الاثنين، 27 أبريل، 2015

وليس الذكر كالأنثى




أتعجبون مني لأني أعشق الحرية وأعرف ما لي وما علي؟

قال ما خطبكما؟ فما خطبي أنا؟

لماذا لا أمضي يومي بأكمله في هذا المكتب التعيس؟ أتدرون لم؟ لأني امرأة. لأن لي بيتا أصونه وزوجا أرعاه. لأن لي ثيابا أغسلها فأنشرها فأكويها. لأن لي طعاما أطبخه وخبزا أصنعه وعشقا أسكبه على المائدة. لأن لي غبارا تراكم في أرجاء بيتي، وأرضية ملت من الأتربة تتحرش بي كل يوم لأنظفها. لأن لي بدنا سئم من الإهمال وشعرا مل من تسرحية سسوكي ومواد زينة تكاد تنفد صلاحيتها ولما أستعملها. لأن لبدنك عليك حقا. ثم صلاتي ما فعلت فيها؟ كيف السبيل إلى إقامة الصلاة في مكان العمل؟ وبيوت الراحة لا تفرق بين ذكر وأنثى، تلج إليها المرأة كما الرجل كما البغل، تستعملها الموظفة والمدخن والمزطول والمتسكع وقاطع الطريق، يصعد إلينا رجال غلاظ لا حاجة لهم من إدارتنا إلا بيت الراحة المستباح لكل من هب ودب. حتى الكلاب والقطط ربما ستأتي يوما للمطالبة بحصتها. فإذا ولجته استقبلتك أوساخ متراكمة وقاذورات تشيب لهولها الولدان، خاصة وأن عاملة النظافة لا تحب التنظيف لكنها تهوى تبذير المال العام بترك الإنارة مشتغلة في جميع المكاتب من الساعة السادسة إلى حين قدوم الموظفين في التاسعة.

أفي هذا المستنقع الآسن تريدونني أن .. أنام؟ أن أمضي تسع ساعات بأيامها ولياليها؟ فقط لأنني موظفة، فقط لأحلّل دخلي؟ وهل حلّلتم أنتم ظروف العمل؟ هل ظروف العمل حلال؟ حينما تضطر لتصوم الدهر في الحر والقر كي لا تحملك الضرورة البشرية إلى ما لا تحمد عقباه؟ حين لا تجد دورة مياه منفصلة عن الرجال تتوضأ فيها؟ حينما لا تجد أرضا نظيفة تبسط فيها سجادتك وتلبي نداء الفلاح؟ حين يكون مكتبك بالذات أبشع وأظلم وأقبح مكتب في الإدارة كلها؟ وليس لك ملفات تشرف عليها ولا يتطلب منك عملك الفعلي إلا صباحا واحدا في الأسبوع؟ فأين ضغط العمل؟ وأين النظافة؟ وأين الاحترام؟ وأين الملفات؟ حتى الأنترنات بعيوبها ليست متوفرة. ولولا أني كنت شغوفة بالقراءة والكتابة لطاش عقلي من الفراغ. ولولا أني كنت أحمل كتابي في حقيبتي كما أحمل التفاحة والبرتقالة لجن جنوني.

وماذا أصنع إن كانت لي نفس سُقيت من معين الكتب منذ نعومة أظفارها، رحم الله أمي في الدنيا والآخرة؟ وماذا أصنع إن كنت أنأى بنفسي أن أهدر وقتها في اللهو واللغو مع الزميلات ناهيك عن الزملاء؟ وماذا أصنع إن كنت أغار على أنفاسي أن تذهب هباءا تذروه الرياح؟ ماذا أفعل إن أردت أن أخرج عن الخط، عن القطيع، عن الغافلين المغفلين؟ أتحسبون أني لا أعلم ما لي وما علي؟ ما ذنبي إن كنت أعيش في عصر جاهلي لم يرتق بعد إلى أخلاق المسلمين. في وقت تُعامل فيه المرأة كالرجل لكن لا يُعامل فيه الرجل كالمرأة؟ وهل قلت بأنني أحب أن أُعامل كرجل؟ أن يدفعني أحد السفهاء ويحتل مكاني عند باب الحافلة وهو يصيح متهكما: هذه المساواة التي تردنها لا فرق بينكن وبيننا، الكل سواء في العفس والرفس لا تنتظرن منا إكراما ولا لطفا ولا شهامة. لكأني به الشيطان يقول للإنسان في يوم القيامة : فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ! وهل قلت بأني أحب أن أنخرط في هذه الحرب الشعواء التي افتعلتموها بين المرأة والرجل كأن الخالق البارئ المصور لم يخلقهما ليكونا سكنا ورحمة لبعضهما البعض؟ كأن الرجل ليس فيه أبي وزوجي وخالي وعمي؟

فيا أيها المتشدقون بالمساواة البلهاء العمياء الصماء الخرساء الجدباء العرجاء الخرقاء بين الذكر والأنثى هلا خصصتم لنا دخلا إضافيا لأعمال البيت كما يفعل الرجعيون في السويد؟ وهل من المساواة أن تعمل الرجل تسع ساعات في اليوم ثم حين تعود إلى منزله تجد في انتظارها صنع الطعام و غسل الصحون وتنظيف المطبخ ورعاية الأطفال ومراجعة الدروس في حين تجلس المرأة (أي الرجل فهما نفس الشيء) على الأريكة تتصفح الجريدة وتقلب وجهها الكالح بين الفضائيات؟ هل من القسط يا ساقطي المروءة أن تشتغل المرأة خارج البيت ثم داخله ولا تقبض فلسا زائدا؟ بل تدفع الثمن غاليا من صحتها وشبابها وتربية أولادها وحياتها الزوجية والاجتماعية ناهيك عن حياتها الروحية والدينية. هل من العدل يا سقيمي الفهم أن يدفع أجر للمرأة العاملة خارج بيتها ولا يدفع أجر للمرأة العاملة المجاهدة المسئولة في بيتها، الرائعة الراعية لأطفالها القائمة على تربيتهم، الحانية على زوجها الساهرة على راحته وراحتهم، تلك التي يسكن إليها الجميع، تلك التي تصنع الرجال والنساء والتاريخ، هلا أكرمتموها؟ لكن أنى لبلد يعاني من الديون ويغوص في لجج الربى ويتخبط في الأزمات الاقتصادية أن يرتقي إلى الحضارة الإسلامية في أبهى صورها حين كان يلقى الخير على رؤوس الجبال لتأكل الطير منه.

ألا أيها المطففون الغشاشون الغاشمون الظالمون الضالون المضلون، ألا فافتحوا آذانكم فلي كلام أريد أن أقوله. أتعلمون ما العدل؟ هو شيء اعتمل في رأسي وقناعة وصلت إليها بعقلي ثم طالعتني في الكتاب الموسوعي الرائع "تحرير المرأة في عصر الرسالة". وإنه لكلام يكتب بماء الذهب وحكم وضع بميزان التقوى والرب، هو عدل ما بعده عدل وقسط ما فوقه قسط. هي درر لا تظفر بها الإنسانية إلا أن تغوص في لجج الإسلام الغنية فتلمس بيدها معنى الإحسان، معنى مراعاة إنسانية الإنسان، معنى توفير أسباب الراحة والسعادة والسلام لكل الأنام.

أما فكرتي المتواضعة فهي أن عمل المرأة ليس خيرا كله ولا هو شر كله. فالخروج إلى العمل له مزايا لا يمكن إنكارها لكن يجب مراعاة طبيعة المرأة وما يترتب عليها من واجبات عائلية أوكد وأولى من أي واجبات أخرى. وعليه، فإن كان لا بد للمرأة أن تعمل  (بالمواصفات الشرعية) فليكن لنصف يوم ولها أجر كامل إذا كانت متزوجة سواء كان لها أطفال أم لا. فإنها حتى لو لم تكن أما فهي زوجة ومسؤولة عن رعاية بيتها وزوجها. أما إن أنجبت فمن ألمانيا نتعلم عطل الأمومة التي تمتد على مدى عامين أو ثلاث. بل إنهم سنوا للأب عطلة أبوة بعام كامل وجميعها طبعا خالصة كاملة الأجر. هذا شأن البلدان الغنية المتقدمة في الإنسانية داخل حدودها، المتوحشة الهمجية خارجها. أما في بلاد العرب المتأسلمين فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

...وللحديث بقية إن شاء الله 

هناك تعليقان (2):


  1. أأيد كلامك سلمت يداكي

    ردحذف
  2. أوافقك الرأي فالمساواة لا تعني ضرورة العدل، من يغوص في أخلاقيات ديننا الحنيف يفهم أن للمرأة خصوصية وحقوقا غيبت في دول تدعي الحداثة

    ردحذف