الاثنين، 23 فبراير، 2015

عن القراءة والكتابة 2



منذ أن تحررت من قيود المكتبة العائلية التي لا تكاد تحوي إلا كتبا فرنسية (كنت قد أتيت على معظمها)، أصبحت أنتقي مطالعاتي. لكنني لا زلت حينها لم أخرج عن دائرة الروايات. ولست هنا بصدد التقليل من شأن هذا اللون الأدبي الشيق، لكن يجب على المرء أن لا يقتصر عليها وأن يحسن انتقاءها. فقد نتعلم منها الكثير وقد تثري أفكارنا ومعارفنا بحقبة تاريخية مثلا أو بحقائق علمية أو بحوارات فلسفية. وقد كنت كالنحلة التي تتجول من زهرة إلى زهرة ومن بستان إلى آخر، لا تقع إلا على طيب. فنهلت من منابع جمة وعرفت كتابا من أوروبا الشرقية وأمريكا الجنوبية وروسيا ككوالهو وماركاز وكوندرا وتلستوي وزوايغ وغيرهم.

ثم سألت نفسي مرة: أما يكفيني من الروايات والقصص الأدبية؟ أما آن الأوان لمطالعات جادة في مواضيع علمية ذات أهمية، كالسيرة النبوية؟  أما أزفت ساعة الكتب الدينية التي ما عرفت منها إلا بضع سطور من "فقه السنة" كلما احترت في أحكام الصلاة وآداب الجنائز وفتاوى النساء؟ ماذا تعرفين عن نبيك أيتها الجاهلة البلهاء؟ "أتراجعين" سيرته مرة في العام بالتهكم على هيئة أبي لهب المضحكة في فيلم الرسالة ؟ ولولا أن تغمدني الله برحمة منه لما عصفت بي هذي الرياح، بل إن لثورتها حكاية.

كان ذلك أيام زين الهاربين قبل هروبه ببضع شهور. كنت حينها أشارك في نوع من المحاضرات في نزل بصفتي موظفة بإحدى الوزارات. وعند الاستراحة، سمعنا أن إخوة خليجيين يوزعون كتبا مجانا في الطابق الأول. فصعدنا لنلقي نظرة وهناك وجدت سلسلة من ثلاث أجزاء عن السيرة النبوية في طبعة أنيقة بهية. فسعدت بها كثيرا وأخذت في قراءتها بشغف ورغم أنها لم تكن من تلك البحوث الطويلة المعمقة إلا أنها نورت بصيرتي على حقائق ومعلومات بديهية وجدتني أجهلها تماما. وهو ما هزني ورجني وحز في نفسي ودفعني لاستكشاف عوالم رائعة من القراءة اللذيذة النافعة، كنت أجهلها تماما وما تعرضت لنسائمها في حياتي إلا لماما.  وأردت أن أستزيد  فوقعت على كتاب خفيف ظريف لعائض القرني كنت قد أهديته لأبي في عيد ميلاده، اسمه "رحمة للعالمين". أعجبني الكتاب في بساطته وتذكيره لي بأحاديث نبوية تعد كنوزا من النصائح والعبر أنسانيها انشغالي بدنياي عن آخرتي فسعدت بمصافحتها من جديد كمن وجد فرسه الضالة في الغبراء. وشرعت أتلو منها على مسامع أمي وإخوتي وأدعوهن للتذكر والاعتبار. 

ومن ثم اقتنيت كتاب الرحيق المختوم وآليت على نفسي أن أختمه في رمضان فتكون لي ختمة قرآنية وأخرى نبوية. لكنني لم أتمكن من ذلك وكان علي أن أعب من ذلك المعين الروحي الصافي الزكي قطرة قطرة. كان بحث المباركفوري الحائز على الجائزة الأولى وقد دهشت أن كاتب هذا الكتاب الشهير القيم ليس عربيا ... كما أن صلاح الدين لم يكن عربيا.. أما جهلنا فعربي وغرورنا عربي وجرمنا عربي.

لقد أبكاني ذاك الكتاب. أذكر خاصة تلك الحادثة في مكة في أول البعثة .. حين كان رسول الله عليه الصلاة والسلام يصلي بالحرم فانبعث أشقاهم وشرع يخنقه بثوب حتى كاد يقتله وأذكر بكاء أبي بكر لهذه الحادثة وما تلقاه من ضرب حتى حمله أهله وهم يظنون أنه مات... لقد بكيت حين رأيت بعيني تلك الحوادث الأليمة المؤسفة تنزل بأشرف وأكرم خلق الله، بكيت لتضحياته ولصبره واحتسابه من أجل أُمَّة لا تكاد تعرف من حياته شيئا ولا تنتهي عن نواهيه ولا تهتم لنصحه ولا تحفل بتذاكر سيرته. بكيت على أَمَة في آخر عقدها الثالث وهي لا تعرف كم بقى رسولها في مكة ولا تعلم بذاك الحصار الإقتصادي والإجتماعي الذي وقع بالمؤمنين حتى أكلوا أوراق الشجر وصبر معهم أبو طالب على كفره. بكيت على نفسي الجاهلة الجهول، بلغت من الكبر عتيا ولازلت أظن أن النبي لبث فقط سنتين أو ثلاث ثم هاجر إلى المدينة. والحال أنه عليه الصلاة والسلام لبث في مكة ثلاث عشرة سنة وفي المدينة عشر سنوات. وكانت الفترة المكية طويلة عصيبة مليئة بالعذاب والصبر والاحتساب. لم تكن سبيل النجاة سهلة بل كان الطريق إلى يثرب ممهدا بالشوك والحصى وحتى حين بلغها رسول الله لم تنتهي المشاكل بل أسس دولة وصار قائدا عسكريا وحاكما سياسيا وجابه اليهود الناكثين للعهود والمنافقين المبطنين للكفر والجحود. ماذا علمت من حياة رسولك يا مسكينة؟ 

!خدعوك فقالوا بأن الجهل مصيبة، بل إن الجهل أم المصائب ولا ريبة




0 التعليقات:

إرسال تعليق