فبما رحمة من الله لنت لهم




تمشي امرأة شابة على الرصيف، تقع أرضا في مشهد شبه مخيف. تراها عدة أزواج من العيون الذكورية، تحط عليها ولا تبرح مكانها. تراقب كل شيء: جسمَها المفرود على الأرض، آثار الألم في تقاسيم وجهها والدموع التي تشي بها عيناها. المرأة الشابة مريضة ومنهكة وغاضبة. لم لا يتركونها في حالها؟ أما كفاها ما حل بها؟ أما كفاها أن افترش جسدُها بطوله وعرضه الأرض الباردة المبللة؟ ألا يكفيها مرض ابنها الصغير وحماتها ونفسها وكل من حولها؟ ألا يكفيها شعورها بالمسؤولية تجاه هذا الكائن الذي ينمو في جوفها؟ مازالت الحرقة في قلبها من استقبال "الأفاعي الثلاث" لها. أجل هكذا بدين لها، يتراقصن أمامها بالصيدلية. لقد تعودت دائما أن تحصل عل الدواء من هنا فلمَ يستقبلنها بوجوه عابسة مغلقة وبقلوب  خُتم على أبوابها وبنظرات حديدية أبرد من الريح التي تعبث بثيابها؟ لمَ قفلن أسباب الرجاء في وجهها متمسكات بتلك الأفعوانة العملاقة التي اسمها بيرقراطية متدثرة برداء "القانون" علها تضفي على نفسها بعض الشرعية تواجه بها هذا الشيء الذي لم نعد نراه إلا لماما : الإنسانية وفي قاموسي الإسلامي الراديكالي أحب أن أسميه : الرحمة.

الإنسانية، كلمة مسبوقة خاصة بتعبير "جرائم ضد" إذا ما حلا للكيان الصهيوني مثلا أن يطلق بعض القنابل والفوسفور الأبيض على أطفال غزة ونسائها. عندها يمطره دعاة الحب والسلام وحقوق الإنسان بوابل من الصواريخ الكلامية الاستنكارية لهذه "الجرائم ضد الإنسانية". عندها فقط نسمع كلمة "إنسانية". وكان حريا بهم أن يقولوا جرائم ضد الإنسان، بل من الأفضل أيضا أن يسموا الضحايا فيقولون جرائم ضد فلان وفلانة والرضيع فلان بن فلان وهكذا، كي لا يصير المسلمون أرقاما مجردة من صفة الإنسانية، تلك التي يدعي إخوان التماسيح المدمعة الانتصار لها. ألم يصدعوا رؤوسنا باسم جنديهم شاليط؟ ولكن تلك قصة أخرى...

تقع المرأة أرضا وهذه أخرى تنظر إليها، تتردد في مساعدتها ثم تعدل عن ذلك وتتركها وحيدة مع الذئاب. مع ذاك السرب من الهوام الذين لم يحسنوا الأدب والالتزام بتعاليم الرحمان ولا هم تأسوا بخير الأنام. للطريق آدابه يا أقوام، الرجولة ليست فحولة بل غض بصر وصرف نفس عن فضول نظر وكلام. للطريق آدابه ومنها رد السلام، ومنها غض البصر، أعيدها، وخفض الصوت وإماطة الأذى، لم لا؟

وأنت يا امرأة رأت أختها تقع فما أسعفتها ولو بكلمة، أين لطفك يا جنسا قالوا عنه أنه لطيف فما أكثر ما رأيت منك ما يجعلني ألهج  بيا لطيف ! أين الرحمة في قلبك يا بنت حواء؟ أغرك أن رأيت أختا لك تسرع بالنهوض بعد وقوع موجع زادته النظرات الذكورية الوقحة ألما وحرجا؟ أما كان عليك أن تسعفيها بكلمة، أن تأخذي بيدها، أن تربتي على كتفها، أن تجتازي معها ذاك الجسر من الأعمدة البشرية التي لا هم لها ولا شغل إلا متابعة حركات وسكنات كل أنثى تمر في الشارع؟ أين حق الأخوة في الله؟ أين حق المسلم على المسلم؟ ألا نشفق إلا على العجوز الضعيفة والأعمى المسكين، هذا إن أشفقنا، أما المرأة الشابة، أما المراهق الصبي فلا نأسف لحاله ولا نكلف أنفسنا عناء مساندته في بلائه؟ هل علمت أن أختك هذه مريضة وحامل ومرهقة ولولا غريزة الأمومة التي تحرك الجبال لما خرجت من بيتها تغالب نفسها لتشتري الدواء لوليدها؟ لم لا نوزع الكلمة الطيبة والابتسامة المشرقة على من عرفنا ومن لم نعرف؟ لم لا نكون كالريح المرسلة، لم لا نفشي السلام في كل مكان؟ لم لا تستقبلنا الوجوه الضاحكة والابتسامات العريضة إلا في واجهات المغازات التي تتحرش بحافظات نقودنا؟ لم لا نظفر بالحفاوة والطلاوة إلا إذا كنا زبائن في محل ما؟ متى ابتعدنا إلى هذه الدرجة عن الإسلام يا زمنا غريبا لا يكلم الناس بعضهم ولا يفشون فيه السلام؟ حتى في المساجد، حتى عند الميضة؟

كنت يوما أصلي وحيدة في مسجد وقت العصر، ثم لحقت بي امرأة في وسط الصلاة. وعندما انتهينا قلت في نفسي سأقول لها على الأقل "تقبل الله"، ستكون تلك طريقتي في "تحيتها". إذ لا يجوز أن نصلي جنبا إلى جنب وندعو ربا واحدا ونقتدي بإمام واحد ثم ننصرف دون أن تكلم إحدانا الأخرى. كنت مستغرقة في هذه الأفكار عندما بادرتني هي بالتحية مادة إلي كفا سخية لتصافحني وابتسامة جميلة على محياها. ثم بدا أنها لم تكتف بذلك فقالت لي "سأقبلك" وسلمت علي بعفوية كما يسلم الناس على بعضهم في العيد ففرحت بها كثيرا، وهششت لها وبششت وقلت في نفسي هذا هو الإسلام. العمل الصالح لا يحتاج إلى طويل تفكير وكلام، الطيبة لا تحتاج إلى جهد بليغ، الرحمة في غنى عن المقدمات، الإسلام لا يحتاج إلى فلسفات وحواجز وخوارزميات. الإسلام أن تسلم على الناس وتبتسم لهم حتى إن كنت تراهم للمرة الأولى والأخيرة. 

فانظر إلى الفرق: هذه امرأة سلمت علي بحرارة وعطاء، نقلت إلى قلبي دفئا في برد الشتاء وأملا للأمة في الشفاء، ثم ذهبت مخلفة وراءها عطرا زكيا هو عطر التقوى. وانظر إلى هذه التي رأت أختها تقع فما أسعفتها ولو بكلمة طيبة! لعل هذا هو الفرق بين الإسلام والإيمان، أو بين الإسلام والإحسان. فكلنا مسلمون لكن كم منا مؤمنون؟ كم منا رحماء وكم محسنون؟ يا من بعثت محمدا عليه الصلاة والسلام رحمة للعالمين، زين قلوبنا بالرحمة واجعلنا رحماء مرحومين، يا من باسمك الرحمان الرحيم نستهل الذكر الحكيم في كل آن وحين !

2 commentaires:

vraiment un chef d'oeuvre cet article surtout que je connais le personnage de la femme et je suis témoin de la souffrance qu'elle a vécue, bravooooo (y)

 

Eh tu exagères sister ! :D Merci en tout cas pour ton passage qui m'a permis de revenir à ton jardin secret et y relire l'unique note que t'as écrit ! Et j'étais agréablement surprise de ton joli style et de ton aisance avec la langue de Molière. Tu devrais songer à écrire plus souvent, je serai une lectrice fidèle :)

 

Enregistrer un commentaire