الاثنين، 18 نوفمبر، 2013

عاصمة المغلوبين



هناك في القيروان زرت مسجد عقبة بن نافع أو كما يسميه الأهالي الجامع الكبير. كما ألغينا تسمية عيد الأضحى وبدلناها بالعيد الكبير .. هو مسجد مهيب بجانبه مقبرة بيضاء ومدينة عتيقة من أروع ما رأيت. زرت القيروان  قبلا أيام كنت أميرة صغيرة في عرش أبي، زرتها أكثر من مرة ووضعت فيها أشهى دجاج في فمي لكن لا أدري لم استشعرت بجمالها الصارخ هذه المرة أكثر من سابقاتها. كنت أتجول في أروقة المسجد وكان هناك باب مفتوح يطل على الخارج، فتسمرت في مكاني وعجبت أشد العجب لهذه اللوحة الزيتية التي تفتحت أمامي: بقايا مدينة عتيقة، سلالم وباب وفانوس هذا كل ما في الأمر لكنني استشعرت عظمته وجماله. تماما كما أستشعر دائما جمال الميناء العتيق وروعة مسجد القصيبة في مدينتي بنزرت وأوقن حق اليقين أن معاينته متى بدا لي ذلك نعمة تستحق الشكر وأن السياح يأتون من كل مكان ليتمتعوا بهذا المنظر الفريد في حين نمر نحن به شاردين، غير مبالين وكذلك مروا...كذلك مر الرجال والنساء بجانب مسجد عقبة ابن نافع وهم شاردون. وكدت أستوقفهم لأهنئهم بهذه النعمة التي لا يكادون يحسون بوجودها.



 لماذا أعجبتني المدينة العتيقة هذه المرة أكثر من سابقاتها؟ ربما لأنها لم تكن مكتظة بالباعة وربما لأنني كبرت ولم يعد يهمني أن أبحث عن حقيبة جلدية كما فعلت آنفا. كان كل اهتمامي منصبا في هذه اللوحات الفنية. كان مرامي أن أملأ عيني بجمال الأصالة وروعة المعمار وهيبة التاريخ. كنت أتمشى في صحن المسجد وأتخيل الصحابة والتابعين وكل العظماء والعلماء والشيوخ والأذكياء الذين مشوا في هذه الأروقة وبنوا منها وفيها حضارة شماء.

لكني الآن لا أرى صحنا مكتظا بالناس ولا أسمع صوت أقدام تهرول للصلاة. هنا في هذا المسجد العظيم يصلون الظهر متأخرا ولم أجد صفا واحدا مكتملا وراء الإمام. هنا رأيت بضع رجال كالضباع يربضون عند مدخل المسجد فإذا أتى سائح تونسي دعوه في حاله وإذا أتى سائح أجنبي جعلوه يدفع مالا ليزور هذا المعلم. هنا رأيتهم يقدمون للنساء غطاء رأس ولا يهم بعد ذلك إن ارتدين سروال دجين وقميصا قصيرا. وتذكرت تلك الصورة لوالدتي في دمشق عندما زارت مسجد الأمويين، عندما لبست الحجاب ثم خلعته بسبب إرهاب شين الهاربين، عندما بكت حين حسبها السوريون مسيحية لأنها لا ترتدي الحجاب وقدموا لها برنسا طويلا لتتمكن من الدخول وزيارة المسجد العظيم، قدموا لها برنسا طويلا وليس خرقة بالية تغطي بها شعرها، تذكرت تلك الصورة وقلت وا أسفاه مازلنا نعاني من داء الرداءة والمقاربات. لم لا نحترم هيبة المكان كما يجب، لم يجلس هؤلاء المرتزقة في باب المسجد ولا يهُبّون لحي على الصلاة؟ لم تجلس هذه الفتاة المختمرة تلك الجلسة المريبة ملتصقة بشاب هنا في هذا المسجد والإمام يصلي؟ ألم تجد هي وصويحبها مكانا أقل شرفا ومكانة وهيبة من هذا ليدنسانه؟ أصار مسجد المجاهد والفاتح عقبة بن نافع وكرا للصوص والمرتزقة ومنعدمي الحياء؟ ألا تكفي مصيبتنا في خلائه من المصلين وخوائه من أصوات الأئمة والصالحين ؟ ألا تكفي تلك الرائحة الكريهة المنبعثة من المكان المخصص للوضوء؟ يا رب ماهذا الهدوء؟ لم لم يبقى من الماضي عبق للمؤمنين؟ أعاصمة الأغالبة أنت يا قيروان أم عاصمة المغلوبين؟ والله إن مصابنا فيك لعظيم.



وعجبي لهذا الرجل يقول لصاحبه فرحا مزهوا أن هذا المسجد يشهد كل يوم درسا وحلقة ذكر وهذا من عهد بورقيبة وبن علي، بفضل الله هذا المسجد الوحيد الذي يبقى مفتوحا في عهد بن علي. فعلا يا للمجد وياللمفخرة. مالي إذا أراه فارغا باردا شاكيا من قلة الزائرين والمخلصين. فعلا كان يبقى مفتوحا للسياح الأجانب، يبقى مفتوحا ليكون تحفة معمارية نستجدي بها بضع دريهمات أوروبية، يبقى مفتوحا ليتنفس فيه مراهقو العشق أجواءا هادئة شاعرية، يبقى مفتوحا وعلى الجدران منشورا كالزربية القيروانية، هكذا هو الدين زمن المجاهد الأكبر وبوهم الحنين، أصبح تراثا وتقاليد تورث وصوفيات، أصبح مقامات وموشحات، خرافات وخزعبلات، أصبح تشكيليات ومأكولات وحلويات، أصبح مناقشات وندوات، أُفرغ من روحه، انتزع من جوهره، فلا نحن أدينا العبادات ولا أفلحنا في المعاملات، ولا تحدثهم عن المعاملات، الدين قصص وحكايات، حتى القرآن نحفظه ولا نعلم تفسيره صارغريبا في جملة الغرباء، غريبا ومهجورا تماما كغربة جامع عقبة بن نافع

لكن لا تحزني يا نفس وتمتعي، بضحكة الرضيعة فوق الجليز المذهبِ، بخيوط الشمس بعد غيث نافعِ، نعم تبسمي ولا تيأسي وتذكري قول الشاعر

                                                      يا أيها الأطفالْ          
                                             يا مطرَ الربيعِ.. يا سنابلَ الآمالْ
                                          أنتمْ بذورُ الخصبِ في حياتنا العقيمهْ
                                            وأنتمُ الجيلُ الذي سيهزمُ الهزيمهْ...
                                        نزار قباني



هناك 4 تعليقات:

  1. الله المستعان !
    ألمني حال المسجد اليوم كما أمور أخرى في تديّننا خاصّة تذهب الى التّقهقر
    ربّي يبارك فيك بريما على التّدوينة

    الصّورة الأخيرة : ما احلاها
    هاكم البركة ربّي يصلح فيهم

    ردحذف
  2. Tu m'as donné envie de le revisiter :)
    et Bravo pour les belles photos ! ;)

    ردحذف
  3. جامع عقبة كجامع الزيتونة (ولو أن هذا الأخير يحض بإهتمام أكبر لأسباب عديدة) هما على شاكلة بقية مساجد تونس ... هندسة وزخرفات و تاريخ عريق. تغمرك هيبة المكان عندما تدخلها و تسعد بريحها العطرة إلا أنها خاوية على عروشها ...
    بل أقول بأن المساجد هي على شاكلة البلاد (أو العكس) ... فعندما تدخل الإدارات، تجد ادارات لا مديرين، و عندما تدخل محلات التجارة كذلك تجد بضاعة ولا تجار فالمسجد تجد فيها صلاة بلا مصلين ... في جميعها تجد متاجرين، متحايلين، لا روح لديهم إلا الطمع والخبث و الربح المادي الصافي ... إلا من رحم ربي

    بارك الله فيك على تحيير المواجع ...

    ردحذف
  4. @ خولة

    آميييين ويبارك فيك

    @ليلي

    Mercii, les photos sont mieux que le texte :pp

    @وائل

    كنت بش نذكر جامع الزيتونة زادة كمثال والله شي يبكي ويعطيك الصحة عالبلاغة في التعبير

    ربي يعاوننا بش نبدلو أحوالنا ...

    ردحذف