاباته وأحببت أسلوبه الساخر وخبثه الماكر لكنني توقعت أن يكون أكثر ذكاء وألا يخرج علينا بكلام يناقض الواقع مناقضة صارخة واضحة. لكن شيخنا محمود شاكر تولى الإبانة عن زيف هذا الرأي وسخفه وأجابه بما يستحق من السخرية والتهكم.
-         ثم إنه فضح أساليب التبشير وبين أنه ليس مجرد دعوة إلى المسيحية فمن شاء دخل فيها ومن شاء ردها، كلا. إنما هو عمل سياسي بحت، جذوره ضاربة في ميادين الثقافة والفكر والأدب وأياديه ممتدة إلى الصحافة و الإعلام. وإن نشاطه لمرتبط تمام الارتباط بالاستعمار والاستشراق وكلها أوجه لعملة واحدة.
-         وكم اقتحب أعوان التبشير وصبيانهم المنبثون في حياة الأمة الأدبية والسياسية من أنواع التخريب الثقافي والاجتماعي والنفسي. وقد لخص لنا الكاتب وسائلهم الخسيسة بعد أن استفاض في بيانها وهي كما يلي:
1-    الدعوة إلى العامية
2-    تحقير تراث العرب
3-    محاولة بث الرموز اليونانية والمسيحية في آدابنا
4-    الإيغال الماكر في الطعن على ماضينا كله: رجاله وتاريخه ومعتقداته وشرائعه
-         ومن ذلك ارتباط عبارة "القرون الوسطى" في عقولنا بالجهل والتخلف والظلام والحال أنها أفضل عصور البشرية في ديار الإسلام أما في أوروبا فهي  فعلا عصور انحطاط وقذارة وجهالة.


هنا يقف الحوار مع نفسي ربما تكون هذه مراجعة فريدة من نوعها لم أتوقع أن تجري بي هذا المجرى لكن هكذا كان. أرى نفسي عاجزة عن زيادة سطر واحد. اعلموا أنما هذا غيض من فيض وأن "أباطيل وأسمار" هو أفضل كتاب قرأته في حياتي ولم أر بمثل جودته وأسلوبه وبلاغته والله يعلم أني قرأت أقلاما غاية في الروعة. صعب جدا أن أكمل المشوار، أن أقرأ شيئا آخر بعده. لقد بلغت أعلى درجات المتعة والتذوق لطيب كلامه وجمال عبارته وقوة حجته وذكاء فكره ونفاذ بصره. فبماذا أعزي النفس وبم أواسيها؟ سأظل أعود دائما إلى رسائل شيخي الغالية وسأعيد قراءة بعضها والتعلم منها، سأعود دائما إليها كلما أنهكتني الرداءة وأتعبني السقم في التعبير والركاكة، سأعود إلى رسائله الغالية لأن مثل هذا الكتاب لا يقرأ مرة واحدة ونحن جيل ابتلي بقصر الذاكرة، مثل هذا الغيث النافع لا يستقبل دفعة واحدة بل يتنزل زخات زخات على صحراء الروح فتعشب اللهم صيبا نافعا.

يقول  روبن شارما في كتابه "الراهب الذي باع سيارته الفيراري"

"الشيء الذي يغنيك حقا ليس ما تجنيه من الكتب بل ما تجنيه الكتب منك ويغير حياتك أخيرا"
وما جنيته أنا من هذا الكتاب هو مزيد وعيي بتاريخ أمتي وبقيمة لغتي ومزيد التشبث بها والعزم على الاستزادة من عمقها وجمالها وبلاغتها، والعزم على الكتابة بها والأمل في تعلم الصبر على طلب العلم ومراجعة الكتب والتحقق من المعلومات. جنيت من هذا الكتاب الترفيع في سقف جودة الكتب التي أتخيرها لأبذل لها بعضا مني، من أيامي ومن أنفاسي. وما "ابن آدم إلا أيام كلما ذهب يوم ذهب بعضه". والحمد لله رب العالمين.


0 التعليقات:

إرسال تعليق