الثلاثاء، 5 أغسطس، 2014

ما لم أقله في رمضان






 فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى

أفتح عيني، أسمع تلك الآية في أذني، أفتح عيني فأرى وجها ملائكيا بجانبي، أغمض عيني، أفتحها، الوجه الملائكي مازال هنا. أأحلم أنا؟ لا بل هو ذا، هو ههنا. الآية تتردد في ذهني: "فلا تقعد بعد الذكرى". فقط هذا المقطع. سأفتش عن بقية الآية في محرك البحث. "فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم...." ماذا يا ترى؟ يجيبني غوغل :  فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ.

لا أدري لم كانت هذه هي الرسالة. رسالة ربي إلي. كم جميل أن تبدأ يومك برؤيا صالحة، بآية يسوقها إليك ربك في المنام. أحسبني لا أجالس القوم ... فلم هذه الآية يا ترى؟ كان هذا في اليوم الرابع من رمضان. لم أنتظر طويلا لأعرف الإجابة. فبعد أسبوع تقريبا وبعد أن استسلمت لنفسي الأمارة بالسوء والضعف والخنوع، عندما قلّبت عينيّ ليلا في بعض الفضائحيات بينما الإمام يصلي والناس وراءه يرسلون الدعوات، تذكرت قول ربي العلي العظيم، تذكرت رسالته الغالية:

 فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (الأنعام ٦٨)

أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.

*****

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ

أطرح جسدي المنهك على الفراش، أغمض عيني وأهمس للنوم هيت لك! لكن عوضا عن النعاس تتراءى لي صور الأقدام الصغيرة وهي تركض حافية على الرمال الذهبية، هناك على شاطئ الموت. أفتح عيني أرى الظلام، أغمضهما فيبهرني نور الشمس وهي تداعب الأقدام. أطفال صغار ابتعدوا قليلا عن مواضع القنابل ومنابع الدمار. أطفال صغار ضربوا بالخوف عرض الحائط وأطلقوا لطفولتهم العنان. مرح طفولي، اندفاع صبياني، فطرة سليمة لا تعرف الاستسلام ولا ترضى بالهزيمة. أطفال يمرحون على الشاطئ لكن البحر الهادئ يخفي في جوفه وحشا خائفا والوحوش إذا ما خافت جنّت وإذا ما جنّت قتلت ودمرت وأحرقت. وحوش تخاف حتى من الأطفال. فتراها ترغي وتزبد، ثم تمطر الشاطئ بقنابل الموت.

أفتح عيني، أرى الظلام، وأرى الأجساد الصغيرة وقد توقفت عن الكلام. كانت أجسادا جميلة تجري وسط الألغام تسابق القنابل وتتحدى زبانية الطغيان. لكن آن الأوان لهذه الأرواح الجميلة أن تحلق عاليا في رحاب الجنان. أراحها الرب من ظلمات الظلم وغياهب البطلان.

وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

 فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (آل عمران 169-170) 






*****

وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ  بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ

هناك في المسجد، يوم جمعة. الإمام يخطب خطبة يقول فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل قط بيده بشرا إلا رجلا واحدا مات بعد أيام. الرسول الكريم عليه أزكى الصلاة وأفضل التسليم طيلة ثلاثة وعشرين سنة من الجهاد لنشر رسالة توصل البشرية إلى بر النجاة، لم يُرق إلا دم رجل واحد بيده فما لي أرى من ينتسبون إلى أمته يتسابقون في قتل الناس؟ حسبي الله ونعم الوكيل في كل من يشوه صورة الإسلام والإسلام منه براء.

هناك في المسجد يوم الجمعة، أرى أطفالا صغارا. هذه بنية الست سنوات ترتدي ثيابا جميلة بلون البنات. ذاك اللون الوردي وتلك القطة الشهيرة البيضاء. يسمونها "كيتي". أنظر إلى براءتها وجمالها فأتذكر أختها هناك في تلك الأرض المعزولة عن العالم، أختها هي نفسها ترقد في ثلاجة باردة ثم يحملها الرجال على الأكتاف وهم ينتحبون كالأطفال ويوارونها الثرى تحت أعين أطفال آخرين ينظرون ولا يفهمون لكنهم لا محالة يدركون أن دورهم ربما قد يأتي بعد يوم أو أسبوع. ثم أتلفت يسرة وأرى فتاة أخرى وصبيا آخر وأرى الطفولة كما يجب أن تكون: آمنة في سربها، مطمئنة بين أحضان والديها، لها قوت يومها، فلا أفتؤ أفكر بتلك الطفولة التي اغتصبوها في البيوت وفي المدارس وفي المستشفيات وفي المساجد وعلى الشواطئ، طفولة منهوبة، براءة مسلوبة، بلاد منكوبة وأناس غافلون.

وأبقى هكذا واجمة ذاهلة ثم أستفيق على صوت الإمام وهو يدعو لغزة، بضع دعوات يتيمات، تمنيتها أن تكون أكثر حرارة وغزارة وانكسارا ولكن لا بأس سأدعو لهم في صلاتي وسأجتهد بإذن الله في دعائي.



*****


وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ

بعد صلاة الفجر جلست أقرأ كلام ربي. كنت أقلب الصفحات في سورة الإسراء وأحاول التركيز في كل كلمة أقرأها، فلا فائدة تُرجى من قراءة آلية أسابق بها الزمان، الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتذاكر القرآن مع جبريل عليه السلام مرة واحدة في رمضان إلا السنة الأخيرة من حياته فقد تذاكره مرتين. لا أحب تلك الخرافات ولا أصدقها عن الإمام الشافعي الذي كان يختم القرآن ستين مرة في رمضان، ما هذا الهراء؟ الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن ختم القرآن في أقل من ثلاث، حتى وإن كنا في رمضان فلا يجوز بحال مخالفة هذه القاعدة. ثم متى كان يصلي ويأكل وينام؟ كم أكره هذه الخرافات الجوفاء والأكاذيب والببغائيات العمياء.
ما أجمل أن تقرأ القرآن بتدبر وها أنا ذا أقرأ آية لكأني أراها لأول مرة في حياتي:

وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا(الإسراء 53)

سبحانك اللهم وبحمدك. لقد خاطبتني هذه الآية مباشرة ووَلجت شغاف قلبي، هي كلمات في الصميم ذكرتني بشخص قريب، أعادت لذهني حادثة أليمة، يا ليتني تمالكت غضبي وكتمت حنقي وأسفي ولم أقل لها تلك الكلمات. كلمات حق هي فعلا لكنها لا تقبل الحق، فلأحتفظ به لنفسي إذن. إن الشيطان قد نزغ بيني وبينها، أفضل أن أبقى مظلومة كاظمة على أن أكون مظلومة منتصرة، هناك من لا يطيقون الحق ولا يعترفون بالذنب ويحسبون أنفسهم معصومين وأبرياء مساكين فلا جدوى من الكلام. دعيهم يا نفس يظنون ما يشتهون، دعي المراء واحتسبي الأجر عند الله. وجدتني أسارع إلى هاتفي الجوال وأرسل رسالة حب واعتذار. ولم يُطوَ ذاك النهار حتى جاءني ردها الإيجابي قبيل المغرب. ستكون شربة الماء أعذب عند الإفطار.

اللهم اجعلنا من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، اللهم أفرغ علينا صبرا جميلا وقوّنا بالإيمان يا رحيم يا رحمان.


******

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ


يقول المفتي بأن الرؤيا تعذرت في جميع الولايات فمالي أراه يعلن حلول العيد؟ أتذكّروا الآن الوحدة العربية الإسلامية؟ أريد يوما آخر في رمضان، رمضان، رمضان ! مازلت أشكو قسوة قلبي، مازالت عيني لم تدمع وقلبي لم يخشع، مازالت لي ختمة معلقة لم أكملها وسجدة طويلة مديدة لم أسجدها، ما زالت لي أذكار لم أقلها، كيف يرحل رمضان وبالكاد حل؟

أتذكر عامل البناء الذي قال لي قبل أيام :"هانا نكملو فيه بالسيف"، وتلك الحلاقة التي قالت لأختي:" نسنى فيه وقتاش يوفى بالدقيقة والدرج" فتذهب نفسي حسرات على غفلة المسلمين. لو كان الأمر يتعلق بمتاع الدنيا الفاني لرأيتهم يغرفون ولا يزالون يستزيدون. أما غرس جنان الآخرة فلا شأن لهم به، يعملون أعمالا صغيرة وتراها أعينهم كبيرة ويركنون ويطمئنون ولا يجتهدون في الدعاء، ينامون عن الصلاة في يومهم ويحيون ليلهم بالسمر واللهو والأكل والشراب. لا ترى القناعة إلا في أمور الدين أما في أمور الدنيا فلا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جابر:


" لو أن لابن آدم واديا من مال لتمنى واديين ولو أن له واديين لتمنى ثالثا ، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب " . رواه أحمد ، وفيه ابن لهيعة ، ويعتضد حديثه بما يأتي ، وبقية رجاله رجال الصحيح .

كان الصحابة الكرام يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان ثم يمضون الستة أشهر الباقية يسألون الله أن يتقبل أعمالهم، أما نحن فلا نتذكر رمضان إلا قبل أسبوع أو أسبوعين، ثم إذا انقضى هجرنا الكتاب وتركنا القيام وأطلقنا اللسان بلغو الكلام وأسرفنا في الطعام وإنا لله وإنا إليه راجعون!

 اللهم أصلح حالنا وردنا لدينك ردا جميلا.

كان هذا 



ومازال في القلب بقية...

0 التعليقات:

إرسال تعليق