فخامة الرخيص




نظرت إلى زوجي وقلت في استغراب: لمَ لا يقول أحد الحقيقة؟ لمَ لا يقول الإعلاميون أن  هذا المتحذلق الذي يتنكر في زي رئيس لبلد يسمونه "أم الدنيا"هو مجرم سفاح قتل شعبه؟
فقال لي زوجي: لأن رئيسنا مجرم مثله، هذا لقاء المجرمين.
لكن إجابته لم تشف غليلي فعدت ألقي عليه سؤالي وقد تعاظم استغرابي إلى حد الاستنكار: أنا لا أفهم لمَ لا يقول أحد أن هذا مجرم؟
فأعاد علي نفس الكلام: لأن صاحبنا أيضا مثله، لقد كان وزيرا للداخلية أيام بورقيبة وعذب الكثيرين.
لكنها جرائم غمرها الزمان ولم تتحدث عنها إلا أصوات تائهة في لجج الزحام. أصداء تلاشت مع الزمان. أما جرائم هذا الوغد فقد رأيناها بأعيننا وسمعناها بآذاننا وشممنا رائحة الموت والظلم والظلام عبر شاشاتنا. رأينا المصطفين صفوفا في صلاة الفجر كيف رشوهم بالماء البارد ثم كيف قتلوهم بالرصاص الحي، رأينا أجساد الجرحى كيف أحرقوها ومازال فيها نفس حي، رأينا الرئيس المنتخب كيف تم الانقلاب عليه وزجه بالسجن، رأينا المحاكمات المضحكة المبكية والأحكام الظالمة المفزعة بالإعدام على مئات الأنام، رأينا حصار غزة ومعاداتها وتضييق الخناق عليها من أبناء جلدتها فعن أي تقارب في المواقف يتحدثون؟ وكيف يتناسون جرائم الفرعون ولم يجف بعد دم الشهداء؟ لطالما عجبت من ضعف الذاكرة الشعبية.  لكن هذا ليس فقط ضعفا في الذاكرة فلسنا بصدد الحديث عن أشياء حصلت منذ عشرين سنة، بل هي وقائع حدثت بالأمس القريب ومن ثمة فنحن أمام قصور رهيب في الضمير الإنساني وفشل ذريع في الصدق الإعلامي. ولكن لم العجب إذا ذهب رخيص عربي لزيارة رخيص آخر عربي؟ والحال أن هذا السفاح تم استقباله كرئيس في أوروبا نفسها بلاد الحضارة والأنوار ومعقل الحرية والدمقراطية وكثير من الكلام الفارغ؟ فعلا "الشيطان يحكم" كما كتب العبقري مصطفى محمود رحمه الله. وقد هوى العالم في تدنيه الخلقي إلى أسفل الدركات.
شتان بين رئيس  مثقف، مفكر، حقوقي، نظيف، ذكي، أديب، طبيب، يطلب من العالم أن يفك أسر رئيس سجين مظلوم وبين رخيص خائن يذهب في زيارة مخزية لحثالة انقلابي. ثم يتحدثون عن هيبة الدولة وعن غياب العلم التونسي وعن عدم استقبال الرئيس في المطار ألا وَيحكم، قد ذهبت هيبة الدولة أدراج الرياح يوم قررتم أن تضعوا على رأسها تلك الناصية الكاذبة الخاطئة، تلك الرأس التي اشتعلت شيبا وبلغت من الكبر عتيا ومن الهرم ضعفا وتأتأة حتى صرنا أضحوكة العالم. هذه ثورة الشباب ...
إنها فعلا صورة مخزية، تلك التي ضمت فخامتين رخيصتين: الأول فرعون انقلابي سفاح محارب لدين الله والثاني هامان في أرذل العمر، عجوز حيزبون مكانه في دار العجز. وكأن بلدي عاقر لم تلد الرجال، لكنها الدنيا التي لا تساوي عند الله جناح بعوضة.

لا تأسفن على غدر الزمان لطالما               رقصت على جثث الأسود كلاب
لاتحسبن برقصها تعلو على أسيادها              تبقى الأسود أسوداً والكلاب كلاب



0 commentaires:

Enregistrer un commentaire